في قرى الجنوب المغربي، وبالضبط بين مدينتي أكادير والصويرة، حيث تمتد أشجارالأركان (Argan) على مساحات قاحلة أنهكها توالي سنوات الجفاف، تجلس نساء لساعات طويلة داخل تعاونيات صغيرة، يكسّرن الثمار بأيديهن ويفرزن الحبوب بعناية، قبل أن يتحول الزيت لاحقاً إلى منتَج فاخر يُباع في متاجر التجميل الفخمة داخل أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط، بأسعار قد تفوق عشرات المرات ما تتقاضاه العاملات اللواتي يقفن عند الحلقة الأولى من السلسلة. وهنا، في هذا التناقض تحديداً، تتجسد إحدى أكثر المفارقات حضوراً داخل نموذج "الاقتصاد الاجتماعي والتضامني" في المغرب، لنساء ينتجن الثروة، من دون أن يمتلكنها فعلياً.
خلال السنوات الأخيرة، تحوَّلت التعاونيات النسائية إلى واحدة من أكثر الصور حضوراً في الخطاب التنموي الرسمي في المغرب، لنساء بلباسهن التقليدي يشتغلن في إنتاج: الأركان، والكسكس، والعسل، والنسيج، والأعشاب الطبية. وقد صرنَ الواجهة الأكثر استعمالاً في معارض الاقتصاد التضامني، والبرامج العمومية، وتقارير المؤسسات الدولية التي تقدِّم التجربة المغربية باعتبارها نموذجاً لـ"التمكين الاقتصادي للنساء"، و"الإدماج المجالي"، و"محاربة الهشاشة".
وترافق هذا الخطاب مع توسّع ملحوظ في عدد التعاونيات، خاصة النسائية منها، بدعم من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبرامج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني التي تقودها مؤسسات عمومية متعددة، في سياق تسعى فيه السلطة إلى تقديم هذا القطاع باعتباره رافعة للتنمية المحلية، وبناء "الدولة الاجتماعية"، كما تشير المعطيات الرسمية التي حصل عليها "السفير العربي"، من الإدارة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. وصار القطاع يُقدَّم كأداة لتحقيق الإدماج الاقتصادي، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز التشغيل الذاتي للنساء والشباب.
في المغرب.. يُخرجن الضوء من العتمة
01-05-2022
غير أن هذا الصعود المتسارع يخفي خلفه أسئلة أكثر تعقيداً من الصورة الاحتفالية المتدَاولة. فبينما يتزايد عدد التعاونيات عاماً بعد آخر، لا يزال معدل نشاط النساء في المغرب من بين الأضعف إقليمياً، إذ يدور حول 20 في المئة فقط، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، في مؤشر يكشف عن أن توسع الاقتصاد التضامني لم ينعكس بالضرورة على إدماج النساء، داخل دورة اقتصادية مستقرة وقادرة على إنتاج استقلال مالي فعلي.
في الواقع، تبدو كثير من التعاونيات النسائية أقرب إلى اقتصاد للبقاء منها إلى مشاريع اقتصادية قادرة على إعادة توزيع الثروة. فعدد كبير منها يظل رهين الدعم العمومي أو الموسمي، ويعاني ضعفاً في التمويل والتكوين والتسويق، بينما تستمر حلقات الوساطة وشركات التوزيع والتصدير في الاستحواذ على الجزء الأكبر من القيمة المضافة، خاصة في قطاعات مرْبِحة، من مثل: الأركان، والمنتجات المجالية الموجهة إلى الأسواق الدولية.
هكذا، يتحول سؤال التمكين الاقتصادي نفسه إلى موضوع للنقاش، يدفعنا إلى طرح سؤال عن نجاح التعاونيات النسائية فعلاً، في تحرير النساء اقتصادياً، ومنحهن موقعاً أكثر عدالة داخل السوق؟ أم أن الأمر يتعلق في جانب منه بإعادة إنتاج الهشاشة داخل نموذج أكثر "نعومة"، يمنح النساء حداً أدنى من الدخل، من دون أن يغيِّر فعلياً من موقعهن داخل البنية الاقتصادية؟
حين تصبح "التنمية المحلية" اقتصاداً منخفض الكلفة
في الظاهر، يبدو صعود التعاونيات النسائية في المغرب جزءاً من تحول أوسع في تصور الدولة للتنمية، يقوم على تثمين الموارد المحلية، وتشجيع المبادرات الذاتية، وخلق دينامية اقتصادية داخل المجالات القروية والهامشية. فمنذ إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية سنة 2005، توسعت برامج دعم التعاونيات بشكل كبير، خاصة تلك المرتبطة بالنساء، بالتوازي مع صعود خطاب "الاقتصاد الاجتماعي والتضامني"، باعتباره أحد البدائل الممكنة، لمعضلة البطالة والفقر والهشاشة المجالية.
