من كأس العالَم.. هنا فلسطين!

مَن يسمع أحاديث الناس في الشوارع والمقاهي والبيوت على امتداد المنطقة، وأمام الشاشات العملاقة والصغيرة على السواء، ومَن يصغِ لهتافهم وقت الهدف المصري، وغضبهم الفائر بعد النتيجة التي أجحفتهم، يفهم أنّ كل رجلٍ وامرأة يرى في هؤلاء الشباب في المنتخب ولداً من أولاده، وأنّ كل طفل فرح عند فوزهم وجرت دموعه حارة عند خسارتهم، يرى فيهم إخوته وأبطال أحلامه... لعلّ فلسطين رمزنا الجامع الأكبر، ومن هنا حضورها في كلّ هذه المباريات، في المدرجات والملاعب والشوارع الأميركية كذلك. لهذا السبب يقفز أحدنا فرحاً عند تحقُّق هدف، أو تنهمر دموع مَن لا يفقه في كرة القدم شيئاً عند الخسارة: ذلك انتماء إلى الناس أكثر مما هو انتماء إلى اللعبة بذاتها...
2026-07-09

شارك
مدرب منتخب مصر حسام حسن رافعاً علم فلسطين بعد فوز المنتخب المصري على أستراليا بضربات الترجيح.
إعداد وتحرير: صباح جلّول

"مسّنا الحلمُ مرّة".. هكذا قال الناس همساً وجهراً بعد مباراة الثلاثاء بين منتخبي مصر والأرجنتين. صار "الحلم" و"الأمل" و"المثابرة" الحقل المعجمي لمباراة لم تكسبها مصر، لكنها ربحت قلوب جماهيرها وافتخارهم. خرج المنتخب المصري (أو أُخرِج) يوم الثلاثاء الماضي من دور الـ 16 في كأس العالَم لكرة القدم (المونديال)، بعد مباراته مع المنتخب الأرجنتيني، فيما تردد صدى مشاركته مدوياً. فمِن مفاجأة الأداء المتماسك للمنتخب، ووصوله إلى مرحلة متقدمة من أدوار كأس العالم، إلى المواقف المتكررة الشجاعة التي عبّرت عن مناصرة فلسطين وأهلها، قدّم المنتخب المصري نموذجاً رياضياً مشرِّفاً يتوق الناس في منطقتنا لرؤية مثله، فصاروا أبطالهم، قولاً وعمَلاً.

اصطحبَنا "منتخب الفراعنة" في رحلةً حالِمة، مررنا فيها بأطوارٍ من البهجة والفخر والألم والدموع. وقد ظلّل هذه الرحلة، فوق ساحات الحدث الأهمّ في العالَم، وتحت أنظار مئات الملايين في كلّ مكان، علمُ فلسطين، إلى جانب العلم المصري، وبالمكانة والمرتبة نفسها، وبعد كلّ من الفوز والخسارة، كما اسمُ فلسطين وذِكرُها، فجعل منها هيَ الحدث.

مَن يسمع أحاديث الناس في الشوارع والمقاهي والبيوت في مدننا وبلداتنا على امتداد المنطقة، وأمام الشاشات العملاقة والصغيرة على السواء، ومَن يصغِ لهتافهم وقت الهدف المصري، وغضبهم الفائر بعد النتيجة التي أجحفتهم، يفهم أنّ كل رجلٍ وامرأة يرى في هؤلاء الشباب في المنتخب ولداً من أولاده، وأنّ كل طفل فرح عند فوزهم وجرت دموعه حارة عند خسارتهم، يرى فيهم إخوته وأبطال أحلامه. لا يهمّ في ذلك إن كان هذا الرجل أو تلك المرأة أو ذاك الطفل فلسطينياً أو لبنانياً أو جزائرياً أو سوى ذلك، فالآن الكلّ مصريون، وفي حين آخر، عندما تلعب المغرب، يكون الكلّ مغربيين، وحيث يحضر أبناؤهم يكونون بجوارحهم وعواطفهم مشجِّعين، على امتداد هذه المنطقة التي تحبّ الفرح ولا تجده بيسر، فتحتفي به أضعافاً..

انظروا صور الناس في غزّة وقد طفوا على وجه الجرح لبرهة، إلى فسحة من هواء الفَرح. هل ثمّة أثمن من فرحتهم في هذا الزمن المرّ؟

C:\Users\Sabah\Downloads\Palestinians watch a World Cup match amidst the ruins in Gaza CityGAZA CITY, GAZA, PALESTINE - J.jpg

C:\Users\Sabah\Downloads\Palestinians watch a World Cup match amidst the ruins in Gaza CityGAZA CITY, GAZA, PALESTINE - J (3).jpg

C:\Users\Sabah\Downloads\Palestinians watch a World Cup match amidst the ruins in Gaza CityGAZA CITY, GAZA, PALESTINE - J (1).jpg

جمهرة من الغزيين يشاهدون مباراة مصر-الأرجنتين وسط الخيم والركام، وفرحة بهدف مصر. (الصور: عبد الحكم أبو رياش – عن صفحة المصور على انستغرام).

