"وجوه".. أرشيف قصصهم غير المروية

"وجوه" وُجِدت لتدقّ على أبوابنا، بصورة واسم، وجه وحكاية. تعرِّف الصفحة عن نفسها كـ "مشروع أرشيف رقمي يوثّق القصص غير المرويّة والأسماء خلف وجوه ضحايا عدوان الاحتلال الإسرائيلي على لبنان".
2026-05-21

شارك
عائلة بأكملها مسحها الاحتلال الإسرائيلي الذي ارتكب مجزرة في بلدة السكسكية جنوب لبنان، عبر تدميره مبنى يضمّ نازحين في التاسع من أيار/مايو الحالي. (الصورة من صفحة "وجوه")
إعداد وتحرير: صباح جلّول

"وجوهُن وعتم الطريق"، تقول أغنية فيروز "وحدُن"[1].

تلك الجملة كانت أول ما خطر لي عند وقوعي على صفحة "وجوه" على انستغرام. يقول مطلع الأغنية: "وحدُن بيبقوا / متل زهر البيلسان / وحدْهُن / بيقطفوا اوْراقْ الزّمان / بيسكّروا الغابِة / بيضلّهُن متل الشتي يدقّوا على ابْوابي".

"وجوه" وُجِدت لتدقّ على أبوابنا، بصورة واسم، وجه وحكاية. تعرّف الصفحة عن نفسها كـ "مشروع أرشيف رقمي يوثّق القصص غير المرويّة والأسماء خلف وجوه ضحايا عدوان الاحتلال الإسرائيلي على لبنان".

ثاني ما استحضرتُ عند تقليب منشورات الصفحة، كانَ الأرشيفات والمبادرات التي سبق أن غطيناها من غزّة. "شهداء غزة"، صفحة من تأسيس زميلنا الغزي المقداد جميل، تحولت إلى موقع إلكتروني بمشاركة مجموعة من الشباب المتطوعين، واعتنت بتوثيق أسماء الشهداء، تواريخ استشهادهم، صفاتهم، وحكايات رفاقهم وعائلاتهم عنهم، تقسيم قصصهم، رجالاً ونساءً وأطفالاً، وأرشفتها باللغتين العربية والانجليزية، وتسهيل الوصول إليها.

كان أيضاً موقع "حكايا غزة"، مشروع آخر أسّسه زميلنا ياسر عاشور، استجابةً لنقص فرضته حرب الإبادة في عمل مؤسسات ومراكز رسمية وسواها، كانت فاعِلة داخل غزّة في الإحصاءات الميدانية والتوثيق، وتوقف أو تعثّر سيرُ عملها بفعل الحرب. ركّز الموقع على شهادات عن الشهداء وعلى النازحين والصامدين في مختلف أنحاء القطاع، مع نصوص أدبية وصحافية وغيرها. وكلّه بجهد المتطوِعين داخل وخارج القطاع.

...

والآن، في لبنان، تَعدّدَ الفقد واتسع حتى صار يُخاف على شهدائنا من أن يصيروا خبراً عابراً، رقماً، أو كتلة واحدة لا نذكرها إلا جمعاً: شهداء، راحلون، إحصاء بالقتلى، لوائح رسمية... نجد أنفسنا، كما أهلنا في غزة، نبحث عن الوجوه، ونحاول التعهّد بحفظ حكايات الناس خلفها، بتأمّل الابتسامات، والوقوف ولو قليلاً عند صفاتهم وآثارهم، ما أحبّوه، وما انتموا إليه..

من هنا، نلتفت إلى "وجوه"، أرشيف عمره أقل من شهر، أُسِّس لهذا الغرض بالذات. "ليس مشروعاً، بل هو تخليد لذكرى كلّ الذين رحلوا، مساحة لتكريم وجوه الذين قُتِلوا على يد الاحتلال...".

لماذا "وجوه"؟ يجيب القيّمون على الصفحة في منشورهم التعريفي: "لأنّ كلّ وجه يحمل قصة، حياة، وذاكرة لا يمكن محوها. وتَذكّر وجوههم هو رفضٌ لنسيانهم".