ومع مرور السنوات، لم تعد التعاونية مجرد إطار صغير للإنتاج الجماعي، بل تحولت إلى جزء أساسي من السردية التنموية الرسمية، حيث النساء يشتغلن داخل قراهن، يثمنّ المنتوج المحلي، ويحافظن على التراث، ويخلقن لأنفسهن مورداً اقتصادياً داخل مناطق ظلت طويلاً خارج الدورة الاقتصادية الكبرى.
ما مدى نجاح التعاونيات النسائية فعلاً، في تحرير النساء اقتصادياً، ومنحهن موقعاً أكثر عدالة داخل السوق؟ وهل الأمر يتعلق، في جانب منه، بإعادة إنتاج الهشاشة داخل نموذج أكثر "نعومة"، يمنح النساء حداً أدنى من الدخل، من دون أن يغيِّر فعلياً من موقعهن داخل البنية الاقتصادية؟
تبدو التعاونيات النسائية في جزء واسع منها وكأنها تعمل داخل اقتصاد عالمي شديد اللامساواة، يُطلَب فيه من النساء إنتاج "منتوج محلي أصيل" قابل للتسويق دولياً، من دون أن يمتلكن فعلاً أدوات التحكم في السوق، أو شروط التفاوض داخله. وحتى حين تحقِّق بعض التعاونيات نجاحات لافتة، فإنها تظل غالباً استثناءات محدودة، يجري تعميمها داخل الخطاب العمومي، بوصفها دليلاً على نجاح النموذج بأكمله.
وتكشف المعطيات الرسمية عن حجم هذا التوسع. فوفق الأرقام التي قدمها مكتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يضم المغرب اليوم ما يقارب 66 ألف تعاونية تضم حوالي 788 ألف عضو، تشكِّل النساء نسبة كبيرة منهم، فيما صار القطاع يُقدَّم كمساهم بما يقارب 5 في المئة من الناتج الداخلي الخام.
كما توسعت برامج المواكبة والدعم، سواء عبر التمويل أو التكوين أو التسويق أو المَعارض، مع إطلاق برامج موجهة إلى النساء والشباب في العالم القروي، في إطار تصوّر يربط بين الإدماج الاقتصادي وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
غير أن هذه الأرقام على الرغم من أهميتها، تخفي واقعاً أكثر التباساً مما توحي به الصورة الرسمية. فآلاف التعاونيات التي جرى تأسيسها خلال العقدين الأخيرين، لم تؤدِّ فعلياً إلى إدماج واسع ومستقر للنساء داخل سوق الشغل النظامي، بقدر ما أسهمت في توسيع أشكال العمل الهش منخفض الدخل داخل الهوامش القروية وشبه الحضرية.
طنجة: نِساءٌ من قماش
01-03-2020
نساء تصبير السمك: لقمة عيش بطعم المهانة، بمقابل إنتاج ثروات مهولة
17-03-2020
وفي الواقع، لا يمكن فهم هذا النموذج خارج التحولات الاقتصادية الأوسع، التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، حيث جرى تحميل الفئات الهشة، خاصة النساء، جزءاً متزايداً من مسؤولية تدبير أوضاعها الاجتماعية عبر: "المبادرة الذاتية"، و"المشاريع الصغرى"، و"التشغيل الذاتي". وهكذا صارت التعاونية تُقدَّم باعتبارها حلاً اقتصادياً جاهزاً لمعضلات معقَّدة، من مثل: البطالة النسائية، والفقر القروي، على الرغم من أن عدداً كبيراً من هذه المؤسسات يظل محدود القدرة على خلق تراكم اقتصادي حقيقي، أو ضمان دخل مستقِر ومستدام.
