العراق الذي تعوَّد على الاحتلال المتكرر منذ ما قبل ميلاده الحديث وبعده، يجد نفسه اليوم في عراقٍ رمادي، عراق لا هو بمحتَلٍ ولا هو بمستقل، عراق من رماد يتداخل فيه أبيض دماء الضحايا بأسود الفساد، فيه تهم جاهزة بتخوين الآخر، وتسخيف الانتماء لغير الحاجة المادية، من خلال وصف مدّعي الوطنية بـ"الوطنچية". وهنا يطرح تساؤل: ما معنى أن تكون "وطنچياً"؟ هل يعني أن يكون ولاؤك للوطن أم لمن يديرون الأرض والحكومة والجغرافيا؟
الوطنية
الوطنية في العربية تدل على جغرافيا يستوطنها الإنسان ويطوِّر عاطفة وانتماءً تجاهها، في حين أنها في الإنجليزية PATRITOTISM مشتقة من الجذر اليوناني Patrios الذي يعني الأب! وفي سياقات أخرى، كما اقترحها جورج أورويل، فإنها تُعتبر كسلوك دفاعي ضد الطريقة التي اختارتها الجماعة للعيش. أو أنها واجباتنا الأخلاقية تجاه المجتمع السياسي[1]. وفي مواضع كثيرة، مُزِجت الوطنية بالقومية Nationalism وصارت عدوانية ومتطرفة تجاه الآخر المختلِف. لكنها في الغالب يُنظَر إليها كصفة حميدة، كفعل أخلاقي وواجب من واجبات المواطَنة الصالحة. لكن كما أن الحبل الذي ينقذنا من الحفرة هو نفسه الحبل المحتمل لإعدامنا، يمكن أن تصنف الوطنية كشتيمة أو لعنة أو تهمة تلاحق مَن يُوصف بها.
في العراق، الوطنية أكثر تعقيداً من تصنيف أكاديمي. فالعالِم الاجتماعي علي الوردي، في نظرية "ازدواج الشخصية"، يطرح صراع البداوة والحضارة، ويرى أن العراقي وطني في ظاهره وبدوي في باطنه، فتراه يحتقر الدولة باعتبارها مجرد جابي ضرائب وباعتبارها تهين الناس.
عراق الأمس
سعى حزب البعث الذي حكم العراق بقبضة حديدية إلى ترويض مشاعر الوطنية، وتشكيل قالب الولاء للعراق بالولاء للحزب، أي بما معناه أن الوطن هو الحزب، والحزب هو الرجل الواحد: صدام حسين. وشَكَّلَ النظام قالباً أيديولوجياً للانتماء المجتمعي لما يسمى الوطن، ليشمل تغييراً ممنهجاً للتاريخ والحاضر، فيكفل ترك آثارٍ كافية تذكِّر المقصِّرين بعظمة هذا الوطن/الحزب/الشخص... مثل بناء قصر للرئيس في بابل أعلى من قلعة بابل، على تل اصطناعي، كي يُنظَر إليه بمنزلة أعلى من الحاكم التاريخي لأرض ما بين النهرين، على الرغم مِن أنّه، كما يقول كثيرون، لم يزر ذلك القصر سوى مرة واحدة أثناء بنائه، ولم يزره بتاتاً بعد إكمال إنشائه، واستئناف بناء قلاع تاريخية بمواد حديثة تاركاً اثر تلك الحقبة عليها، وتسمية الحرب مع إيران بالقادسية 2، نسبة إلى معركة القادسية التي حُرِّرت فيها بغداد من الفرس، وبناء متحف للحرب (أُهمل قبل أن يكتمل، ولا يزال هيكله المنهوب حاضراً، كما قصوره المنهوبة). إضافة إلى إعدام[2] طلاب مدرسة لأن عبارة "يسقط صدام حسين" كُتبت على السبورة! أي لم يُكتَب "يسقط العراق"، ولم يُكتَب "يسقط الوطن". زد على ذلك أن "الرفاق" الذين كانوا يكتبون التقارير للحزب كوشايات تكفي لاعتقال المتهَم بمجرد تقرير يمكن أن يُكتَب بدافع مزاجي أو طائفي أو شخصي!
