انتهت الحرب؟ لم تنته بعد. ربما.
كثيرون من أهالي مدينة صور عادوا إليها إثر الإعلان عن الاتفاق الإيراني الأميركي منتصف حزيران/ يونيو. استمرت المعارك في كفر تبنيت وتلة علي الطاهر المشْرفة على النبطية، واستمر قصف العدو للنبطية الفوقا بالمدفعية، ومع ذلك اكتظ الخط الساحلي جنوب صيدا بآلاف السيارات التي أقلّت نازحين اشتاقوا إلى بلداتهم وقراهم، في قضاء صور، خارج المنطقة الملونة بالأصفر. تلك المساحة التي يريدها العدو منطقة عازلة جديدة، على غرار الشريط الحدودي، الذي أنشأه بعد اجتياح 1978، ونصَّب عليه عميله سعد حداد متصرِفاً.
قبيل الإعلان عن ذلك الاتفاق، كان العدو قد وصل إلى ذروة جديدة في تهديد المدينة التاريخية، حيث ظلل الناطق العسكري باسمه، صور ومخيماتها الفلسطينية بالأحمر، ودخلت "حارة المسيحية" للمرة الأولى ضمن التهديد، أي قسم المسيحيين في الحارة القديمة، الذي يضم أحياء الكاثوليك والأرثوذكس والموارنة. وقع لبنان الرسمي في فخ العدو، حيث انصبَّت المطالبة بتحييد هذا الحي تحديداً، وليس تحييد المدينة وجوارها، أو على الأقل تحييد حارة صور القديمة بقسميها، أي بإضافة "حارة الإسلام" (أحياء الجورة والمصاروي، والمنارة، والجامع، والحسينية). وظهر مصطلح غريب على أهل المدينة، حيث سَمّت بعض وسائل الإعلام "حارة المسيحية" بـ"الحارة الغربية"، وكأن في صور شرقية وغربية! لكن هذا الأمر، على غرابته، صار معتاداً من قبل السكان، فما يقوله العدو هو "الصحيح" و"الماشي" و"الحقيقي"، على الرغم من معرفة الجميع بأنه كاذب، فلا مقاتلين للمقاومة ولا عتادَ عسكرياً لها، لا في الحارة القديمة ولا خارجها. وعلى كل ذلك، أتت الجولات الرسمية من ممثلي البلدية والأجهزة العسكرية والفعاليات الدينية لتنفي ما ادعاه العدو، الذي لم يحتج يوماً إلى ذريعة لقصف المدنيين وتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم، لا في صور ولا في غيرها من المناطق اللبنانية.
موسم العزاء
لم تحتفل صور بعيد الأضحى الذي صادف 27 من أيار/ مايو هذا العام، إذ كانت تحت القصف منذ مطلع آذار/ مارس 2026، ولم يترك العدو شارعاً من شوارعها إلا ودمر فيه عدداً من المباني. من تبقّى من أهلها فيها، ومع كل تحذير، كانوا ينزحون باتجاه "حارة المسيحية" والمينا، أو "شط الخراب" جنوبها.


تزامن ما سُمِّي بـ"وقف إطلاق النار" مع رأس السنة الهجرية الجديدة. ومع عودة الأهالي تدريجياً حلّ الحزن على المدينة كلها، بأهلها وبالنازحين إليها. كأن كثيرين من الأهالي أجّلوا حزنهم على أحبائهم الذين فقدوهم، وعلى الجرحى الذين لمّا تبرأ جراحهم بعد، وعلى الأبنية التي دمرها العدو فاستحالت ركاماً يغلق كثيراً من أزقة المدينة، وتقلدوا حزناً آخر متوارَثاً، وذلك إحياءً لذكرى عاشوراء في المدينة ذات الغالبية الشيعية. كأنهم فرّوا من حزنهم المقيم فيهم منذ بدء موجة العدوان الأخيرة في الثاني من آذار/ مارس إلى حزن طقسي آخر اعتادوا عليه.
