صفاء عاشور وتسنيم منير
لم تكن "وردة"* تتوقع أن ترى مديرها السابق في الجريدة مجدداً، وهي تخطو أولى خطواتها في وظيفتها الجديدة بقسم العلاقات العامة في إحدى الهيئات. في تلك اللحظة، انقبض صدرها، وعادت بها الذاكرة إلى سنواتها الأولى في الصحافة؛ حين أقبلت على العمل بحماس مَن تظن أنه سيعلّمها المهنة، فإذا بها تكتشف أن وراء قناع "الخبرة" وجهاً آخر؛ تصرفات تفتقر إلى المهنية، وطلبات تثير الريبة. من إلحاحه المتكرر عبر واتساب لمقابلتها خارج أوقات الدوام، إلى تدخله في اختياراتها الشخصية بتوجيهها نحو ارتداء البنطال القماشي عوضاً عن "الجينز".
عرفت وردة لاحقاً أن ذلك يندرج تحت مسمى التحرش، ومن ضمنها التحرش والعنف الإلكتروني. وقتها لم تبلغ أحداً أو تقدم شكوى، اكتفت بالانسحاب فقط. وبعد سنوات التقته في عملها الجديد، فوجدت أن زميلاتها بالعمل، وهن أصغر منها سناً وأقل خبرة، تعرضن للتحرش من الشخص ذاته.
تتشابه تجربة وردة مع تجارب سبع صحفيات تحدثت إليهن معدتا التحقيق، وجميعهن تعرضن لحالات مختلفة من التحرش والعنف الإلكتروني وتشويه السمعة على يد زملاء العمل.
قدمت اثنتان منهن فقط بلاغاً رسمياً أو شكوى لنقابة الصحفيين عن الواقعة، في حين فضّلت الأخريات الصمت خوفاً من الوصم المجتمعي وتشويه السمعة أوالانتقام وفقدان وظائفهن، بسبب غياب سياسات الحماية من التحرش الإلكتروني والعنف داخل عدد كبير من المؤسسات الصحفية في مصر من جانب، وافتقار النقابة إلى آليات مماثلة من جانب آخر، بحسب ما وثق التحقيق.
____________
من دفاتر السفير العربي
التحرش بكلّ صوره
____________
وخلال مراحل العمل على التحقيق، تبيّن أن "حملات البوح العالمية والمحلية لفضح التحرش" لم تؤثر بشكل ملموس في المجتمع الصحفي؛ إذ غالباً ما تسعى الضحايا إلى السلامة والنجاة أولاً، إما بالابتعاد عن العمل أو بالصمت خوفاً من فقدان مصدر رزقهن، وأحياناً تلجأ بعضهن إلى الاستعانة بأطراف أخرى لتسوية المسألة بشكل غير رسمي. كما تبيّن وجود فجوة واضحة بين الصحفيات العاملات في المؤسسات التقليدية والصحفيات غير النقابيات؛ فالمجموعة الأولى تتمتع بحماية نقابية، لكنها تفضل الصمت خشية الوصم، فيما تميل المجموعة الثانية إلى المطالبة بحقوقها، رغم افتقارها إلى آليات الحماية النقابية.
الشكوى ممنوعة
يشير مصطلح "العنف والتحرش" في العمل، وفقاً لاتفاقية العمل الدولية رقم (190) إلى "مجموعة من السلوكيات والممارسات غير المقبولة، تهدف أو تؤدي أو يحتمل أن تؤدي إلى إلحاق ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي". وتُعدّ مصر واحدة من الدول التي لم توقع على هذه الاتفاقية.
تتعدد تعريفات التحرش الإلكتروني كشكل من أشكال العنف الميسر بالتقنية ضد النساء؛ فيعرفه المعهد الأوروبي للعدالة الجندرية على أنه التحرش عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل الإلكترونية أو الإنترنت. كما يشمل ولا يقتصر على؛ رسائل أو إيميلات غير مرغوبة تحتوي على طابع جنسي صريح، ومحاولات التقرب غير اللائقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو غرف الدردشة على الإنترنت، والتهديد بالعنف الجسدي و/أو الجنسي عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل عبر الإنترنت.
لم تقدم وردة شكوى وقت حدوث الواقعة، لأنها غير منتسبة لنقابة الصحفيين، واكتفت بترك عملها، وحتى الآن لم تبلغ عائلتها؛ خوفاً من أن تجبر على ترك العمل إذا علموا أن زميلها الحالي سبق له التحرش بها في الماضي.