____________
من دفاتر السفير العربي
عشـرون عامـاً على الحرب على العـراق
____________
بعد الاحتلال الأمريكي، فشل العراقيون في إسقاط تمثال صدام حسين في ساحة الفردوس في بغداد، ربما لأن الخوف أو جوع الحصار، أو معنى حرية ضرب تعابير وجه الرئيس القائد بالأحذية لم يكن مألوفاً، فلف الجنود الأمريكيون الحبال حول رقبة التمثال وأسقطوه بالدبابات، وسُحِلَ رأسُه كجثةٍ هائلةٍ لنسخةٍ منتهية الصلاحية من الوطن! وبدأت وطنية جديدة، بعد عقودٍ من وطنية البعث! ليكتشف ذوو "الشهداء" الذين أُجبروا على الخدمة العسكرية و"الاستشهاد" في جبهات القتال وكانوا بمختلف الأعمار - حتّى عمر السبعين ممن جُنِّدوا في الجيش الشعبي أثناء الحرب العراقية الإيرانية - أنَّ "شهداءهم" خونة وبعثيون، وليسوا وطنيين!
عراق اليوم
بعد الاحتلال الأمريكي، وجد العراقيون أنفسهم مُجبرين على "اختيار" أوطانهم. هذه أوطان زبائنية، نفعية، ماديّة، طائفية، وعِرقية. يمكنهم اختيار ما يناسبهم من سوق الوطنية هذا، كي يكونوا على استعداد عند مرورهم بالسيطرات (الحواجز) الطائفية في الحرب الأهلية في 2006-2007، على "وطنية صحيحة" تنفعهم، ووطنية "سيئة" تقتلهم.
سعى حزب البعث الذي حكم العراق بقبضة حديدية إلى ترويض مشاعر الوطنية، وتشكيل قالب الولاء للعراق بالولاء للحزب، أي بما معناه أن الوطن هو الحزب، والحزب هو الرجل الواحد: صدام حسين.. وشَكَّلَ النظام قالباً أيديولوجياً للانتماء المجتمعي لما يُسمّى "الوطن"، ليشمل تغييراً للتاريخ والحاضر، فيكفل ترك آثارٍ كافية تذكِّر المقصِّرين بعظمة هذا الوطن/الحزب/الشخص... مثل بناء قصر للرئيس في بابل أعلى من قلعة بابل، على تل اصطناعي، كي يُنظَر إليه بمنزلة أعلى من حاكمٍ لأرض ما بين النهرين.
ادّعى قرار مجلس الأمن رقم 661 أنَّه يعاقب النظام، بينما كان العراقيون يفرشون بسطات لبيع أثاث منازلهم ويأكلون علف الحيوانات كي ينجوا. مُسِخَ بلد الحضارات إلى بلد الجياع، بلد الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل والأطفال اليتامى الجياع. أرض التحسر على لقمة..
في تظاهرات 2019، التي سميت لاحقاً بـ"ثورة تشرين"، خرج مئات الآلاف مطالِبين بـ"وطن"، بعيدٍ عن التبعية، ورافضٍ للتدخل الخارجي في شؤون العراق، فقوبلوا بالقمع والقتل والاعتقال والملاحقة، مما دفع كثيراً منهم إلى الرحيل: خارج جغرافيا البلد أو إلى المقابر. وتعرضتْ قبور بعضهم إلى التخريب عدة مرات، مثل قبر صفاء السراي الذي، على الرغم من تسييجه وإقفاله وحمايته، إلا أنه تعرض للتشويه للمرة السادسة، بحسب شقيقه. ولم تُنتج تلك الثورة وطناً، إذ خرج قبل أيام نائب في البرلمان العراقي يصرح في لقاء تلفزيوني: "ماكو دولة"! (لا توجد دولة).