مقالات ذات صلة

أما عن كيفية التعاون، تدعو الصفحة إلى التواصل المباشِر معها لإحياء ذكرى الشهداء الراحلين، عبر إرسال صورهم، أسماءهم، وقصصهم عبر الرسائل الخاصة، لتقوم الصفحة بتوحيد طريقة عرضها، توثيقها ونشرها. كما تدعو الراغبين للتطوع والانضمام إلى مجموعتها لرصد القصص وكتابتها وتصميم ملصقاتها، وكذلك ترجمتها إلى الإنجليزية، لتعميم انتشارها إلى فضاءات أوسع.

شيء من حكاياتهم.. شيء من وجوههم

هو ليس رقماً. هو الحاج "أبو نبيل"[2]. كان يسقي أرضه عندما قتله جيش الإبادة الإسرائيلي. وجدوه في حديقته، والماء يسيل من خرطوم السقاية بين يديه.

وهما أيضاً، ليسا رقمَين. يحيى علي قبيسي وحسين أحمد قبيسي. وقد كانا يؤدّيان مهمّة جليلة: يوزعان الخبز على الصامدين في الجنوب عندما اغتيلا في سيارة تابعة لبلدية زبدين. ثم قتل الاحتلال ناصر إبراهيم نصر في سيارة بلدية حاروف يوم الثلاثاء الماضي، أيضاً لأنه كان يوزع الخبز في القرية.

وهي؟ ليست معلومةً ضمن إحصائية. هي جدّة جنوبية تحبّ الورود كثيراً. استشهدت رفقة 7 من أفراد عائلتها في تول. لحقت بهم بعد أسابيع قليلة حفيدتها، المراسلة الصحافية فاطمة فتوني التي اغتالها الاحتلال مع أخيها. كل صورة وجهٍ لها امتدادٌ في وجوه أخرى طالها غدر الاحتلال الذي يمدد شبكات أذاه في قرانا ومدننا.

والصغار كذلك، ليسوا مجزرة بين كثير مجازر. هم أطفال من عائلة بَزّي، قُتِلوا بدم بارد في سيارتهم مع والدهم، وبقيت كبراهم مع والدتها وحيدة تصارع الجروح الجسدية والمعنوية. في وجوههم وجوه أطفالٍ لا عدّ لهم في غزة.

وأيضاً وأيضاً... جنى فحص وابنتها مريم التي كانت تحب أن تلتقط لها الكثير من الصور.. ضحكة الصحافية أمال خليل التي تتحمس لكل مهمة في الجنوب، وتشدّ عزيمة سائر المراسلات والمراسلين... وجوههم شوكة في عين العالم.

أبو قاسم خليل وحفيده يتعانقان أمام سيارة قاسم المحترقة. وجهاهما إدانة لكل الدنيا..

هكذا، تتوالى الصور والحكايات المقتضبة. تعيد الشهداء والصامدين الذين آلمهم الفقد إلى صورتهم "الحيّة". لحم ودم وحبّ وهِمم وآمال. هم هذا الولد، تلك الجدة، تلك الأم، ذلك الصديق، تلك الطموحة، ذاك الشجاع، أبناء وبنات شعبنا الذي يباد جملة وفرادى.

هذا النوع من الوفاء الجميل لا ينتظر مقابلاً. وهو ليس مجرد فيضٍ عاطفي يجترّ المأساة. هو وفاء له وظيفة. ليس الشهيد هنا بيننا لرؤية كيف يحاول هؤلاء الشباب إحياء ذكراه، لكنهم يفعلون هذا في كل الأحوال، تكريماً لمن رحلوا، ولكن أيضاً من أجلنا نحن الأحياء، من أجل أن نعرف هذه الوجوه التي ندين لها بكل شيء. نرى في وجوههم أهلنا وأنفسنا ويومياتنا، ونعرف لماذا نقاوِم. "وجوههم" الجميلة تدين بشاعة عدوهم. "وجوههم" التي تضيء لنا "عتم الطريق".

______________

  1. شعر: طلال حيدر. لحن: زياد الرحباني.
  2. جميع الصور المرفقة هي من صفحة "وجوه" على انستغرام.

مقالات من لبنان

حرب مستمرة.. على أطفالنا

2026-03-19

"ليست حرباً لأسعار النفط، إنها حرب على الأطفال"، قال المتحدث العالمي باسم اليونيسف، جيمس إلدِر، محذراً من أن "العالم بات أكثر تبلّداً تجاه مقتل الأطفال في الحروب". صار خبرهم أمراً...