حبس أحمد دومة مجدداً: حسابات مفتوحة أبداً؟!

كلّ مرة يفرَج فيها عن معتقلين في مصر، يُحبس في المقابل أحد الناشطين، كأنّ الموضوع انتقام. كتب أحمد دومة في المقال الذي حُبس على أثره: "في التطبيع مع السجون إعلان وفاة للمجتمع وللدولة من قبله، إعلانٌ لوفاة الإنسان، ذلك الذي جوهره الحريّة، وما نراه اليوم من غليان إقليمي ليس إلا القشرة الخارجية؛ أمّا الجمر الحقيقي فهو يتقد تحت "بُرش" المعتقل وفي عيون أطفال المغيّبين تماماً كما اتّقد قبلها في سجن غزّة وفي عيون أطفال مخيّماتها."
2026-04-09

شارك
الشاعر والناشط السياسي أحمد دومة مبتسماً خلف الشبك إثر قضية سابقة (الصورة عن مواقع التواصل).
إعداد وتحرير: صباح جلّول

قررت نيابة أمن الدولة العليا في مصر، في السادس من نيسان/ أبريل 2026، حبس الكاتب والناشط السياسي أحمد دومة أربعة أيام احتياطياً على ذمة التحقيقات بتهمة "نشر أخبار كاذبة"، في قضية جديدة على خلفية مقال صحفي ومنشورات له عبر وسائل التواصل الاجتماعي. التهم الجاهزة هي نفسها، "الترويج لأخبار من شأنها الإضرار بالسلم العام"، و"نشر أخبار كاذبة"، وغيرها من الصياغات التي تُستخدم إذناً مفتوحاً لقضم المزيد من السنوات من حياة الناس، في الحبوس.

هي المرة السابعة التي يُتهم فيها دومة بقضية منذ خروجه من السجن عام 2023 بعفو رئاسي، وهو النمط ذاته يتكرر كشريط يعلك نفسه، يطاله كما يطال عشرات السجناء السياسيين المصريين الآخرين، مع العلم أن الفترة نفسها شهدت إفراجاً عن 16 شخصاً خلال أسبوعين، ما استدعى احتفال الناشطين والأصدقاء والعائلات بالفرَج المنتَظَر، مستبشرين خيراً قبل أن يأتي خبر حبس دومة لينغّص فرحتهم.

حسب المحامي خالد علي، الذي يتولى الدفاع عن أحمد دومة، هي ليست المرة الأولى التي تتزامن فيها الإفراجات مع فتح قضايا جديدة. في رسالة وجهها لدومة عبر صفحته على فيسبوك، يكتب خالد علي "في ذات اليوم، وقبل بدء التحقيق، علمنا بقرارات إخلاء سبيل مهمّة، تعيد إلى الذاكرة مشهد القبض على إسماعيل الإسكندراني وحبسه بعد الإفراج عن علاء عبد الفتاح في توقيت متزامن".

في منشور على صفحتها الشخصية على فيسبوك، تقول المحامية ماهينور المصري إن النظام في كل مرّة يُخرج فيها أحداً من السجناء "الأسرى" لديه، والذين ينتظر الناس خروجهم بعد ظُلم، يقوم بعدها بحبس شخص آخر "إسم" (أي معروف ومطلوب) بالنسبة لهم. تصف المصري هذا النمط بـ"أداء مش بيدلّ على استبداد بسّ، لكن على فكرة أن الموضوع شخصي"، مستنتجة أن الداخلية لا تملك سياسة سوى الانتقام. تقول: "مش عايزين انتقام، بس عايزين عدل، لكن الدولة دي عايزة الانتقام من كل اللي بيدوّر على العدل"...

أحمد دومة في جلسة قراءة لديوانه الشعري "كيرلي" الذي كتبه أثناء وجوده في السجن وهرّبه على قصاصات على مدى أربع سنوات.

ويعبّر محامي دومة، خالد علي، عن غضبه الشخصي من الظلم الكبير الذي يطال موكّله. يصف المشهد في غرفة التحقيق في منشوره الموجّه كرسالة لدومة:

"ثم جاء الصوت.. صوت القرار، جافاً، مقتضباً. أحد الضباط قال: "القرار أربعة أيام حبس، تعال معايا يا أستاذ أحمد". رغم توقّعي، توقّعنا جميعاً، اشتعل الغضب داخلي، غضب لا يهدأ (...) أكثر ما يؤلم في هذه الدوامة ليس السجن وحده، بل فكرة أن حرية دومه أضحت مجرد استثناء، وكأن الأصل هو تقييده"!

بحرقة، يضيف خالد علي الذي شاهد هذا الفيلم أكثر من مرة: "كثيرون لا يعلمون أن أحمد صدرت عليه أحكام وقرارات بالحبس، نفّذ منها 13 عاماً، وحصل خلالها على ليسانس الحقوق، وتم منعه من القيد بالدراسات العليا، ومنذ صدور العفو عنه في آب/ أغسطس 2023، لم يذق الحرية كاملة. حرية مبتورة… ممنوع من السفر دون أن نعرف من أصدر القرار، لا مكان يجرؤ على تشغيله، كل خطوة في الشارع محسوبة، كل زيارة للسينما مرصودة، كل حرفٍ يكتبه يتحول إلى استدعاء، وكأن الكلمات نفسها صارت تهمة".

يوم 25 آذار/ مارس 2026، نُشر مقال أحمد دومة في موقع "العربي الجديد" بعنوان "من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن". المقال، إضافة إلى منشورات على مواقع التواصل، كان تهمته. ولأن لا شيء يقال أمام تكرار المأساة، فلعلّ ما كتبه أحمد دومة نفسه في نهاية مقاله/تُهمته خير درس ونتيجة:

"في التطبيع مع السجون إعلان وفاة للمجتمع وللدولة من قبله، إعلانٌ لوفاة الإنسان، ذلك الذي جوهره الحريّة، وما نراه اليوم من غليان إقليمي ليس إلا القشرة الخارجية؛ أمّا الجمر الحقيقي فهو يتقد تحت "بُرش" المعتقل وفي عيون أطفال المغيّبين تماماً كما اتّقد قبلها في سجن غزّة وفي عيون أطفال مخيّماتها. وقبل أن يتساءل العالم عن موعد سقوط القنبلة النووية، عليه أن يتساءل متى ينتهي صبر المظلومين؟ فالجدران التي تبنيها السلطات اليوم لتأمين كراسيها، هي نفسها التي ستنهار فوق رؤوس الجميع غداً". 

مقالات من مصر

حقوق وأحقاد حول الآثار المصرية

منى سليم 2026-03-12

في مقابل التعنت والإيغال في السرقة في بلدان أوروبية وفي أمريكا، كان هناك موقف مصري رائد في جولة استرداد الآثار المصرية التي نهبتها إسرائيل، تحت اسم الكشف العلمي خلال احتلالها...