انطلقت مساء 11 حزيران/يونيو 2026 المباراة الافتتاحية للنسخة 23 من كأس العالم لكرة القدم، التي تستضيفها بشكل مشترك ثلاثة بلدان، (الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك)، وتتوزع مبارياتها - التي ستلعب خلال الفترة الممتدة ما بين 11 حزيران/ يونيو و19 تموز/يوليو- على 16 مدينة. وينتظر أن يستأثر هذا الحدث الرياضي الأكثر شعبية في العالم باهتمام مئات ملايين البشر وتفاعلاتهم، وينظِّم إيقاع حياتهم طيلة أسابيع.
لكن، فضلاً عن امتعاض كثير من محبي كرة القدم من مَنح بلد مثل أمريكا - ليست له تقاليد كبيرة في هذه الرياضة، ويطلق عليها تسمية "سوكر" بدلاً من "فوتبول"- فرصة تنظيم مونديال ثان (الأول كان في سنة 1994)، فإن الأيام التي سبقت انطلاق النسخة الحالية شهدت انتقادات متواترة، استهدفت خاصة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) والسلطات الأمريكية بقيادة ترمب، وهي تتعلق أساساً بسوء المعاملة التي لقيها جزء من الوفود الرسمية والمشجّعون، والسعي المحموم إلى السلعنة الفجة للمباراة.
دورة التناقضات
هي الدورة الأكثر تمثيلية من حيث عدد الدول المشارِكة وتوزّعها جغرافياً. في هذه الدورة تشارك 48 دولة، نصيب أوروبا منها 16 مقعداً، في حين ارتفع نصيب أفريقيا وآسيا إلى 10 و9 مقاعد تباعاً. العرب أكبر المستفيدين من هذه الزيادة، اذ تمكنوا من حصد 8 مقاعد توزعت بالتساوي على الجناحين الافريقي والآسيوي للمنطقة العربية: (المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، والأردن، والعراق، والسعودية، وقطر)، ومعهم بلدان صغيرة جداً، لا يتجاوز تعداد سكانها بضع مئات الآلاف، من مثل "كوراساو" أو "الرأس الأخضر"، التي استطاعت الحصول على مشاركة في أول مونديال في تاريخها. وهي أيضا أول دورة في تاريخ المسابقة تشترك في تنظيمها ثلاث دول دفعة واحدة.
على الرغم من المساعي الحثيثة - والناجعة إلى حد كبير، يجب الاعتراف بذلك - للفيفا والمستثمرين والقوى السياسية الليبرالية إلى سلعنة كرة القدم كلياً، و"تعقيم" الملاعب، و"تنقية" المونديالات من الفقراء والمدافِعين عن القضايا "المزعجة"، لا يزال كثير من عشاق كرة القدم عبر العالم يقاومون هذا المد، ويحاولون الإبقاء على صلاتها القديمة بجمهورها الأصلي، من أبناء الطبقات الشعبية وقضاياهم وهمومهم.
القيمة الاجمالية للنشاط الاقتصادي المرتبط بمونديال 2026 ستكون في حدود 41 مليار دولار. لكن العوائد المالية محدودة، والمكاسب تُحسب بميزان "القوة الناعمة"، لا ميزان المصروفات والإيرادات. ولعل مونديال قطر 2022 أبرز مثال على هذه الحسابات، عندما أنفقت الدولة الخليجية قرابة 220 مليار دولار، وحقق الاقتصاد المحيط بالمونديال عائدات لا تتجاوز 6 مليار دولار.
كل هذا جميل ويعزز فكرة المونديال والمسابقات الرياضية الكبرى، كفرصة لتلاقي الشعوب وتناسي الاختلافات والنزاعات حتى وإن لمدة أيام قليلة. لكن هذا "الانفتاح" لا يحجب حقيقة ان النسخة الحالية هي الأكثر اقصاء للمشجعين. أولى العقبات هي الشروط المجْحِفة، التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية (وكندا بدرجة أقل) على طالبي التأشيرة من مواطني دول الجنوب العالمي، التي تقصي عملياً 99 في المئة منهم ! ثم إن تنظيم المونديال في أمريكا الشمالية البعيدة جغرافياً عن أغلب الدول المشارِكة، وغلاء تكلفة المعيشة فيها، يعني أيضاً شراء تذاكر طيران فاحشة الغلاء.
