العدوان الإسرائيلي يستهدف البشر والحجر.. والأثر

أغارت الآلات الحربية لمستعمرة همجية لا تبلغ الثمانين من العمر على مدينة متوسطية ضاربة الجذور، تبلغ من العمر أكثر من 5 آلاف من السنين والحضارات. حسب أرقام اليونيسكو، يضمّ لبنان حالياً العدد الأكبر من المواقع الأثرية معززة الحماية مقارنة بأي دولة أخرى، وهي تُعتبر أعلى مستوى من الحماية القانونية المتاحة دولياً، والتي توفر – نظرياً – أقصى درجات الحصانة ضدّ الهجمات العسكرية والتدمير، على اعتبار أنها مواقع ذات أهمية قصوى للبشرية جمعاء، ويشكل انتهاك حمايتها جريمة حرب موصوفة.
2026-06-11

شارك
المرفأ الفينيقي الأثري في مدينة صور، ويظهر الدخان متصاعداً بعد إحدى الغارات الإسرائيلية (الصورة من AFP).
إعداد وتحرير: صباح جلّول

صباح الثلاثاء في 9 حزيران/ يونيو الحالي، أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية مجدداً على مدينة صور في جنوب لبنان.

بكلمات أخرى، أغارت الآلات الحربية لمستعمرة همجية لا تبلغ الثمانين من العمر على مدينة متوسطية ضاربة الجذور، تبلغ من العمر أكثر من 5 آلاف من السنين والحضارات.

نزلت القذائف تحديداً على حي المساكن الشعبية، الذي لم يتركه كثير من سكانه، على الرغم من التهديدات الإسرائيلية التي تأخذ شكل "تحذيرات وأوامر الإخلاء"، تلك التي تلون جزءاً من خرائط جويّة من بلادنا وحاراتنا ومنازل أهلنا بالأحمر، وتقول "حسناً، حذرناكم، فصار قتلكم حلالاً علينا"..

قتلت الغارات 9 أشخاص وجرحت 29 على الأقل. كانت مجزرة – واحدة بين سلسلة مجازر يومية يرتكبها الاحتلال.

كم هو بائسٌ عدوّ هذه الأرض. لم يسمع الهمج القتلة يوماً قصيدة "صور" للشاعر الجنوبي عصام العبدالله، الذي رأى "ظهر القرصان" من بحر المدينة. "هايْ صُورْ.. / جِبّة وعمامِة وناسْ / مِن بَخّورْ.."، صور التي عندما استوى البحر من ركوعِه رآها بكامل بهائها، "ومِنْ وَقِتْهَا / مِتْلِ انسَحَرْ / مِتْلِ انْبَهَرْ"..

أما أولئك، فلم يعرفوا طعم ملحِ ذاك البحر، وإن كان هو نفسه البحر الذي يرقصون عند شاطئه المحتل في فلسطين، ويتمنون تسليبه في لبنان.

أحياناً، يكفي النظر في أعمدة وحجار تلك الخرائب العتيقة المنثورة بين أحياء السكن، قرب البحر، وعلى مرمى حجر من مخيّم البصّ الفلسطيني، وفي الشعر والأغاني وحكايات الأجداد، لاستعادة شيء من اليقين. هذه المدن والقرى، البحر والحجر، لنا لا لهم.

ولأنّ الخرائب وآثار الأقدمين هي إحدى أدلة بطلان كيانهم الاصطناعي، فهُم منذ عام 1948 إلى يومنا هذا، سعوا إلى محوها أو سلبها وإبدالها تاريخاً مفتعلاً آخر: تطويع ماضينا بغية إخضاعِ مستقبلنا...

الحماية ضرورة قصوى

عام 2023، وقّع لبنان على البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي (1999)، الذي يُنظِّم حماية التراث الثقافي في حالات النزاع. حصلت المواقع الأثرية في مدينة صور على حماية معزّزة في عام 2024، وهو ما يعني أن أيّ هجوم على هذا الموقع يُعدّ انتهاكاً خطيراً وتهديداً لسلامة موقع تراثي عالمي تملكه البشرية جمعاء.

بناءً على طلب الحكومة اللبنانية، وبعد أضرار طالت مواقع أثرية في نيسان/ أبريل 2026، وضعت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" 39 موقعاً للتراث العالمي في لبنان تحت "الحماية المعززة"، وهي تشمل مواقع في طرابلس وصيدا وبيروت كذلك، وذلك بعد أن حصل 34 موقعاً ثقافياً آخر، منها قلعة بعلبك الأثرية الشهيرة، على حماية معزّزة في عام 2024.

حسب أرقام اليونيسكو، يضمّ لبنان حالياً العدد الأكبر من المواقع الأثرية معززة الحماية مقارنة بأي دولة أخرى، وهي تُعتبر أعلى مستوى من الحماية القانونية المتاحة دولياً، والتي توفر – نظرياً – أقصى درجات الحصانة ضدّ الهجمات العسكرية والتدمير، على اعتبار أنها مواقع ذات أهمية قصوى للبشرية جمعاء، ويشكل انتهاك حمايتها جريمة حرب موصوفة.

بطبيعة الحال، ليست إسرائيل معروفة بتهيُّبها من خرق القوانين الدولية وخوفها من الوصم بجرائم الحرب، لهذا تبقى هذه المواقع في موضع التهديد، وقد تلقّت منظمة اليونيسكو تقارير تفيد بتضرر مواقع ثقافية مختلفة. في أوائل شهر آذار/ مارس الماضي، تواصل وزير الثقافة اللبناني، غسان سلامة، مع مدير عام اليونيسكو، مطالباً بتدخل دولي لحماية مواقع التراث اللبناني من العدوان الإسرائيلي. بعدها بأيام، كان الاحتلال يقصف صور، إحدى أقدم المدن المأهولة بشكل متواصل في العالم، والتي تضم مواقع أثرية رومانية وسواها. يقتل القصف 8 مواطنين حينها، ويتسبب بأضرار متاخِمة تماماً لموقع مصنّف من التراث العالمي من اليونيسكو.