"أنا أيضاً" يا ميتافيرس
30-09-2022
هاتُفِكِ سلاحكِ: عراقيات ضد التحرش
19-10-2022
غياب إحصائية حديثة بشأن تعرض الصحفيات في مصر للتحرش الإلكتروني، دفع معدتي التحقيق إلى إجراء استبيان شمل 34 زميلة، كشف عن تعرض 62 في المئة منهن لأنواع مختلفة من التحرش، فيما لم تقم بالإبلاغ عن الواقعة سوى ثلاث صحفيات فقط، وامتنعت الأخريات خوفاً من الوصم الاجتماعي وفقدان العمل، وصعوبة الحصول على فرصة عمل أخرى.
كما أظهر الاستبيان أن من أبرز أسباب عزوف الصحفيات عن الشكوى هو الخوف من الوصم الاجتماعي، أو تشويه السمعه، أو التكذيب. وعند السؤال عن وجود سياسات للحماية من التحرش، أقرت ثلاث صحفيات فقط بوجود سياسة بالمؤسسة التي يعملن بها، بنسبة 9 في المئة.
يقول أشرف عباس، المدير التنفيذي للمرصد المصري للصحافة والإعلام: "خلال مقابلات أجراها المركز على مدار السنوات الثلاث الماضية لمرشحي انتخابات النقابة، كان هناك غياب واضح لفكرة تبني رؤى متعلقة بإقرار سياسات لمنع العنف والتحرش داخل المؤسسات الصحفية"، بل كانت الأسئلة تقابل بالغضب والاستنكار: "إزاي إن صحفية أخوها أو أبوها يتحرش بيها؟".
غياب الحماية
واجهت الصحفية "سارة" حملة تشهير إلكترونية شرسة قادها ثلاثة من زملائها، تضمنت نشر معلومات شخصية عنها، وذلك عقب اتهامها أحدَ مديريها بالتحرش في محضر رسمي. لجأت سارة إلى الإبلاغ عن الواقعة في ظل غياب سياسة واضحة للحماية داخل مؤسستها التابعة للمجلس الأعلى للصحافة، وعندما تقدمت بشكوى إلى النقابة ضد زملائها، أُبلغت بصعوبة التحقيق، بدعوى أنها بدأت بالمسار القانوني الرسمي.
لاحقاً، فقدت سارة عملها، وحُفظ المحضر، ولم تتمكن من الالتحاق بأي مؤسسة صحفية محلية، ومع تزايد الضغوط، اضطرت إلى مغادرة المجال والعمل في قطاع آخر.
وفقاً لإيمان عوف، رئيسة لجنة المرأة في نقابة الصحفيين المصريين، فإن جميع المؤسسات الصحفية التابعة للمجلس الأعلى للصحافة أو الصحف التقليدية؛ لا يوجد لديها أي لوائح رسمية لمواجهة التحرش والعنف بشكل عام.
ومع ذلك، فبعض المؤسسات تتبع ما يشبه سياسات غير مكتوبة تعتمد على قرارات الإدارة، كما تقول إحدى الصحفيات بصحيفة يومية معروفة، إن إدارة الجريدة لا تتسامح مع التحرش، لكنها تتعامل معه بشكل أقرب إلى التسويات ودون إعلان أي عقوبات.
وتؤكد الصحفية نفسها أن الصحفيات الأصغر سناً والأقل خبرة أكثر عرضة للتحرش. لكن ورغم خبرتها تعرضت هي نفسها لموقف تحرش خلال فعالية، حيث ألقى زميل نكاتاً غير لائقة، لكنّها لم تقدم أي شكوى رسمية، واكتفت بإبلاغ الجهة المنظمة التي منعته من الحضور.
حاولت معدتا التحقيق التواصل مع مسؤولين في الصحف التقليدية للسؤال عن سياسات الحماية، لكنهما لم تتلقيا أي رد.
المواقع الإلكترونية الخاصة، والحديثة نسبياً، لا تخضع للمجلس الأعلى للصحافة، ولا يتمتع أفرادها بفرصة الحصول على عضوية النقابة، وبعضها تمتلك سياسات حماية؛ من بينها "المنصة"، و"باب مصر" التابعة لمؤسسة "ولاد البلد"، و"المرصد المصري للصحافة والإعلام"، و"فكر تاني".
وتشترك سياسات هذه المواقع في اعتبار التحرش والعنف القائم على النوع الاجتماعي داخل بيئة العمل قضية مؤسسية تؤثر في المناخ المهني والأمان داخل المؤسسة، وليس مجرد حوادث فردية.
في موقع المنصة تُشكّل لجنة تحقيق منتخبة من ثلاثة أفراد، ويحق للشاكية إبلاغ فرد واحد فقط من اللجنة للحفاظ على هويتها، وفقاً لنورا يونس، رئيسة التحرير. وخلال التحقيق، يحق للمشكو في حقه الاعتراف والاعتذار، وفي حال قبول الناجية الاعتذار، تخفف العقوبة درجة واحدة.