كثيرون من أهالي مدينة صور عادوا إليها إثر الإعلان عن الاتفاق الإيراني الأميركي منتصف حزيران/ يونيو. استمرت المعارك في كفر تبنيت وتلة علي الطاهر المشْرفة على النبطية، واستمر قصف العدو للنبطية الفوقا بالمدفعية، ومع ذلك اكتظ الخط الساحلي جنوب صيدا بآلاف السيارات التي أقلّت نازحين اشتاقوا إلى بلداتهم وقراهم، في قضاء صور، خارج المنطقة الملونة بالأصفر.
دخلت "حارة المسيحية" للمرة الأولى ضمن التهديد، أي قسم المسيحيين في الحارة القديمة، وظهر مصطلح غريب على أهل المدينة، حيث سَمّت بعض وسائل الإعلام "حارة المسيحية" بـ"الحارة الغربية"، وكأن في صور شرقية وغربية! لكن هذا الأمر، على غرابته، صار معتاداً من قبل السكان، فما يقوله العدو هو "الصحيح" و"الماشي" و"الحقيقي"، على الرغم من معرفة الجميع بأنه كاذب. نجت صور من "قطوع" مرعب، ولم يقصف العدو الحارة لكنه أنهك أعصاب الناس بتهديداته الأخيرة.
بين الأبنية والمنازل المدمرة نشطتْ "البوبكات" (جرافات صغيرة) لفتح عدد من الطرق ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وتكللت البيوت بالسواد ورفعت رايات المناسبة إلى جانب صور الشهداء. تقاطر الناس من المدينة وجوارها إلى "مجلسي العزاء المركزيين": الأول، لم تنظمه "حركة أمل"، كما جرت عادتها في "ساحة القسم" غرب البوابة التراثية، بل انضم ممثلوها إلى المجلس المنظّم في "نادي الإمام الصادق"، شرقها. وهذا النادي الحسيني (حسينية) أسسه إمام المدينة الراحل عبد الحسين شرف الدين في ثلاثينيات القرن الماضي. أما الثاني، فنظمه "حزب الله" في موقف الآثار، قرب الطريق المؤدي إلى قوس النصر الروماني، كما جرت العادة في السنوات الأخيرة، حيث يُنشَأ منبرٌ خشبيٌّ، تمتد أمامه صفوف من الكراسي البلاستيكية.
جبل عامل تحت حكم المستشار: السبيل إلى لبنان الكبير
20-11-2025
طريق صيدا – صور: عن العبور في كارثة عابرة
11-12-2025
تزايد العائدون إلى المدينة يوماً بعد يوم، فتزايد الحاضرون من مناصري التنظيمين الشيعيين الرئيسيين، في المجلسين المركزيين حتى امتلأ في العاشر من مُحرّم، الذي يشهد ذروة هذه المناسبة الدينية السنوية. من نافلة القول إن هذين التنظيمين يحظيان بالتمثيل الأوسع في جبل عامل ككل، وفي قضاء صور على نحو خاص. فالسواد الأعظم من العامليين مناصرين لهذا الثنائي، ومدينة صور لا تشذّ عن ذلك من حيث التمثيل البلدي والنيابي وفي الوظائف العامة، إلا أن الغالبية فيها لا يمكن وصفها بالساحقة، على صعيدي الانتماء إلى أحد التنظيمين أو مناصرتهما.
قبل ثلاثة عقود، رسا المجلس العاشورائي لدى التنظيمين على برنامج محدد: قراءة القرآن، كلمة سياسية، قراءة التعزية المرتبطة بمصرع الحسين بن علي وأهل بيته، ثم اللطمية، وهي قصيدة باللهجة العراقية يؤديها رادود، يرافقها لطم المشاركين صدورهم وفق إيقاع محدد. وقد لعبتْ المجالس الحسينية، التي تربط بين واقعة كربلاء التي حدثت سنة 680 (61 هجرية) والواقع الحالي، دوراً سياسياً توجيهياً داخل التنظيمين ولدى مناصريهما على حد سواء. وذلك ليس في الحرب المستمرة منذ "إسناد غزة" سنة 2023، بل منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران، التي رفعت شعار "إن كل ما لدينا من عاشوراء"، وقد ترسّخ هذا الشعار، بشكل ممنهج، في اللاوعي الشيعي العاملي خلال العقود الماضية، بعد انعتاق تنظيم هذه المجالس من الأيام العشر الأولى من شهر مُحرَّم، إلى مختلف أيام السنة في مناسبات خاصة وعامة.