تفعل المديرية العامة للآثار واليونيسكو ما يمكنهما للتدريب على إرشادات إجلاء الممتلكات الثقافية في لبنان ووضع شارة الدرع الأزرق التي تفيد بالإشارة إلى المواقع المحمية[1]، لكن هذا غير كافٍ، فلا رادع للعدو.

الدرع الأزرق من أمام موقع أثري في مدينة صور (الصورة: AFP).

حسب شهادة مصوّر من وكالة فرانس برِس، فقد شاهد بنفسه بقايا بشرية يلمّها عمال الإغاثة بالقرب من ميدان سباق الخيل (الهيبودروم) الأثري العائد إلى العصرين الروماني والبيزنطي.

مواقع أخرى متضررة ومهددة

في نيسان/ أبريل الماضي، ألحقت الغارات الإسرائيلية أضراراً كبيرة بقلعة شمع التاريخية المُدْرجة على قائمة التراث العالمي لعام 2024 وقائمة اليونسكو المؤقتة للتراث العالمي. وقد أصدر المجلس الدولي للمعالم والمواقع في لبنان بياناً يدين الاعتداء، جاء فيه: "شمع ليست موقعاً عادياً، فهي تحظى باعترافٍ بأهميتها الثقافية الاستثنائية، ومُدْرجة على قائمة الحماية المُعززة بموجب اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية".

ومنذ أيام فقط، وجّه وزير الثقافة اللبناني كتاباً آخر إلى المدير العام لمنظمة اليونيسكو خالد العناني، مطالباً بالتدخل الفوري والعاجل من قبل المنظمة لمنع تدمير موقع قلعة الشقيف (Beaufort)، بعد توارد أخبار عن احتلالها من قبل الجيش الإسرائيلي بعد قصفها، مشيراً إلى مخاوف جدية من إقدام إسرائيل على تدمير القلعة التي تشكل تراثاً ثقافياً إنسانياً.

الدمار في مقام شمعون الصفا في بلدة شمع جنوبي لبنان (مديرية المواقع الأثرية جنوب لبنان).
القصف على قلعة الشقيف في بلدة أرنون الجنوبية.

والقلعة هي حصن صليبي يعود إلى القرن الثاني عشر، ويقع على تلة استراتيجية على ارتفاع 700 متر، مشرفة على عدد من القرى الجنوبية حولها وعلى نهر الليطاني. وقد تمترس بها المقاتلون الفلسطينيون قبل أن يحتلها العدو الإسرائيلي عام 1982، وذلك حتى تحرير جنوب لبنان عام 2000.

مقالات ذات صلة

وحسب مقال منشور على موقع معهد الشرق الأوسط في أيار/ مايو 2026، فقد دمر الاحتلال الإسرائيلي ما لا يقل عن تسعة مواقع دينية أيضاً في جنوب لبنان منذ عام 2024: "من هذه المواقع كنيستا دردغيا ويارون التاريخيتين، ومقام النبي بنيامين في محيبيب، ومسجد بليدا. وثّقت منظمة العفو الدولية (آمنستي) قيام جنود الجيش الإسرائيلي بتصوير أنفسهم وهم يحتفلون بتدمير مواقع دينية بعد زرع عبوات ناسفة بداخلها"[2].

كنيسة دردغيا التي يزيد عمرها عن 100 عام، وتمّ استهدافها في عدوان عام 2024، كما ارتكب الاحتلال أمامها مجزرة راح ضحيتها 7 شهداء، منهم 5 عناصر من الدفاع المدني.

لا ينسف جيش الاحتلال ما يقع في طريق غزوه فحسب. لا يتقصد القلاع "الاستراتيجية" فقط. لا تقع قذائفه "خطأ" في أو قرب موقع أثري. إن قصفه ونسفه للمواقع الأثرية والتراثية والثقافية هو استهداف واعٍ، بل إبادة مدينية (urbicide)، لها وظيفة محددة. وهو نهجٌ اعتمدوه في غزة، ويكررون التمسك به في لبنان، قوامه نسف العلاقة مع الأرض وملامحها، فبعد تهجير البشر، يجدون أنفسهم في مواجهة المقاوِمين وجغرافيا البلاد وسهولها وتلالها وقلاعها وآثارها المتواطئة مع أصحاب الأرض وعارِفي أسرارها. يجدون أنفسهم في مواجهة تاريخ كامل ليسوا فيه ولا منه، يتطلّعون للتخلص من براهينه وتغيير علاقة الناس به جذرياً، فيفقدون الأرض الصالحة التي يزرعونها، كما يفقدون الحجر القديم الذي كان يطلّ على بيوتهم ويتخذونه علامةً فارقة وحكاية ومصدر افتخار. يريدوننا أن ننظر إلى أرضنا فلا نعرفها! لهذا كله وجبت حماية كل حجر ونقشٍ وقبّة وأيقونة من بطش الهمج...

________________________

  1. https://news.un.org/en/story/2026/04/1167326
  2. https://mei.edu/arts-culture/lebanese-heritage-under-siege/

مقالات من لبنان

"وجوه".. أرشيف قصصهم غير المروية

2026-05-21

"وجوه" وُجِدت لتدقّ على أبوابنا، بصورة واسم، وجه وحكاية. تعرِّف الصفحة عن نفسها كـ "مشروع أرشيف رقمي يوثّق القصص غير المرويّة والأسماء خلف وجوه ضحايا عدوان الاحتلال الإسرائيلي على لبنان".