والأكثر دلالة، أن كثيراً من التعاونيات النسائية لا تتحكم فعلياً في الجزء الأكثر ربحية داخل سلاسل القيمة. ففي قطاعات، من مثل: الأركان، والزعفران، والنباتات العطرية والطبية، والصناعة التقليدية.. تبقى النساء متمركزات أساساً في الحلقة الأولى من الإنتاج، بما فيها الجمع والتنظيف والفرز والتحويل اليدوي الأولي، وهي المراحل الأكثر استنزافاً للوقت والجهد والأقل ربحية في الوقت نفسه. أما المراحل التي تُنتج القيمة الاقتصادية الكبرى، من توضيب وتسويق وبناء العلامة التجارية والتصدير.. فتوجد غالباً خارج التعاونية نفسها، لدى شركات التوزيع أو الوسطاء أو الفاعلين المرتبطين بالسوق الدولية.
في قطاع الأركان مثلاً، الذي تحوَّل إلى أحد أكثر المنتجات المغربية حضوراً في السوق العالمية لمستحضرات التجميل، تضاعفت قيمة الصادرات بشكل كبير خلال السنوات الماضية، مدفوعة بالطلب الدولي المتزايد على المنتجات الطبيعية والعضوية. غير أن هذا "النجاح" أخفى بدوره تفاوتاً صارخاً داخل سلسلة الإنتاج نفسها، فالنساء اللواتي يقمن بالعمل الأكثر مشقة داخل القرى، لا يحصلن سوى على جزء محدود من القيمة النهائية للمنتج، بينما تتحقق الأرباح الكبرى لاحقاً عند مراحل التصنيع والتسويق والتصدير، حيث تتمركز السلطة الاقتصادية الحقيقية.
هكذا، تبدو التعاونيات النسائية في جزء واسع منها وكأنها تعمل داخل اقتصاد عالمي شديد اللامساواة، يُطلَب فيه من النساء إنتاج "منتوج محلي أصيل" قابل للتسويق دولياً، من دون أن يمتلكن فعلاً أدوات التحكم في السوق، أو شروط التفاوض داخله. وحتى حين تحقِّق بعض التعاونيات نجاحات لافتة، فإنها تظل غالباً استثناءات محدودة، يجري تعميمها داخل الخطاب العمومي، بوصفها دليلاً على نجاح النموذج بأكمله.
وربما لهذا السبب تحديداً، يصعب التعامل مع التعاونيات النسائية فقط باعتبارها قصة نجاح تنموية بسيطة، إذ هي تعكس في العمق محاولة لإيجاد أشكال منخفضة الكلفة لإدماج النساء داخل الاقتصاد، في سياق يعجز فيه سوق الشغل النظامي عن استيعابهن. وبدلاً من أن يصبح "التمكين الاقتصادي" مدخلاً لإعادة توزيع الثروة والقوة الاقتصادية، يبدو أحياناً وكأنه تحوَّل إلى طريقة أكثر نعومة لتدبير الهشاشة داخل المجالات المهمَشة، مع منحها في الوقت نفسه لغة تنموية جذابة وقابلة للتسويق سياسياً ومؤسساتياً.
من يملك "الأصالة"؟ حين تتحول المعرفة النسائية إلى مادة خام للسوق العالمية
مع الصعود العالمي لاقتصاد المنتجات "الطبيعية" و"العضوية" و"المستدامة"، خرجت منتجات مثل زيت الأركان والزعفران والورد العطري والنباتات الطبية الخ.. من حدود الاستهلاك المحلي لتدخل تدريجياً إلى واحدة من أكثر الأسواق ربحية في العالم، هي سوق "الأصالة". وهنا، لم تعد القيمة مرتبطة فقط بجودة المنتج أو استعمالاته، بل أيضاً بالقصة التي يحملها، وبالحمولة الرمزية التي يمكن تسويقها للمستهلِك العالمي، الباحث عن منتَج نقي وتقليدي، ومرتبط بمجتمعات محلية وهويات ثقافية بعيدة عن التصنيع الكثيف.
في العمق، تعكس التعاونيات النسائية محاولة لإيجاد أشكال منخفضة الكلفة لإدماج النساء داخل الاقتصاد، في سياق يعجز فيه سوق الشغل النظامي عن استيعابهن. وبدلاً من أن يصبح "التمكين الاقتصادي" مدخلاً لإعادة توزيع الثروة والقوة الاقتصادية، يبدو أحياناً وكأنه تحوَّل إلى طريقة أكثر نعومة لتدبير الهشاشة داخل المجالات المهمَشة، مع منحها في الوقت نفسه لغة تنموية جذابة وقابلة للتسويق سياسياً ومؤسساتياً.