الغطرسة الأمريكية بتواطؤ من الفيفا
على الرغم من أن النسخة الحالية تقام في ثلاث دول، إلا أن الولايات المتحدة تحوز النصيب الأكبر من المباريات (78 من جملة 104 مباراة)، كما أن المدن الأمريكية هي الأعلى حضوراً في الخارطة المونديالية (11 من بين 16 مدينة مشاركة)، وهذا يُمكِّنها من فرض إرادتها في مختلف التفاصيل ذات العلاقة بكأس العالم. وربما لم يكن هذا الوضع ليمثِّل مشكلة كبيرة لو تعلّق بدولة أخرى. عدة دول تشارك منتخباتها في المونديال لا يقدر مواطنوها - حتى المقتِدرون مالياً - على دخول الولايات المتحدة بسبب وضعها على قوائم الحظر الشامل أو الجزئي من قبل الإدارة الأمريكية. ولا تقتصر الغطرسة الأمريكية على تعقيد شروط منح التأشيرات للمشجِّعين، بل تطول كذلك البعثات والشخصيات الرسمية. حظي الوفد الإيراني بالنصيب الأكبر من التعسف الأمريكي، فبالإضافة إلى تمكينه من عدد محدود جداً من تأشيرات الدخول، فإنه ممنوع من المبيت في الأراضي الأمريكية، حتى في أيام المباريات التي سيخوضها هناك، مما يجبره على العودة في اليوم نفسه إلى مقر إقامته في المكسيك. مصوِّر المنتخب العراقي ألغيت تأشيرته لدى وصوله إلى "شيكاغو"، أما نجم الفريق، أيمن حسين، فقد تم احتجازه في المطار لسبع ساعات للتحقق الأمني، بدعوى "التثبت من هويته".. حتى الحكام لم يسلموا، اذ فوجئ الحكم الصومالي عمر عرتن، وهو ضمن القائمة الرسمية لحكّام المونديال، بإلغاء تأشيرته لدى وصوله إلى مطار "ميامي" وترحيله، وذلك بسبب "مخاوف أمنية"، ومزاعم حول ارتباطه "بأعضاء مشتبه بانتمائهم إلى منظمات إرهابية". وحتى من لم يلاقي مشاكل تتعلق بالتأشيرة، فإنه نال نصيبه من الغطرسة عبر عمليات التفتيش الدقيق والاستجوابات الطويلة واستعمال الكلاب البوليسية.
____________
من دفاتر السفير العربي
كرة القدم: لماذا تهمّنا؟
____________
وكان من الطبيعي في ظل هذه الممارسات المهينة والمخلة بقواعد الضيافة، أن تتجه الأنظار - والانتقادات أيضاً - إلى "الفيفا". هذه الأخيرة انتهجت سياسة النعامة، اذ تراوحت مواقفها بين الصمت الذي يشبه الرضا والتواطؤ، وتعويم المشاكل والتقليل من شأن تلك الممارسات، أو الاكتفاء بتعليقات تتصنع الحياد من نوع: "نحن لا نتحكم في كل شيء، ونحاول دائماً إيجاد حلول، لكن يجب أن نحترم أننا لسنا ملوك العالم لنفرض قراراتنا على الحكومات وقوات الشرطة، نحن منظمة رياضية"، كما جاء على لسان "جياني إنفانتينو"، رئيس "الفيفا". وقد تكون العلاقة المتينة بين "إنفانتينو" والرئيس الأمريكي، منذ سنة 2016، ذات تأثير كبير على مواقف قيادات المنظمة الدولية الراعية لكرة القدم. حتى أن "إنفانتينو" منح النسخة الأولى من "جائزة الفيفا للسلام" إلى "ترمب" في كانون الأول / ديسمبر 2025، باعتبار "جهوده الاستثنائية وغير العادية لتعزيز السلام والوحدة، ومشاركته في جهود وقف إطلاق النار والجهود الدبلوماسية في العديد من النزاعات". "إنفانتينو" لديه أيضاً حسابات شخصية انتخابية، اذ ستحتضن العاصمة المغربية "الرباط" في آذار / مارس 2027 الجمعية العمومية ال77 للفيفا، التي ستنتخب رئيساً جديداً للمنظمة، أو تجدد للرئيس الحالي، وإنجاح المونديال الحالي بأي ثمن، والحصول على دعم من الولايات المتحدة وحلفائها، قد يلعبان دوراً مهماً في سير العملية الانتخابية.