في المقابل، تحافظ صور، في إحيائها هذه، المناسبة الحزينة، المرتبطة بالعقيدة من جهة وبالوجدان الجماعي من جهة أخرى، على شكل أكثر عفوية وأقل تنظيماً يتمثل سنوياً في "مسيرة أولاد الحارة"، التي تفيض من الحارة القديمة ليلة العاشر من مُحرَّم، وتجول في شوارع حي الرمل وأزقته. على الرغم من الدمار الهائل والخسائر في الأرواح والممتلكات، خرج أولاد الحارة ليعبِّروا عن حزنهم في حدث ينتظره أهل المدينة، ويشاهدونه من جوانب الشوارع، ومن شرفات المنازل.
لسبب ما، لم ترق هذه المسيرة في صور إلى التمثيلية (الشبيه)، التي تنظَّم في مدينة النبطية كل عام. أفادت النبطية من الإصلاحات العثمانية سنة 1909، التي أعقبت حادثة 31 آذار/ مارس الانقلابية في العاصمة إسطنبول، ونتج عنها عزل السلطان عبد الحميد الثاني وتحويل الدولة العثمانية إلى مَلكية برلمانية. ففي تلك الحقبة، عاد الشيخ عبد الحسين صادق إلى النبطية، وكانت تسكنها بعض الأسر الفارسية التي تؤدي الشعائر بشكل لم يعهده العامليون. أطلق صادق أسس مراسم الاحتفالات العاشورائية؛ بناء على ما عُرِف بالمسرح الفارسي الذي كان منتشراً في العراق، ثم تطورت شيئاً فشيئاً على يده من مواكب ولطم وعزاء إلى مسرحية صامتة تمثَّل فيها بعض مشاهد واقعة كربلاء. ثم في ثلاثينيات القرن الماضي تحولت إلى مسرحية تراجيدية كاملة أعدّ نصّها بنفسه، قبل أن يطوِّر السيناريو، في وقت لاحق، الشيخ محمد تقي صادق. ربما لم تتأخر مدينة صور عن الالتحاق بركب الشعائر العاشورائية مطلع القرن الماضي، لكن مسيرة أولاد حارتها أكثر عفوية وبساطة، على أنها تبدو لمشاهديها كأنها فصول تراجيدية متتابعة.
لم تحتفل صور بعيد الأضحى الذي صادف 27 من أيار/ مايو هذا العام، إذ كانت تحت القصف منذ مطلع آذار/ مارس 2026، ولم يترك العدو شارعاً من شوارعها إلا ودمر فيه عدداً من المباني. من تبقّى من أهلها فيها، ومع كل تحذير، كانوا ينزحون باتجاه "حارة المسيحية" والمينا، أو "شط الخراب" جنوبها.
كأن كثيرين من الأهالي أجّلوا حزنهم على أحبائهم الذين فقدوهم، وعلى الجرحى الذين لمّا تبرأ جراحهم بعد، وعلى الأبنية التي دمرها العدو فاستحالت ركاماً يغلق كثيراً من أزقة المدينة، وتقلدوا حزناً آخر متوارَثاً، وذلك إحياءً لذكرى عاشوراء في المدينة ذات الغالبية الشيعية. كأنهم فرّوا من حزنهم المقيم فيهم منذ بدء موجة العدوان الأخيرة في الثاني من آذار/ مارس إلى حزن طقسي آخر اعتادوا عليه.
لا يشارك مناصرو "حزب الله" في هذه المسيرة، فمع تحريم المرجعية الإيرانية "شعيرة التطبير" (جرح الرؤوس وإسالة الدماء) حرّمها مقلِّدوها في لبنان. أما مناصرو "حركة أمل" فيتقاطعون مع المشاركين فيها من مبدأ الانتماء إلى المدينة.