في هذه السوق تحديداً، صارت المرأة القروية المغربية جزءاً من العلامة التجارية نفسها، فصور النساء وهن يكسرن حبات الأركان يدوياً، أو ينسجن الزرابي، أو يقطفن الزعفران، تحولت إلى عنصر أساسي في الخطاب التسويقي للمنتجات المغربية داخل أوروبا وأمريكا والخليج، ولم تعد الشركات تبيع الزيت وحده بل تبيع أيضاً حكاية كاملة عن "النساء الممكَّنات"، و"التنمية المحلية"، و"الاقتصاد التضامني"... وكأن الهامش نفسه قد تحول إلى مادة قابلة للتوضيب والتسويق داخل الرأسمالية العالمية.
وقد صارت القيمة الكبرى للمنتج تُخلَق بعيداً عن فضاءات الإنتاج الأولى، أي بعيداً عن النساء اللواتي يقمن بالعمل الأكثر استنزافاً للوقت والجهد. وفي قطاع الأركان، الذي تحول إلى أحد أبرز رموز "المنتوج المغربي" عالمياً، تضاعفت قيمة السوق الدولية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بفعل الطلب المتزايد لشركات التجميل العالمية على الزيوت الطبيعية والعضوية، كما أسهم تصنيف منظمة اليونسكو لشجرة الأركان ضمن التراث الإنساني، واعتماد مؤشرات جغرافية وشهادات جودة متعددة، في رفع القيمة التسويقية للمنتج المغربي. غير أن هذه الدينامية العالمية خلقتْ في الوقت نفسه نوعاً جديداً من التفاوت داخل السلسلة نفسها، فكلما ارتفعت القيمة التجارية للأركان في الأسواق الدولية، بقيت النساء داخل القرى يتحركن ضمن هوامش ربح ضيقة غالباً، من دون قدرة فعلية، على التحكم في شروط السوق أو الأسعار النهائية.
وهو ما تؤكده سليمة الحرش لـ"السفير العربي"، وهي باحثة متخصصة في الاقتصاد الاجتماعي والتنمية القروية، وتضيف أن "هناك نوعاً من المفارقة الصامتة، فكلما أصبحت صورة المرأة القروية أكثر حضوراً في الحملات الترويجية، تبقى استفادتها الاقتصادية الفعلية محدودة".
المغرب: الأرض لمن؟
02-05-2019
السُّلاليات في المغرب: هذه الأرض لنا
20-06-2022
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً مع تعقد معايير السوق الدولية نفسها. فالحصول على شهادات الجودة والالتزام بالمعايير الصحية والبيئية الأوروبية، وتطوير التغليف والتسويق الرقمي يتطلب إمكانيات مالية وتقنية لا تتوفر لعدد واسع من التعاونيات الصغيرة. ووفق معطيات مكتب تنمية التعاون، لا تزال نسبة كبيرة من التعاونيات تواجه صعوبات مرتبطة بالولوج إلى الأسواق الخارجية بسبب كلفة الشهادات التقنية، وضعف البنى اللوجستيكية والرقمية، ما يدفعها إلى الاعتماد على الوسطاء أو الشركات الخاصة، التي تتحكم لاحقاً في مسار المنتج داخل السوق العالمية.
صارت المرأة القروية المغربية جزءاً من العلامة التجارية نفسها، فصور النساء وهن يكسرن حبات الأركان يدوياً، أو ينسجن الزرابي، أو يقطفن الزعفران، تحولت إلى عنصر أساسي في الخطاب التسويقي للمنتجات المغربية داخل أوروبا وأمريكا والخليج، ولم تعد الشركات تبيع الزيت وحده بل تبيع أيضاً حكاية كاملة عن "النساء الممكَّنات"، و"التنمية المحلية"، و"الاقتصاد التضامني"... وكأن الهامش نفسه قد تحول إلى مادة قابلة للتوضيب والتسويق داخل الرأسمالية العالمية.
وفي كثير من الحالات، تتحول التعاونية إلى مجرد مزود أوَّلي داخل سلسلة طويلة من الفاعلين الأكثر قوة منها اقتصادياً. فالمنتج الذي يبدأ داخل قرية صغيرة في سوس أو الأطلس، يخرج لاحقاً تحت علامات تجارية فاخرة، وبأسعار لا علاقة لها بما تحصل عليه النساء، اللواتي يقفن عند بداية السلسلة. وتقول لنا إحدى العاملات داخل تعاونية للأركان ضواحي أكادير: "نحن نسمع أن زيت الأركان يُباع في الخارج بأثمنة كبيرة، لكن ما يصل إلينا يبقى قليلاً. نشتغل لساعات طويلة، وفي النهاية لا نعرف حتى أين يذهب المنتوج بعد خروجه من التعاونية".