مؤخراً بدأ إطلاق تسمية "الوطنجية" على العراقيين، الذين يحاولون إبداء رأيٍ نقدي يخص دخول العراق في الحرب الامريكية-الاسرائيلية الدائرة اليوم، رافضين المشاركة فيها لعدة أسباب، منها غياب التسليح العسكري أو الأمن النقدي للعراق، خاصةً بعد توقف مضيق هرمز، الذي أفضى إلى توقّف تصدير النفط العراقي الذي يشكّل المورد الاقتصادي شبه الوحيد للعراق، وتخفيض الإنتاج ليغطي الحاجة المحلية فقط. وبذلك توقف تدفق النقود ووقع فشل مؤكد في تغطية رواتب الموظفين، التي يعتمد عليها الشعب العراقي بجزئه الأكبر. وعلى الرغم من غياب تصريح رسمي بدخول الحرب، إلا أن القصف طال عدة مواقع في العراق.
والـ"جي" في المحكية العراقية تشير إلى مهنة، مثل البنجرجي، أو الفيترجي، أي أن هؤلاء الذين يدّعون الوطنية، يمتهنون تلك الصفة وليسوا صادقين فيما يدعونه، وصارت تُفسّر كشتيمة أو انتقاص ممن يُكّنى بها، وفي الغالب هي تهمة يمكن أن تشكل خطراً على كثيرين، لأنَّهم اختاروا "الجانب الآخر"، غير الجانب المذهبي أو العقائدي.
تطبيع المحن
لا بد أن السماء جفلت من الصدمة، والآلهة صُعِقوا، وتوسعتْ عيون الموتى حتّى كادت تنفجر، حين لم يتعلم العراق من دروس الحصار الذي فُرض عليه بعد احتلال الكويت، واستمرَّ حتّى الاحتلال الأمريكي للعراق. ففي تلك الأثناء، وفيما افترض قرار مجلس الأمن رقم 661 أنَّه يعاقب النظام، كان العراقيون يفرشون بسطات لبيع أثاث منازلهم ويأكلون علف الحيوانات كي ينجوا، وعلى الرغم من قرار "النفط مقابل الدواء" الذي لم يكُ ذا فائدة تُذكر، مُسِخَ بلد الحضارات إلى بلد الجياع، بلد الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل والأطفال اليتامى الجياع. أرض التحسر على لقمة، فيما تبث وسائل الإعلام المحلية انتصارات وهمية، وأصوات قرقرة أمعائهم أكثر حدة من خطابات القادة حينذاك.
في تظاهرات 2019، التي سميت لاحقاً بـ"ثورة تشرين"، خرج مئات الآلاف مطالِبين بـ"وطن"، بعيدٍ عن التبعية، ورافضٍ للتدخل الخارجي في شؤون العراق، فقوبلوا بالقمع والقتل والاعتقال والملاحقة، مما دفع كثيراً منهم إلى الرحيل: خارج جغرافيا البلد أو إلى المقابر. وتعرضتْ قبور بعضهم إلى التخريب عدة مرات.
لا بد أن السماء جفلت من الصدمة، والآلهة صُعِقوا، وتوسعتْ عيون الموتى حتّى كادت تنفجر، حين لم يتعلم العراق من دروس الحصار الذي فُرِض عليه بعد احتلال الكويت، واستمرَّ حتّى الاحتلال الأمريكي للعراق.
تزداد حدة الخطاب الداعي إلى الدخول في حربٍ حتّى لو واجه فيها العراقيون الطائرات والصواريخ بالسكاكين أو الأظافر أو الشتائم! وأن يتحمل العراقيون حصاراً محتملاً جديداً إذا ما استمر إغلاق مضيق هرمز. ولكن مَن سيفتح صدره للصواريخ ويترك منازلاً باردة وعائلات من الوجع العراقي المعتاد عليه؟
تقول الأرقام إن عدد الإصابات والقتلى العراقيين يفوق الـ 200 منذ بدء الصراع في المنطقة، مع استمرار التأكيد الرسمي على تجنيب العراق الحرب!
"الشعب" العراقي وسؤال ولاءاته
15-10-2022
تقديم العراقيين كقرابين بدأ منذ زمنٍ لا بدء له، وطُبِّعَ وترسّخ لتشكيل وعي قائم على الانتحار الجماعي، لأية حجة أو سبب، حتّى أمسى كل طفلٍ عراقي يسير، على جمرٍ من جهنم لا ينطفئ، حاملاً على كتفيه وطناً من القش.
- Lord Acotn 1972 ↑
- https://iraqicenter-fdec.org/archives/8240 ↑