لكن المونديال هو أيضاً محور لرهانات اقتصادية هائلة.
"بزنس" كأس العالم: الرهانات والمستفيدون
خصصت الفيفا مبلغ 871 مليون دولار، لمكافئة المنتخبات المشارِكة في المونديال، بحسب طول المشوار الذي ستقطعه في هذه الدورة، اذ ستكون أقل مكافئة في حدود 12.5 مليون دولار، وترتفع تصاعدياً مع كل دور ليحصل الفريق الفائز بالكأس على 50 مليون دولار. أرقام قد تبدو مرتفعة لكنها صارت عادية، في عالم كرة القدم المسلّعنة، وهي لا تتجاوز 10 في المئة من العوائد، التي قد تدرها التظاهرة العالمية على "الفيفا"، المقدرة بحوالي 8 إلى 9 مليار دولار، موزعة على 3.9 مليار دولار عوائد بيع حقوق البث التلفزي، وحوالي 3 مليار دولار من بيع التذاكر، بالإضافة إلى قرابة 2 مليار دولار من عوائد التسويق والرعاية. وعموما تقدِّر "الفيفا" أن القيمة الاجمالية للنشاط الاقتصادي المرتبط بمونديال 2026 ستكون في حدود 41 مليار دولار. وبالنظر إلى حجم الاقتصادات في الولايات المتحدة وكندا - وبدرجة أقل المكسيك - لا تبدو العوائد مغرية كثيراً. الدول التي تنظم المونديال - حتى تلك التي تمتلك بنى تحتية رياضية ولوجستية جاهزة، ولا تحتاج مبالغ ضخمة لاحتضان المباريات - تعرف جيداً أن العوائد المالية محدودة، وأن المكاسب تُحسب بميزان "القوة الناعمة" لا ميزان المصروفات والإيرادات. ولعل مونديال قطر 2022 أبرز مثال على هذه الحسابات، عندما أنفقت الدولة الخليجية قرابة 220 مليار دولار، وحقق اقتصادها عائدات لا تتجاوز 6 مليار دولار.
حظي الوفد الإيراني بالنصيب الأكبر من التعسف الأمريكي، فبالإضافة إلى تمكينه من عدد محدود جداً من تأشيرات الدخول، فإنه ممنوع من المبيت في الأراضي الأمريكية، حتى في أيام المباريات التي سيخوضها هناك، مما يجبره على العودة في اليوم نفسه إلى مقر إقامته في المكسيك.
المستفيدون الأساسيون من "اقتصاد" كأس العالم هم بلا شك "الفيفا"، والشركات الراعية، وكبرى مؤسسات الإعلام الرياضي. ومع كل مونديال يجتهدون أكثر لزيادة هوامش الربح. وتكمن براعتهم في تسويق يافطات جذابة تغطِّي النوايا الحقيقية. مثلاً زيادة عدد المنتخبات المشارِكة إلى 48 منتخباً، يتم تسويقه كإنجاز كبير يسمح بمنح الفرصة للدول "المهمَّشة" حتى تظهر في الصورة، وتسعد جماهيرها، وتنمو فيها شعبية كرة القدم أكثر. وهو أمر لا يحظى بإجماع عشاق "الساحرة المستديرة"، ويرون فيه ضرباً لـ"روح" كأس العالم وتاريخها كمناسبة للتنافس الممتع والقوي بين أفضل منتخبات كرة القدم في العالم. الانتقال من مسابقة يخوضها 24 منتخباً إلى 32 منتخباً منذ مونديال فرنسا 1998، ثم 48 منتخباً حالياً، يعني قبل كل شيء زيادة عدد المباريات، اذ ستشهد الدورة الحالية إقامة 104 مباراة، مقابل 64 مباراة في مونديال قطر 2022، و52 في مونديال أمريكا 1994. 40 مقابلة إضافية وزيادة ب10 أيام في عمر المونديال تمثِّل منجم ذهب للرعاة وشركات الإعلان والقنوات الناقلة.