تنطلق المسيرة من الحارة، وراء سيارة إسعاف تطلق بوقها منبهة المشاهدين المنتظِرين، وعلى مسافة منها يسير حَمَلة الجنازير، وهم حوالي عشرة أفراد، لدى ثلاثة منهم على الأقل أجسام ضخمة، يحملون جنازير كبيرة يرفعونها بكلتا اليدين إلى الأعلى، ثم يهوون بها على ظهورهم العارية. أمامهم وبينهم يسير كبار السن من أهل المدينة، وهم يلطمون صدورهم ورؤوسهم بأيديهم مرددين "أيّا شريعة حللتْ قتلَ الحسينَ بنَ علي"، وكأنهم بذلك يمنحون المسيرة شرعية الزمن وبرَكَة شيخوختهم. بعد حَمَلة الجنازير، ينطلق موكب التطبير، وهو المشهد الأكثر إثارة في المسيرة، يرتدي الشبان فيه قمصاناً بيضاء وهم يلطمون أماكن الجروح في رؤوسهم على وقع صرخات "حيدااار حيدر"، فتتلطخ القمصان بدمائهم، وتنطلق الصرخات: "يا عباس جيب المي لسكينة"، و"زينب بتنادي يا حسين، قوم انهض يا نور العين...". ثم تتنوع المشاهد في مواكب اللطم واحداً تلو الآخر. ومن الملفت أن الصرخات المردَّدة عبر الميكرفون هي بالعامية المحلية حصراً، لا أثر فيها للهجة العراقية أو للإمالة الفارسية.
في السنة الحالية، دُمج مشهد آخر في المسيرة عشية العاشر من مُحرّم، كان يُفترَض أن يشكل مسيرة أخرى عشية الحادي عشر منه، وهو مشهد السبايا، حيث يرتدي رجل مغطى الوجه مقيد بالسلاسل زيّاً عربياً قديماً، وهو يؤدي دور زين العابدين علي بن الحسين، ويقود خلفه نساء مقيدَات بالسلاسل، يؤدين دور السبايا في رحلتهن من كربلاء إلى الشام.
فوق الركام وتحته
ظِهر العاشر من مُحرّم، بعد تلاوة "المصرع"، تنتهي مراسم عاشوراء السنوية في صور بما يسمى "الفلّة". عاد قسم آخر من أهالي المدينة إليها بعد عاشوراء. ربما أرجأوا عودتهم إلى حين اتضاح الأمور بشأن اتفاق آخر وقعه لبنان الرسمي مع العدو برعاية أميركية في نيويورك.
في الظاهر، تنعم صور بهدوء نسبي، على أن أصوات التفجيرات الهائلة في قرى قضائها المحتلة كانت تصل إليها. يتفقد الناس أرزاقهم، فقد ازداد عدد المباني المدمرة بشكل كبير بين آذار/ مارس وحزيران/ يونيو 2026، وأضيفت هذه المباني إلى تلك التي دُمِّرت بين أيلول/ سبتمبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لأن الأخيرة لم يُعَد بناؤها في مرحلة ما بين التصعيدين، بل كل ما تمكنت البلدية والجهات المعنية فعله خلالها هو إزالة الردم. كانت تبدو مثل فجوات في البيئة العمرانية، انضمت إليها اليوم عشرات المباني التي تنتظر إزالة الركام. إلا أن هذه العملية الشاقة تبدأ بخطوة تمهيدية بيروقراطية ضرورية، ففي الأسبوع الأول من تموز/ يوليو الجاري، دعت البلدية أصحاب الشقق في المباني المدمرة للحضور شخصياً إلى مركزها؛ بغية إبداء موافقتهم الخطية على المباشرة في هذه العملية المعقدة التي قد تطول.


