هل يدخل السودان وإثيوبيا في مواجهة عسكرية؟

هذه ليست المرة الأولى، التي يتبادل فيها الطرفان الاتهامات بوقوع اعتداءات، غير أنها الآن انتقلت من شبهة توفير الدعم اللوجستي، إلى "انتهاك السيادة"، وذلك باستخدام الأراضي الإثيوبية نفسها كمنصة انطلاق لمسيرات قوات الدعم السريع.
2026-05-14

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
أضرار هجوم المسيرات على مطار الخرطوم الدولي

اتهم الجيش السوداني رسمياً إثيوبيا بالتورط في الهجوم الأخير بالطائرات المسيَّرة في الرابع من أيار/مايو الجاري. ووفقاً لتصريحات المتحدث الرسمي باسم الجيش، فإن مسيرات قوات الدعم السريع انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي، واستهدفت عدة مواقع في الخرطوم، في مقدمتها مطار الخرطوم، لتقطع هدوءاً نسبياً دام ستة أشهر.

لكن إثيوبيا سارعت إلى إصدار نفي رسمي، بل وأعادت توجيه الاتهام للجيش السوداني، بدعمه لجبهة تِغراي المعارِضة للحكومة الإثيوبية برئاسة أبي أحمد.

ونقلت تقارير صحافية عقد اجتماع بين رئيس الوزراء الإثيوبي ونائب رئيس مجلس السيادة السوداني، مالك عقار، على هامش احتفال تنصيب الرئيس الجيبوتي، فيما يبدو أنها خطوة لاحتواء التصعيد الجديد.

اتهامات قديمة متجددة

هذه ليست المرة الأولى، التي يتبادل فيها الطرفان الاتهامات، غير أنها الآن انتقلت من شبهة توفير الدعم اللوجستي، إلى اتهامات بانتهاك السيادة، وذلك باستخدام الأراضي الإثيوبية نفسها كمنصة انطلاق لمسيرات قوات الدعم السريع. وقد أشار المتحدث باسم الجيش إلى أن حكومته وضعت يدها على أدلة وبراهين تثبت ذلك، فاستدعت الحكومة السفير السوداني في أديس أبابا للتشاور، كخطوة تصعيدية واحتجاجية.

وفي وقت سابق، اتهمت الخارجية السودانية إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها لإطلاق هجمات بالمسيّرات، محتفظة بحق الرد.

وسبق أن رصدت تقارير صحافية عديدة حركة تنقل عتاد حربي، يتبع لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية. وبعد فترة قصيرة  من نشر هذه التقارير، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الكرمك في إقليم النيل الأزرق، جنوب البلاد في آذار/ مارس الماضي، وهي مدينة حدودية بين السودان وإثيوبيا. ويعتبر هذا آخر تطور ميداني نوعي، حيث فَتَح جبهة قتال جديدة جنوب البلاد. وتشهد مناطق حول الكرمك عمليات عسكرية بين الحين والآخر.

استفسرت حكومة السودان من تركيا، عن استخدام قوات الدعم السريع لمسيراتها. لكن أنقرة أكدت أنه تم شراء هذه الطائرات، بواسطة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي بدورها، وكما يبدو، زودت بها قوات الدعم السريع.

استهدفت المسيّرات الأخيرة مطار الخرطوم الدولي، الذي أعيد تشغيله للرحلات الداخلية، قبل أن يعلَن عن إعادة تشغيله مجدداً. وكانت ولاية الخرطوم، ومنذ عودة الحكومة المركزية وقيادة الجيش إليها، قد تحصنت بمنظومة دفاعية حديثة، غطت كل الولاية قبل أن تخترق قوات الدعم السريع هذه المنظومة عبر الطائرات المسيرة التركية، المعروفة بـ”بيرقدار اكنجي“. وكان قد سبق للجيش أن استخدم ”بيرقدار“، وسجل مكاسب نوعية، وفرقاً واضحاً في المعارك. وهو ما يشير إلى مرحلة جديدة، من سباق التسلح بين الطرفين في المسيرات وأنظمة التشويش، وهو سباق لم يتوقف.

أشارت بعض المعلومات إلى أن حكومة السودان استفسرت من تركيا عن استخدام قوات الدعم السريع لمسيراتها. لكن أنقرة أكدت أنه تم شراء هذه الطائرات، بواسطة دولة الإمارات العربية المتحدة، التي بدورها، وكما يبدو، زودت بها قوات الدعم السريع.

السيناريوهات المحتملة

حتى الآن لا توجد أية مؤشرات لاحتمال دخول السودان وإثيوبيا في مواجهة عسكرية، على الرغم من أنه يظل احتمالاً وارداً إذا تصاعدت الهجمات من الأراضي الإثيوبية. فالنزاع التاريخي بين البلدين في منطقة الفشقة الحدودية، لا يزال غير محسوم، ويبدو جلياً أن السودان فضل إبقاءه على هذا الوضع.