ما أثار جنون إسرائيل..

أشعلت لفتةٌ من مدرب المنتخب المصري حسام حسن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، بعد التقاطه علماً فلسطينياً من المدرجات، والتلويح به أمام الجماهير، وذلك بعد فوز مصر في مباراتها ضد أستراليا في الثالث من تموز/يوليو الحالي. وفيما احتفى الناس بتلك اللحظة، سارعت الصحافة الصهيونية إلى المطالبة بمحاسبة حسام حسن على رفع العلم، فادّعت القناة 12 الصهيونية أنّ في تصرفه "خرقاً لقوانين الفيفا"، وهو كذب صريح، لأن فلسطين عضو في المنظمة، ويجوز بالتالي رفع علمها. كما انتشرت تغريدات إسرائيلية تحثّ على تشجيع الأرجنتين ضد مصر للأسباب نفسها، وعبّرت صحف إسرائيلية عن مفاجأتها من منظر الحشود في غزة التي تجمهرت لتشجيع مصر.

تغيظ هذه "اللمة" إسرائيل بجنون، وتصير معها لعبة كرة القدم مقياساً عاطفياً أخلاقياً كاشِفاً، ومِن هنا أهميتها التي تتعدى العصبية و"اللهو" إلى ميداني السياسة والمجتمع. مرة بعد مرة، تكشف انفعالاتنا أننا – كشعوب - ما زلنا نرى انتماءنا بشكلٍ يتجاوز حدودنا الضيقة، ليشمل كلّ مكان لنا فيه إخوة يشبهوننا بهمومهم وأحلامهم ونضالاتهم، من مصر إلى المغرب (فازتا أم خسرتا).

ولعلّ فلسطين رمزنا الجامع الأكبر، ومن هنا حضورها في كلّ هذه المباريات، في المدرجات والملاعب والشوارع الأميركية كذلك. لهذا السبب يقفز أحدنا فرحاً عند تحقُّق هدف، أو تنهمر دموع مَن لا يفقه في كرة القدم شيئاً عند الخسارة. ذلك انتماء إلى الناس أكثر مما هو انتماء إلى اللعبة بذاتها...

أما المدرب حسام حسن، فلم يكتفِ برمزية العلَم، وتجاوزها إلى التصريح الواضح للصحافة مباشرة من الاستاد، مهدياً الفوز للفلسطينيين كما المصريين تماماً. واستفاض في الكلام في المؤتمر اللاحق، مستغلاً منبراً دولياً مهماً تنقله كل الشاشات العالمية للحديث عن فلسطين، لا عن تقنيات كرة القدم وتوقعات المباريات فحسب، كما هو مُتوقّع من هذه المؤتمرات:

"عار عالعالم كلّه، مش الوطن العربي بسّ، لأ، عار علينا كلّنا، وعار على أصحاب القرار. إذا وُجد فرد في العالم لم يحسّ بالشعب الفلسطيني، ما يبقاش بني آدم (...) أنا لو ما حسّيتش كبني آدم، يبقى ما ليش لازمة. لو أيّ بني آدم على وجه الأرض ما حسّش باللي بيحصل في فلسطين – بغض النظر عن إن هو مسلم، مسيحي، يهودي – يبقى مش بني آدم. يعني عادي جداً إنو النهار دَه يكون في 3-4 آلاف ماتوا بصواريخ؟ عادي ماتوا؟".

بدا كأن حسام حسن قرّر مسبقاً أن من مسؤوليته استثمار المنبر الذي مُنح له بصفته مدرباً لإشهار كلمة حقّ أمام العالَم. وفي تلك اللحظة، صار "بطلنا" جميعاً.

منذ 24 سنة، كان حسام حسن نفسه لاعب كرة قدم شاباً، نازلاً الملعب كأحد لاعبي المنتخب العربي المصري لمواجهة منتخب الفدائي الفلسطيني على استاد القاهرة عام 2002. في مقطع فيديو قديم، يظهر حسن لابساً على زنده شارة المنتخب الفلسطيني، في تعبيرٍ ودّي عن انتمائه عاطفياً لفلسطين، رغم خوضه المباراة ضد فريقها في ذلك الحين. أليسَ في هذا نوعاً خاصاً من الولاء والانتماء؟..

****

وكما حال المدرّب، كذلك أمرُ اللاعبين والجماهير المشجِّعة في الملعب وخلف الشاشات. في كلّ مكان، كان يلوح علم فلسطين، يعلو هتاف لغزّة، وتصير المباراة مع الأرجنتين كأنها "منازَلةً رمزيّة" بين فسطاطَين.

في مدينة دالاس الأميركية، تحوّل تجمع مشجعي منتخبي مصر والمغرب (وهؤلاء ليسوا مصريين ومغاربة فقط، بل من كل أبناء المنطقة) إلى ساحة احتفال غطّتها الأعلام الفلسطينية على وقْع أغنية "أنا دمي فلسطيني".