وفي العمق، يكشف هذا المسار كيف جرى إدماج جزء من المعرفة النسائية القروية داخل الاقتصاد العالمي، بوصفها مورداً اقتصادياً وثقافياً قابلاً للاستثمار، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة توزيع فعلية للثروة أو القوة الاقتصادية. فالتعاونيات النسائية التي يُحتفى بها باعتبارها رمزاً للتمكين والتنمية المحلية، تجد نفسها في كثير من الأحيان داخل سوق عالمية، تَستهلك "الأصالة" أكثر مما تعيد الاعتبار لمن يُنتِجونها فعلياً.
داخل التعاونية… هل تصبح النساء شريكات فعلاً؟
بعيداً عن الصور اللامعة التي تُلتَقط في المعارض الرسمية وأروقة الاقتصاد التضامني، تبدو الحياة اليومية داخل عدد كبير من التعاونيات النسائية أكثر تعقيداً وأقل انسجاماً مع الخطاب الذي يقدِّمها، باعتبارها نموذجاً ناجزاً للتمكين الاقتصادي. فالتعاونية التي يُفتَرض نظرياً أن تقوم على تقاسم القرار والعمل والعائدات بين العضوات، تتحول في كثير من الأحيان إلى فضاء يكشف بدوره عن التفاوتات الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية نفسها الموجودة خارجها، بل ويعيد إنتاج بعضها أحياناً داخل صيغة جماعية جديدة.
في عدد من التعاونيات القروية، تتوزع الأدوار بشكل غير متكافئ على النساء أنفسهن، فبينما تتكفل أغلب العضوات بالأعمال اليدوية الأكثر إنهاكاً، من الجني والفرز والطحن والتنظيف والتوضيب الأولي، تتركز مهام التسيير والتواصل مع الإدارات والوسطاء والزبائن وشبكات الدعم لدى فئة محدودة، تمتلك مستوى تعليمياً أفضل، أو قدرة أكبر على التنقل والاحتكاك بالمؤسسات. وهكذا، يتشكل داخل بعض التعاونيات نوع من الهرمية الصامتة، حيث لا تستفيد جميع النساء بالدرجة نفسها من المعرفة أو العلاقات أو فرص التفاوض.
"كثيراً من التعاونيات تُخلَق بسرعة، استجابة لبرامج دعم أو مبادرات ظرفية، لكن من دون مواكبة اقتصادية طويلة المدى، تسمح لها بالتحول إلى مقاولات قادرة على الاستمرار الذاتي"، وتضيف أن "هناك فرقاً كبيراً بين خلق تعاونية على الورق وبناء نموذج اقتصادي يضمن للنساء دخلاً مستداماً ومكانة أقوى داخل السوق".
توجد تجارب استطاعت تجاوز هذا السقف، خاصة التعاونيات، التي نجحت في بناء علامات تجارية خاصة بها، أو تطوير قنوات بيع مباشِرة عبر المنصات الرقمية والسياحة التضامنية والتصدير. غير أن هذه الحالات تظل محدودة مقارنة بالعدد الإجمالي للتعاونيات، كما ترتبط غالباً بعوامل يصعب تعميمها، من مثل: القرب من المدن، والقدرة على الولوج إلى التعليم والتكنولوجيا والدعم التقني المستمر، وشبكات العلاقات مع الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين.
وتقول كبيرة فرتال، وهي عضوة في تعاونية للأركان بضواحي الصويرة، إن "كثيراً من النساء يدخلن التعاونية بحثاً عن أي دخل إضافي، لكنهن لا يعرفن دائماً كيف تُحدَّد الأسعار، أو كيف تتم عمليات البيع والتسويق"، وتضيف أن "العمل شاق، خصوصاً في مواسم الضغط، لكن المداخيل تبقى غير مستقرة، وقد تمر أشهر من دون طلبات مهمة". أما عاملة أخرى، داخل تعاونية للنباتات العطرية بمنطقة الأطلس المتوسط، فتقول: إن "المعارض أصبحت بالنسبة إلى عدد من التعاونيات أهم من السوق نفسه، لأن البيع المباشِر داخل القرى ضعيف، بينما الوصول إلى الزبائن الكبار يحتاج إلى علاقات وإمكانيات لا تتوافر للجميع".