عطفا على ذلك، فالسودان المنهك بحرب اندلعت في 15 نيسان/ أبريل منذ ثلاثة اعوام، ليس لديه القدرة ولا المصلحة في فتح جبهة قتال خارجية، إذ لا تزال جبهات القتال بينه وقوات الدعم السريع مفتوحة، بل وقابلة للتمدد والتبدل. وتفضيل السودان للخيار الدبلوماسي بدا واضحاً في الخطاب الرسمي.

على الرغم من أن إثيوبيا غارقة في تعقيداتها الداخلية، إلا أن تحالفاتها الإقليمية ربما فرضت عليها الدخول في الصراع السوداني، باستخدام أراضيها للهجوم على السودان، مستغلة هشاشة الأوضاع في بلد يخوض حرباً منذ ثلاثة أعوام، من دون أن تلوح في الأفق بوارق حل.

يظل خيار المواجهة العسكرية مستبعداً. ومن المرجح أن يستمر التصعيد المحدود والمحسوب، وذلك بتنفيذ ضربات جوية محدودة، علاوة على التسهيلات اللوجستية، وفتح خطوط الإمداد في حدود إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا، الذي أشعلت فيه قوات الدعم السريع جبهة قتال جديدة.  

أما إثيوبيا فجبهتها الداخلية معقدة جداً، وهناك عدة مجموعات مسلحة تعارض حكومة أبي أحمد، ولا مصلحة أيضاً لإثيوبيا في الدخول في مواجهة مع السودان.

خريطة الحدود السودانية الاثيوبية الاريترية

وعلى الرغم من أن إثيوبيا غارقة في تعقيداتها الداخلية، إلا أن تحالفاتها الإقليمية ربما فرضت عليها الدخول في الصراع السوداني، باستخدام أراضيها للهجوم على السودان، مستغلة هشاشة الأوضاع في بلد يخوض حرباً منذ ثلاثة أعوام، من دون أن تلوح في الأفق بوارق حل.

وما دفع إثيوبيا أيضاً أن حكومة السودان تحتفظ بعلاقات وطيدة مع خصمها التاريخي، دولة أريتريا، التي احتضنت معسكرات تدريب للجيش السوداني وللتشكيلات المقاتلة معه. ولأريتريا نفوذ كبير في شرق البلاد، بحسبان التداخل الإثني والقبلي بينهما. وتتخذ أريتريا موقفاً معلناً في مساندتها للجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع، وتُوالي مجموعات قبلية رئيسية أريتريا في تحالفات تاريخية. وفي الجانب الآخر، احتضنت إثيوبيا المكونات السياسية المتحالفة مع قوات الدعم السريع، أو تلك القريبة منها، وسمحت لها بممارسة كافة أنشطتها.

قد يلقي التوتر السوداني الإثيوبي بظلاله على ملف سد النهضة. وهناك مخاوف حقيقية إذا استمرّ التصعيد من أن تُمسك إثيوبيا عن تبادل بيانات تصريف المياه، ما يجعل السودان يواجه خطر فيضانات مفاجئة.

وقد يعزز العداء التاريخي بين إثيوبيا واريتريا من التوترات، على طول الشريط الحدودي الشرقي في السودان.

وعلى ذلك، يظل خيار المواجهة العسكرية مستبعداً. ومن المرجح أن يستمر التصعيد المحدود والمحسوب، وذلك بتنفيذ ضربات جوية محدودة، علاوة على التسهيلات اللوجستية، وفتح خطوط الإمداد في حدود إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا، الذي أشعلت فيه قوات الدعم السريع جبهة قتال جديدة. وهو ما قد يحفزها على التمدد داخل هذا الإقليم، مما يشكل تهديداً بإبقاء جبهة النيل الأزرق مشتعلة بشكل مستمر. وتسارع قوات الدعم السريع وحليفتها، الحركة الشعبية، إلى تمديد سيطرتها في إقليم النيل الأزرق، قبل بلوغ موسم الأمطار ذروته في هذه المناطق.

وقد يلقي التوتر السوداني الإثيوبي بظلاله على ملف سد النهضة. وهناك مخاوف حقيقية إذا استمرّ التصعيد من أن تُمسك إثيوبيا عن تبادل بيانات تصريف المياه، ما يجعل السودان يواجه خطر فيضانات مفاجئة.

جدّد هذا الهجوم الأخير المنطلِق من الأراضي الإثيوبية، بحسب اتهامات السودان، طرح الأسئلة عن حالة اللاحرب واللاسلم، التي سادت المشهد السوداني مؤخراً. وبدخول إثيوبيا هذه المرة طرفاً معلناً في الصراع السوداني فإن هذا قد ينبئ بمرحلة جديدة في حرب السودان، إما أنها تمثل ضغطاً جديدا،ً يدفع الأطراف إلى طاولة التفاوض، وإما أن يلجأ الطرفان إلى محاولة تحقيق مكاسب عسكرية جديدة. وبذا يصبح السودان ساحة توتر إقليمي متعددة الأطراف.

مقالات من السودان