وبدأت الأزمات التي تلي كل حرب تلوح في أفق تموز/ يوليو الحارق. المدينة تؤوي آلاف النازحين إليها من قرى القضاء المحتلة، إلى جانب أبنائها وسكانها الذين فقدوا منازلهم. فيما تكتظ المدراس الرسمية بالنازحين، تنتشر خيامهم على شاطئ الخراب، الذي كان ملاذاً شبه آمن أثناء الاستهدافات المتعددة للمدينة. "لا أماكن شاغرة"، "لا شقق للإيجار". هناك العديد من الشقق وهي معروضة للإيجار لكن ببدل شهري خيالي، وبدون أي رادع أو رقابة على أصحابها وسماسرتها. يبدو أن مرحلتي التصعيد في العامين 2024 و2026، صبّتا في مصلحة أصحاب الشقق التي لم تُستهدَف على حساب أهل المدينة الذين دمر العدو منازلهم، وصاروا لقمة سائغة، وكما يقال: "كل واحد بدو مصلحتو". أتى تحذير البلدية ضعيفاً للغاية وخجولاً أمام الجشع المستشري، وكان أشبه بالتمني، وليس بتحذير أصحاب الشقق من أن يَذبحوا الناس بجشعهم. يقول الناس: "بكينا ع الحسين، وهلق عم نبكي ع حالنا".. هكذا هي الحال، أو "الله يلعن الفقير وعيشتو"، فقد طارت المدخرات مع شهور النزوح الثلاثة في أماكن مختلفة من لبنان، تعرض بعضهم فيها لجشع آخر، لا يقل دناءة عما يتعرضون إليه في هذه الأيام.
في الظاهر، تنعم صور بهدوء نسبي، على أن أصوات التفجيرات الهائلة في قرى قضائها المحتلة كانت تصل إليها. يتفقد الناس أرزاقهم، فقد ازداد عدد المباني المدمرة بشكل كبير بين آذار/ مارس وحزيران/ يونيو 2026، وأضيفت هذه المباني إلى تلك التي دُمِّرت بين أيلول/ سبتمبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لأن الأخيرة لم يُعَد بناؤها في مرحلة ما بين التصعيدين، بل كل ما تمكنت البلدية والجهات المعنية فعله خلالها هو إزالة الردم.
اجرت هيئة تابعة للدولة مسحاً مشابهاً لذاك الذي أجرته فرق الحزب في صور، إلا أن المال لم يصل إلى أصحابه. وهذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها الدولة كشوفات على الأضرار، ولا تصل الأموال إلى مستحقيها. فإثر حرب تموز/ يوليو 2006، لم تصل أموال التعويضات إلا إلى المحظيين من أصحاب الوساطات، على ذمة بعض المستحِقين من أبناء المدينة.
طالت الأضرار الجزئية نسبة كبيرة من الأبنية التي لم تتهدم بالكامل. لا يلوح في الأفق أي أمل بتعويضات يمكن أن يحصل عليها الذين تضررت منازلهم كي يعيدوا إصلاحها لتغدو آمنة وقابلة للسكن. في الشهور الأولى من 2025، حصل عدد كبير من السكان الذين تضررت منازلهم جزئياً على تعويضات مناسبة كي يعيدوا إصلاحها، وذلك بعد مسح هندسي ميداني، أجرته فرق تابعة للحزب، جالت على بيوت المدينة، وكان صاحب المنزل المتضرِّر يحصل على شيك قابل للصرف من فرع "القرض الحسن"، وهي جمعية تابعة للحزب كذلك، دمّر العدو معظم مراكزها في جميع الأراضي اللبنانية في الموجة الأخيرة من عدوانه.
قبل حوالي سنة، عاد معظم أهالي المدينة إلى منازلهم المرمَّمة، واستفادوا من الدعم المباشِر الذي وفره "حزب الله" لهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، فبعضهم رأى أنها هدية من الحزب وشكره عليها، وبعضهم الآخر رأى أن ذلك واجب الحزب الذي خاض حرب إسناد غزة، وبسببه تضررت منازلهم.