وتفتقر السياسات السابق ذكرها إلى بنود واضحة للحماية الرقمية داخل المؤسسات الصحفية، لحماية الصحفيين من محاولات الاختراق، سواء من داخل المؤسسة أو خارجها، كما يؤكد أحمد حجاب، الخبير والمدرب في السلامة الرقمية.
وهذا ما حصل مع "رويدا"، صحفية بإحدى المؤسسات الخاصة، التي كانت تجد مؤشرات على مراقبة الطاقم التقني لحساباتها، لكنها فضّلت المواجهة المباشرة بدلاً من تقديم شكوى، في ظل غياب سياسة واضحة للحماية الرقمية.
تطوير القانون
عند تعرض الصحفيات للتحرش الإلكتروني، يمكنهن اللجوء إلى المسار القانوني، لكن قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (175) لسنة 2018، لا يتضمن نصاً صريحاً عن التحرش الجنسي، وفقاً لهالة دومة، المحامية بالوحدة القانونية للمرصد المصري للصحافة والإعلام.
هذا الواقع القانوني يؤدي إلى تضارب في الاختصاص بشأن القضايا المتعلقة بالتحرش والعنف الإلكتروني؛ فبعضها يُنظر في محكمة الجنح العادية، والبعض الآخر ينظر في المحكمة الاقتصادية، وهي الأقدر على التحقيق في تلك القضايا، واستخراج دليل فني سليم وفقاً لدومة، في حين تزدحم محاكم الجنح بقضايا أخرى، "ما يؤدي إلى حفظ 90 في المئة من هذا النوع من القضايا".
كما أن تعريفات التحرش قد لا تغطي بعض الممارسات داخل بيئة العمل الصحفي التي تُشعر الصحفيات بعدم الارتياح، بسبب التداخل بين العام والخاص في صالة التحرير، وفقاً لأسماء فتحي، مؤسِّسة مبادرة "مؤنث سالم"، التي تشير إلى أن بعض الصحفيين أصبحوا يخفون التحرش بطرق أكثر تعقيداً.
"فردوس"، الصحفية المستقلة، تعرضت لملاحقات إلكترونية من زملاء، وكانت تكتفي بحظرهم، معلقة: "قد لا يبدو الأمر تحرشاً للبعض، لكنّه كذلك بالنسبة لي؛ فلا معنى لإلحاح زميل لا أعرفه على التواصل".
في واقعة أخرى، أرسل زميل صورة معدلة بالذكاء الاصطناعي للصحفية "كاميليا"، وغيّر مظهرها، مصرحاً أنها ستكون "أجمل". شعرت كاميليا بالانزعاج، لكن القانون لا يُصنّف هذا الفعل تحرشاً، بل جريمة تقنية معلومات، تصل عقوبتها للسجن، وفقا للمحامي الحقوقي عبد الرحمن خجلي، لأن الصحفي حصل على الصورة عبر الإنترنت وغيّر في تفاصيلها.
يرى خجلي أن قانون تقنية المعلومات يحتاج إلى تحديثات لمواكبة التطورات، خاصة مع التطور السريع في استخدامات الذكاء الاصطناعي.
ومع وجود كل هذه التعقيدات، يظل اللجوء للنقابة هو الحل الأكثر ملائمة في حالة تفعيل مدونة سلوك وسياسات الحماية، لا سيّما بعد صدور قانون العمل الجديد، فالقانون يمكّن النقابة من دعوة المؤسسات الصحفية إلى وضع لوائح ضد التحرش وآليات للشكاوي، وفق المحامي الحقوقي عبد الرحمن خجلي.
التقدم ببطء
رغم وجود لجنة المرأة بالنقابة خلال الدورتين الأخيرتين (2023–2025)، فإن عدد الشكاوى المقدمة لا يزال منخفضاً. فخلال آخر عامين من المجلس السابق، قُدمت سبع شكاوى فقط، "حفظت جميعها في الأدراج"، وفقاً لإيمان عوف المسؤولة الحالية للجنة المرأة.

تقول إيمان إنها تلقت شكوى واحدة فقط، منذ توليها لجنة المرأة في شهر حزيران/يونيو 2025، وقد نجحت خلالها في الحصول على موافقة النقيب والسكرتير العام، كي تصلها مباشرة شكاوى التحرش في بيئة العمل، دون اطلاع أحد عليها، على عكس ما كان متبعاً.
كما شُكّلت لجنة مستقلة للتحقيق، تضم عضواً من النيابة الإدارية، وإيمان نفسها، وصحفيينِ من أعضاء الجمعية العمومية؛ صحفية وصحفي مشهود لهما بالنزاهة، بالإضافة إلى محامية.