جماهير عربية تحتفل في مدينة دالاس بالولايات المتحدة على وقع أغنية "أنا دمي فلسطيني". (المصدر: إحسان عوض- انستغرام) 

من المدرجات في كأس العالم.. (عن وسائل التواصل الاجتماعي)
غزة محتفلة بفوز مصر على أستراليا في 3 تموز/يوليو 2026 (أسوشيتد برِس)

الفيفا متهمة بالانحياز

شعر الناس بالأمل، وشعروا بفخرٍ بانتمائهم، وهذا لوحده مكسَبٌ لا يقدَّر بثمن. لقد خسرت مصر مباراة الثلاثاء الماضي مع الأرجنتين، بعد تقدّم مذهِل للمنتخب المصري بهدفين مقابل صفر، إلى أن ألغى الحكم أحد الأهداف المصرية بحجة وجود خطأ من لاعِب، قبل أن يُتّهم بالتغاضي عن خطأ مماثل من لاعبٍ أرجنتيني، ما سمح بانقلاب النتيجة لصالح الأرجنتين في الدقائق الأخيرة من المباراة. رفع مدرّب المنتخب المصري يديه بعلامة X، مبرزاً رمز "العنصرية" ضدّ الحَكم الفرنسي، ومتهِماً إيّاه بالانحياز.

لم يطلع صباح اليوم التالي إلا بسيل تعليقات سياسية ومن محللين كرويين دوليين حول ازدواج المعايير في انتقاء الأخطاء والأهداف، وتحدث المنتخب المصري عن ظلمٍ وانعدام عدالة. لكنّ ردود الفعل الشعبية تجلّت في عاطفة تكاد تكون أموميّة: "ما تزعلوش، رفعتوا راسنا! يا أبطال، شرّفتونا!"

هؤلاء نحن..

وبغض النظر عن التفاصيل التقنية والأخطاء ودهاليز مؤسسة الفيفا التي تواجه اتهامات بالفساد والانحياز (دونالد ترامب توسّط مثلاً لإبطال عقوبة البطاقة الحمراء على لاعب أميركي، وهو ما شكّل فضيحة مرّت بكل الأحوال!)، يبقى هذا الموسم الرياضي تذكيراً بأن كرة القدم ميدان كبيرٌ للسياسة والمجتمع أيضاً[1]، وفرصة لقياس مشاعر الناس وانحيازاتهم وعاطفتهم، بما يفاجئ المتابِع أحياناً بتجاوزه الحدود والعصبيات الضيقة التي يقوم عليها مبدأ تشجيع فريق أو آخر.

هل تغيّر العالَم؟ قطعاً لا. ما زالت المظالِم مظالِماً، وما زالت حكوماتنا خانِعة أو قامِعةً تحبس أولادها... لكنّ شعوب منطقتنا شكرت منتخبي مصر والمغرب على تذكيرها بما لا ينبغي لها نسيانه: بأن "ما زال للحلم بقية"، وأن ليس الإحباط قدَرنا النهائي، وأنه يمكن لشباب بلادنا أن يكونوا أنداداً، وإن لم تتح لهم الإمكانيات والملايين ذاتها المتاحة للفرق الكبرى.

ذكَّرونا بأن الانتماء امتداء رَحب، لا حدودٌ خانِقة، وأن فلسطين ما زالت بين شعوبنا النبضَ الأساس. من هنا منبع كل مشاعرنا التي تفيض على السطح فجأة، مرة واحدة. مِن هنا يقع علينا مباغِتاً سِحر هذه اللعبة المشترَك...

______________________

  1. اقرأوا من دفاتر السفير العربي، دفتر "كرة القدم: لماذا تهمّنا؟".

مقالات من مصر

تحقيق استقصائي | النقاط السوداء: بؤر النزيف على طرق القاهرة الكبرى وضواحيها

رباب عزام 2026-07-08

في النشرة الأخيرة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (نيسان/ أبريل 2025)، سَجّلت محافظتا بورسعيد والأقصر رصيد صفر حوادث وإصابات، للعام 2024، وذلك لعدم تلقّي الجهاز بيانات متعلقة بالمحافظتين، بسبب انضمامهما...

"صمت مفروض": غياب سياسات الحماية يمنع صحافيات من الإبلاغ عن التحرش الإلكتروني في مصر

يكشف التحقيق عن غياب سياسات الحماية من التحرش الإلكتروني، في بيئة العمل الصحافي وبين زملاء العمل، داخل المؤسسات الصحافية في مصر، ما يدفع الصحافيات إلى التراجع عن الإبلاغ، خوفاً من...

مصر .. الترميم والنجاة في زمن الطغاة

منى سليم 2026-06-11

هناك تجارب عالمية ملهِمة، عملت عليها مئات الدراسات، باحثةً في منحنيات الصعود والهبوط، وهل النجاح يشترط بالضرورة رؤية أيديولوجية، أو يمكن الانطلاق من الروح الاحتجاجية باتجاه رؤية عملية سياسية؟ وعشرات...