هذا الارتباط بالمواسم والمعارض والدعم الخارجي، يجعل عدداً كبيراً من التعاونيات يعيش على إيقاع اقتصادي متقطع. ففي مناطق عديدة، لا تشتغل التعاونيات بوتيرة منتظَّمة طوال السنة، بل تنشط خلال فترات معينة مرتبطة بالمواسم الفِلاحية، أو بالطلبيات، أو بالمشاركة في التظاهرات الوطنية، وخلال فترات الركود تعود النساء غالباً إلى أشكال أخرى من العمل الهش وغير المهيكل، أو إلى العمل المنزلي، في ظل غياب فرص شغل مستقِرة داخل العالم القروي.
كما أن جزءاً من النساء المنخرطات في التعاونيات، لا يستفدن دائماً من حماية اجتماعية منتظمة، أو دخل مستقر يسمح ببناء استقلال اقتصادي حقيقي، فيما، وعلى الرغم من أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية صارت تحتل موقعاً مركزياً داخل الخطاب الرسمي للدولة، فإن الواقع داخل عدد من التعاونيات لا يزال بعيداً عن شروط العمل المستقر، سواء من حيث انتظام الأجور، أو التغطية الصحية، أو الحماية المهنية.
وتوضح حياة الأنصاري، الفاعلة المدنية التي تشتغل في مواكبة التعاونيات النسائية بسوس، أن "كثيراً من التعاونيات تُخلَق بسرعة، استجابة لبرامج دعم أو مبادرات ظرفية، لكن من دون مواكبة اقتصادية طويلة المدى، تسمح لها بالتحول إلى مقاولات قادرة على الاستمرار الذاتي"، وتضيف أن "هناك فرقاً كبيراً بين خلق تعاونية على الورق وبناء نموذج اقتصادي يضمن للنساء دخلاً مستداماً ومكانة أقوى داخل السوق".
وفي المقابل، توجد بالفعل تجارب استطاعت تجاوز هذا السقف، خاصة التعاونيات، التي نجحت في بناء علامات تجارية خاصة بها، أو تطوير قنوات بيع مباشِرة عبر المنصات الرقمية والسياحة التضامنية والتصدير. غير أن هذه الحالات تظل محدودة مقارنة بالعدد الإجمالي للتعاونيات، كما ترتبط غالباً بعوامل يصعب تعميمها، من مثل: القرب من المدن، والقدرة على الولوج إلى التعليم والتكنولوجيا والدعم التقني المستمر، وشبكات العلاقات مع الفاعلين الاقتصاديين والمؤسساتيين.
وربما هنا تحديداً يظهر حدود الخطاب الذي يقدِّم التعاونيات النسائية، باعتبارها حلاً جاهزاً لمعضلات البطالة والفقر والتهميش. فالمشكلة لا تتعلق فقط بخلق فضاءات صغيرة للإنتاج الجماعي، بل بطبيعة الاقتصاد الذي تتحرك داخله هذه الفضاءات أصلاً.
ففي سياق يتسم بضعف التشغيل النسائي، واتساع الاقتصاد غير المهيكل، وتزايد الضغوط المناخية على العالم القروي، تبدو التعاونيات بالنسبة إلى عددٍ كبير من النساء أقرب إلى آلية للصمود وتدبير الهشاشة منها إلى مدخل فعلي لإعادة توزيع الثروة، أو تغيير الموقع الاجتماعي والاقتصادي للنساء بشكل جذري.
هكذا، وبين الصورة الرسمية، التي تحتفي بالمرأة المتعاوِنة باعتبارها رمزاً للتمكين والتنمية المحلية، والواقع اليومي لنساء يشتغلن داخل هوامش اقتصادية ضيقة وغير مستقرة، تظل التعاونيات النسائية في المغرب مرآة مكثفة للتناقضات، التي يعيشها النموذج التنموي نفسه، فهي تكشف في الآن نفسه عن قدرة النساء على خلق أشكال جماعية للصمود والعمل داخل مناطق مهمَّشة، كما تكشف عن حدود اقتصاد، يُطلب فيه من الفئات الأكثر هشاشة أن تتحول إلى "مقاولات صغيرة"، لتدبر فقرها بنفسها داخل سوق عالمية، تستهلك خطاب "الأصالة" و"التمكين"، أكثر مما تعيد توزيع القوة والثروة، على من ينتجونها فعلياً.