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، اذ سيتم انطلاقاً من هذه الدورة تطبيق "بدعة" جديدة، تتمثل في توقف المباريات لمدة ثلاث دقائق في منتصف كل شوط من المباراة، والهدف المعلَن عنه هو "استراحة ترطيب" تُمكِّن اللاعبين من الحفاظ على صحتهم ولياقتهم، ويسمح خلالها للمدرب بالتواصل مع لاعبيه وتوجيههم. قد تكون الفكرة جيدة رياضياً و"إنسانية" في العموم، لكن منطلقاتها - بحسب ما يذهب إليه بعض المنتقدين - ربحية تماماً. فعملياً، صارت المباراة مكونة من أربعة أشواط (على غرار أغلب الرياضات الشعبية في الولايات المتحدة)، تفصل بينها أوقات استراحة، تمثِّل فرصة ذهبية "يقصف" خلالها الحاضرون في الملعب والمتفرِّجون وراء الشاشات بجرعات كثيفة ومركَّزة من الإعلانات والحملات التسويقية. طرحت الفيفا قرابة 7 مليون تذكرة مونديالية للبيع، وبالإضافة إلى الحضور المباشِر، فإن متابعة كأس العالم تتم بطرق مختلفة من قبل مئات ملايين البشر. ففي مونديال قطر 2022 مثلاً، تابع قرابة 1،5 مليار متفرج المقابلة النهائية، وعلى امتداد الدورة سجلت مختلف وسائط التواصل الاجتماعي 5.95 مليار تفاعلٍ مع الحدث الرياضي الأبرز.
ويبدو أنه لا حدود لشهية "الفيفا" وبقية المستفيدِين من مهارات الرئيس "إنفانتينو" في "البزنس"، اذ ستشهد النسخة القادمة من كأس العالم، التي ستتزامن مع الاحتفال بمئوية المسابقة (1930 – 2030) مشاركة 6 دول موزعة على ثلاث قارات في تنظيم الحدث: إسبانيا، والبرتغال، والمغرب، والأرجنتين، والاوروغواي، والباراغواي. وهناك في الأشهر الأخيرة نقاشات حول إمكانية الترفيع، في عدد المنتخبات المشارِكة إلى 64 منتخباً في النسخة القادمة أو التي تليها. وإذا ما تم إقرار هذا الترفيع، فقد نشهد مونديالات تُخاض خلالها قرابة 150 مقابلة، وتمتد على قرابة الشهرين. منجم ذهب حقيقي!
السياسة لاعب أساسي في المونديال
قبل انطلاق المونديال بأيام قليلة فرضت الفيفا على منتخب "هايتي" تغيير قميصه الرسمي، بدعوى انتهاكه للوائح الخاصة بالخطاب السياسي، ويتمثل هذا "الانتهاك" في وضع رسمة على القميص، تصور مشهداً من نضالات البلاد من أجل الاستقلال. صرامة الفيفا عندما يتعلق الأمر ببلدان فقيرة أو مغضوب عليها (روسيا مثالاً)، و"حيادها" المزعوم – حتى عندما يتعلق الأمر بحرب إبادية، من مثل التي تتعرض لها غزة – لا يستطيعان حجب خطوط التماس بين كرة القدم والسياسة، أو إلغاء التاريخ السياسي للمونديال.
يتم تسويق زيادة عدد المنتخبات المشارِكة إلى 48 منتخباً، كإنجاز كبير يسمح بمنح الفرصة للدول "المهمَّشة" حتى تظهر في الصورة، وتسعد جماهيرها، وتنمو فيها شعبية كرة القدم أكثر. وهو أمر لا يحظى بإجماع عشاق "الساحرة المستديرة"، ويرون فيه ضرباً لـ"روح" كأس العالم وتاريخها كمناسبة للتنافس الممتع والقوي بين أفضل منتخبات كرة القدم في العالم.