عن صُور التي لم تنفض عنها غبار الحرب بعد
30-01-2025
إلا أن تلك المبالغ الكافية للترميم، التي توفرت بعد إسناد غزة، يستبعد كثيرون أن تتوفر بعد إسناد إيران. ربما الأيام المقبلة تنبئ بشيء آخر، فمن تتوفر لديه بعض الأموال لم ينتظر وباشر بإجراء بعض الإصلاحات، وإن كانت في حدّها الأدنى، لكن كي يتمكن من السكن في منزله، ولا يتشرد في الشارع، أو يضع رقبته تحت مبضع أصحاب الشقق. من الجدير بالذكر أن هيئة تابعة للدولة قد أجرت مسحاً مشابهاً لذاك الذي أجرته فرق الحزب في صور، إلا أن المال لم يصل إلى أصحابه. وهذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها الدولة كشوفات على الأضرار، ولا تصل الأموال إلى مستحقيها. فإثر حرب تموز/ يوليو 2006، لم تصل أموال التعويضات إلا إلى المحظيين من أصحاب الوساطات، على ذمة بعض المستحِقين من أبناء المدينة.
فوق هذا الخراب المغطَّى بموجة كثيفة من الأتربة والغبار، يحاول الناس أن يجدوا رغيف قوت يومهم، وتحاول المافيات المستثمِرة في النكبات... أن تنتزعه منهم.
إلى جانب الأزقة المغلقة بمئات الأطنان من الركام، يعيش أهل المدينة في جو من الأتربة والغبار الكثيف بسبب الردم. وكأن غيمة رمادية كبيرة تضغط على الأنفاس. داخل تلك الغيمة، تحاول المدينة أن تعود إلى الحياة، ولا بد لها من تأمين أبسط مقومات العيش. فمع عودة الأهالي تفاقمت أزمة الكهرباء، وبقدرة قادر اختفت التغذية الرسمية بالكهرباء! قيل إن السبب عطل طارئ على الشبكة، وقيل غير ذلك، إذ أفسحت الدولة لمافيا المولدات المجال لتستفيد إلى الحد الأقصى من حاجة الناس إلى التيار الكهربائي، وهكذا صار اشتراك "5 أمبير"، بمبلغ وقدره 225 دولاراً في حدّه الأدنى في المدينة، وتضاف مبالغ أخرى إليه خارج حدود المدينة، حيث كانت وطأة التدمير أكثر. يقال إن التغذية الكهربائية الرسمية ستعود إلى سابق عهدها من التقنين، بعد أن يشعر أصحاب المولدات بالرضى عمّا أنجزوه، فمعظم أهالي المدينة لا يجرؤون على فتح نوافذهم بسبب الغبار على الرغم من حرّ تموز/ يوليو، ويحتاجون بشدة إلى التيار الكهربائي؛ لتشغيل مكيف أو مروحة على الأقل. فكيف يمكن لمافيا المولدات، التي احترفت سحب مبالغ إضافية من جيوب المشترِكين، أن توفر هذه الحاجة الملحة وألا تستثمر فيها!
هذه هي حال صور اليوم. مدينة ساحلية متوسطية شبه مدمرة، تعيش فوق خرائب مدن رومانية وإغريقية وفينيقية، يقال إنها إحدى الحواضر البشرية الأولى على وجه البسيطة. هشّم العدوان وجهها الجميل على دفعتين، يحمل وجهها اليوم حفر مبان مهدّمة من حرب 2024، وبثور ركام مبان أخرى من حرب 2026. فوق هذا الخراب المغطَّى بموجة كثيفة من الأتربة والغبار، يحاول الناس أن يجدوا رغيف قوت يومهم، وتحاول المافيات المستثمِرة في النكبات... أن تنتزعه منهم.
الانحطاط!
29-06-2026
هل انتهت الحرب؟ لا لم تنته بعد. لكنها ربما هدنة وإن طالت، فالعدو متربص بسيدة البحار الناظرة أبداً من رملها الذهبي نحو الأفق، فأمامها صيف اعتاد أبناؤها فيه أن يلجؤوا إلى البحر لعله يغسل بعض حزنهم الثقيل، ويؤجِّل بعضه الآخر إلى حين.