تقر إيمان بوجود فجوة واضحة في آليات التعامل مع الشكاوى المقدمة من غير العضوات، مع الإشارة إلى إمكانية تقديم دعم نفسي وقانوني لهن، أو تحريك الشكوى فقط في حال كان المشكو في حقه عضواً بالنقابة.
وفي المقابل، تكشف واقعة وردة أنها لم تكن على دراية بهذه الشروط وقت وقوع حادثة التحرش.
تؤكد إيمان عوف، المسؤولة الحالية للجنة المرأة، أن النقابة لا تتعامل مع شكاوى التحرش إذا سبق للصحفية اللجوء إلى بلاغ رسمي؛ وهو ما أدى فعلياً إلى إغلاق باب التحقيق في شكوى الصحفية سارة، رغم كونها نقابية.
هكذا تتقاطع تجربتا وردة وسارة عند نتيجة واحدة: تعثر الاستمرار في المهنة، بين غياب سياسات حماية داخل المؤسسات الصحفية من جهة، وتعقيدات إجرائية داخل النقابة من جهة أخرى.
خلال المؤتمر العام السادس للنقابة في كانون الأول/ديسمبر 2024، قُدمت ثلاث مدونات سلوك حول بيئة عمل آمنة، تضمنت المدونة المقدمة من لجنة المرأة إلزام المؤسسات الصحفية بوضع إﺟﺮاءات رادﻋﺔ ﺿﺪ اﻟﺘﺤﺮش واﻟﺘﻨﻤﺮ واﻟﺘﻤﯿﯿﺰ، وﺗﻌﺰﯾﺰ اﺳﺘﺨﺪام اﻟﻤﺮأة ﻟﺤﻘﮭﺎ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻲ ﻓﻲ ﻣﻼﺣﻘﺔ اﻟﻤﺘﺤﺮﺷﯿﻦ. وأقر المشاركون من الجمعية العمومية في المؤتمر ما جاء في المدونات، وفقا لتصريحات خالد البلشي، نقيب الصحفيين المصريين، لكنها لم تصدر في صورتها النهائية حتى تاريخ نشر التحقيق.
يحمل خالد البلشي رؤية مشابهة، إذ يحاول دائماً الحديث عن مدونة السلوك كتوجه عام للدولة، تجنباً لاتهامات الجمعية العمومية بفرض أجندة خارجية، مشيراً إلى عدم وجود إجماع داخل مجلس النقابة حول مدونة السلوك: "في حرج من أن تدافع عن حاجة تبدو فيها جريمة حقيقية".
يذكر البلشي واقعة محاولة بعض الصحفيات، عام 2025، إيقاف طرح مدونة للسلوك، بدافع الخوف من إثارة قلق أزواجهن، وكذلك من الإقرار بوجود تحرش داخل المؤسسات الصحفية، ردّ النقيب حينها قائلاً: "إحنا بنحط آليات حماية في حالة حدوث جريمة".
الصحافة المصرية في عيون صحافيات ومصوّرات (1)
17-07-2016
الصحافة المصرية في عيون صحافيات ومصوّرات (2)
08-08-2016
كما أوضح البلشي أن المدونة، بعد إقرارها، ستطبق على المؤسسات الجديدة، في حين لن تكون ملزمة للمؤسسات القديمة. وأقر بأن قانون النقابة الحالي لا يتضمن نصوصاً واضحة لحقوق النساء؛ لأنه قديم يعود إلى السبعينيات من القرن الماضي.
في ظل هذه المعطيات، يبدو إقرار سياسة للحماية داخل المؤسسات التقليدية أمراً غير وارد قريباً. في المقابل، تبدو مدونة السلوك الخاصة بنقابة الصحفيين نتاج جهود فردية أكثر منها سياسة عامة، في واقع يصعب فيه تسجيل شكاوى التحرش الإلكتروني، وينتصر الصمت والخوف من الوصم وفقدان العمل على المطالبة بالحقوق.
تواصلنا مع مؤسسات اليوم السابع، والوطن، والشروق، والمصري اليوم، وجريدة الجمهورية، وروزاليوسف، ودار المعارف، ومؤسسة الأهرام، للحصول على رد إذا كانت لديهم سياسة واضحة لحماية الصحفيات العاملات بها، وما الآليات التي تضمن حمايتهن في حال تعرضهن لانتهاكات مختلفة كالتحرش، ولم يصلنا أي رد حتى تاريخ نشر التحقيق.
*غُيّرت أسماء وتفاصيل الوقائع الخاصة بالناجيات حفاظاً على خصوصيتهن.
أنتج هذا التحقيق بدعم من شبكة أريج