ستطبق انطلاقاً من هذه الدورة "بدعة" جديدة، تتمثل في توقف المباريات لمدة ثلاث دقائق في منتصف كل شوط من المباراة، والهدف المعلَن عنه هو "استراحة ترطيب" تُمكِّن اللاعبين من الحفاظ على صحتهم ولياقتهم، ويسمح خلالها للمدرب بالتواصل مع لاعبيه وتوجيههم. قد تكون الفكرة جيدة رياضياً و"إنسانية" في العموم، لكن منطلقاتها - بحسب ما يذهب إليه بعض المنتقدين - ربحية تماماً.
منذ نسخه الأولى في ثلاثينيات القرن الفائت، ظل المونديال ملتصقاً بالرهانات والصراعات السياسية المحلية – في البلدان المنظِّمة - والدولية. نستذكر هنا الدعاية الفاشية خلال مونديال إيطاليا 1934، واحتلال النمسا من قبل ألمانيا النازية ومنعها من المشاركة في مونديال فرنسا 1938، وتوقف المسابقة خلال فترة الحرب العالمية الثانية، ومعاقبة الخاسرين الأكبرين في الحرب -اليابان وألمانيا- بعدم المشاركة في مونديال البرازيل 1950، وبروز فرق "الكتلة الاشتراكية"، من مثل: الاتحاد السوفياتي، والمجر، وبولونيا، وتشيكوسلوفاكيا، ويوغوسلافيا في مونديالات الخمسينيات والستينيات، ورفض منتخب كوريا الشمالية ملاعبة "إسرائيل" خلال التصفيات المؤهِّلة إلى كأس العالم ألمانيا 1974 ، وانسحاب منتخب الاتحاد السوفياتي من مواجهة منتخب التشيلي في تصفيات كأس العالم 1974، بعد انقلاب "بينوشيه" على الرئيس الاشتراكي "سلفادور الليندي"، ودعوات مقاطعة مونديال الأرجنتين 1978 احتجاجاً على السياسات القمعية للديكتاتور الأرجنتيني "فيديلا"، ومونديال 1982 الذي قدم الديكتاتور اليميني الدموي "الجنرال فرانكو" طلب تنظيمه لكنه توفي قبل ذلك، ولم يحضر الحدث الذي احتضنته إسبانيا ديمقراطية يحكمها الاشتراكيون، وهدف مارادونا الذي سجله بـ"يد الله" في ربع نهائي مونديال المكسيك 1986 ضد إنجلترا، واعتبره الأرجنتينيون ثأراً لهزيمتهم أمام الإنجليز في "حرب فوكلاند" (1982)، ومونديال إيطاليا 1990 الذي أقيم بعد أشهر قليلة من سقوط جدار برلين، في لحظة فاصلة بين حقبتين وعالمين، وشهد مشاركة أربع دول ستختفي بعد أشهر، إما بالاندماج مع كيانات أخرى، وإما بالتفتّت:(ألمانيا الغربية، والاتحاد السوفياتي، ويوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا)، أما مونديال 1994، وعلى الرغم من أن اختيار الدولة المنظِّمة يتم قبل سنوات طويلة، فقد شاءت الصدف أن تحتضنه الولايات المتحدة، معلِنة عن "بداية العصر الأمريكي"، وفي مونديال فرنسا 1998 ساد لوهلة قصيرة أمل في أن تنتصر التعددية الثقافية على العنصرية والإقصاء بعد فوز المنتخب الفرنسي بلاعبيه "البيض" و"السود" و"المغاربة" بكأس العالم.. وكل هذا غيض من فيض التاريخ السياسي للمونديال.
وعلى الرغم من المساعي الحثيثة - والناجعة إلى حد كبير، يجب الاعتراف بذلك - للفيفا والمستثمرين والقوى السياسية الليبرالية إلى سلعنة كرة القدم كلياً، و"تعقيم" الملاعب، و"تنقية" المونديالات من الفقراء والمدافِعين عن القضايا "المزعجة"، لا يزال كثير من عشاق كرة القدم عبر العالم يقاومون هذا المد، ويحاولون الإبقاء على صلاتها القديمة بجمهورها الأصلي، من أبناء الطبقات الشعبية وقضاياهم وهمومهم.






