في المرة الأولى التى زرت فيها مدينة رشيد، كنتُ حريصاً على رؤية ذلك المصب السحري الذي تنتهي عنده رحلة النيل، وهو يجود بآخر ما تبقى لديه في أحضان البحر الواسع. بدا المشهد ساعتها مهيباّ أكثر مما تصورتُ، ربما لأنه في الوقت الذي حمل معنى النهايات، كانت تلك المياه العذبة تصب في أمواج البحر المالح كأنها تجد لنفسها حياة جديدة، بعد رحلة السبعة آلاف كيلو متراً التي قطعتها انحداراً. ذلك المصب العجيب الذى يتكرر مرتين في مصر، الأولى هنا عند رشيد، والثانية عند مدينة رأس البر، حيث يصب فرع دمياط، وهو ما يعطي رشيد زخماً استثنائياً وموقعاً جغرافياً فريداً ومتميزاً، سوف يكتب لها سيرتها الذاتية ويضع لها دورها التاريخي الذي لا تزال تحتفظ ببعض بقاياه، على الرغم من موجات المد والجذر التى قذفت بها في نهاية الأمر كمدينة مهمَلة.
منبت التسمية
رشيد هو الاسم العربي للمدينة، وهو مستمد من الاسم الذى وجد في البرديات القبطية القديمة، الذي يبدو أنه جاء تحريفاً للاسم الفرعوني "ريخيتو". درج الغربيون على إطلاق اسم "روزيتا" أو الوردة الصغيرة على المدينة، وقد وردت أقدم إشارة إلى رشيد الفرعونية في مراجعهم الطوبوغرافية للنصوص الهيروغليفية والنقوش واللوحات المصرية القديمة، عن وجود الاسم على جزء من عمود يضم كتابات من الجانبين يعود إلى عصر الملك ابسماتيك، محفوظ الآن في المتحف البريطاني[1] .
شهدت رشيد خلال سني صعودها ازدهاراً كبيراً في الزراعة، واشتهرت بزراعة الأرز على وجه الخصوص، الذي كانت تقوم بتصديره إلى الشام واليونان بواسطة السفن الشراعية. كما اشتهرت بزراعة الشعير والفول والخضروات والنخيل. ولا تزال رشيد حتى اليوم تحدّها من أطرافها القريبة وتتخللها أكثر من مليون نخلة مثمرة، كأحد أكثر وأكثف الأماكن في مصر في زراعة النخيل.
ويُرجَّح أن هذه الآثار قد جُلبت من مدينة بولبتين القديمة، التى يبدو أنها كانت قريبة للغاية من موقع رشيد الحالية. ولا يمكن الجزم أن رشيد الحالية تقع في مكانها بالظبط، لتغير مجاري النيل عبر العصور.
البزوغ
مرت رشيد بدرجات من السطوع والانطفاء تطول أو تقصر، ولكن عصر ازدهارها الحقيقي بدأ مع الغزو العثماني لمصر، إذ فاق اهتمام العثمانيون بثغر رشيد كل ماعداه من ثغور مصر، لانعزال الإسكندرية عن النشاط البحري في تلك الفترة، وتدهورها نتيجة مجموعة من العوامل التاريخية، على رأسها اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح.. حينها وبعدها، تضررت الإسكندرية بشدة وفقدت وظيفتها كميناء عالمي، علاوة على ضعف تحصيناتها بعد العصر المملوكي، وتعرّضِها لهجمات متتالية، وتقلّص عدد سكانها ونشاطها التجاري.. كما أُبطِل رسو المراكب عند مدينة فوة، التي كانت من قبل ميناءً وسيطاً ومهماً. وهكذا صارت رشيد نقطة الارتكاز للقادم من الإسكندرية إلى القاهرة، أو للقادم من البحر إلى القاهرة مباشرة عن طريق النيل، علاوة على أنها كانت أقرب الثغور المصرية المعمورة إلى الاستانة، فصارت محوراً تجارياً من الدرجة الأولى، وامتلأت حينها بالوكالات التجارية، والخانات، والقيساريات، (وهي أسواق ضخمة مغلقة تشبه المولات الآن)، وصارت ميناءاً رئيسياً في التصدير والاستيراد بين الموانى العثمانية.
تلك هي الفترة التى عرفت رشيد خلالها عصرها الذهبي، الذى بلغ ذروته عام 1777، فوصلت المدينة إلى غاية اتساعها وتحققها، وعرفت الوفرة والرخاء بين سكانها، وتشكّل طابعها المعماري المميز باذخ الجمال. وكل ما تمتلئ به المدينة اليوم من آثار تاريخية لا تزال قائمة، يعود إلى تلك الفترة التي وصلت فيه المدينة ذروة تألقها.

الأنشطة
شهدت رشيد خلال سني صعودها ازدهاراً كبيراً في الزراعة، واشتهرت بزراعة الأرز على وجه الخصوص، الذي كانت تقوم بتصديره إلى الشام واليونان بواسطة السفن الشراعية. كما اشتهرت بزراعة الشعير والفول والخضروات والنخيل. ولا تزال رشيد حتى اليوم تحدّها من أطرافها القريبة وتتخللها أكثر من مليون نخلة مثمرة، كأحد أكثر وأكثف الأماكن في مصر في زراعة النخيل.
تعد رشيد المدينة الثانية في مصر بعد القاهرة، التي تضم أكبر مجموعة من البيوت والمساجد والوكالات والآثار القائمة. إذ يتجلى فيها المعمار الإسلامي بأبهى درجاته. وتتميز واجهاتُ البيوت بالمشربيات الخشبية الدقيقة، التي توفِّر الخصوصية والتهوية وتكسر حدّة الضوء. كما تتسم بتعدّد الطوابق، واتساع الأفنية الداخلية، وتنظيم الفراغات بما يراعي المناخ والنسيج الاجتماعي للمدينة.
كما عرفت المدينة أشكالاً متعددة من الصناعات التي ظلت مقصورة، عليها من مثل صناعة قلوع المراكب من قماش الكتان، وهي الصناعة التى ظلت قائمة في المدينة حتى وقت قريب، حين كانت تجوب فيه المراكب الشراعية كل القنوات النهرية التى تتخلل دلتا النيل... كنت أرى في طفولتي المراكب التي تحمل الأواني الفخارية وأوعية العسل والغِلال. كذلك تميزت رشيد بصناعة المنسوجات الكتانية والحريرية، وصيد الأسماك وتمليحها، وصناعة الأدوات الخشبية، والصباغة، وإنتاج السكر، ثم كافة الصناعات المتعددة التي تقوم على النخيل، مثل إنتاج التمور وتعبئتها، وصناعة العجوة ومنتجات الجريد والسعف.
الطابع المعمارى للمدينة
تعد رشيد واحدة من المدن القلائل التى ظلت محتفظة بطابع عمراني متميِّز نجا بشكل ما من محاولات الهدم والتحديث. بل إن بعض شوارعها بالكامل تبدو كمتحف مفتوح على تلك البيوت التي بُنيت في العصرين المملوكي والعثماني، كتلك الواجهات البديعة، التي استُخدِم في بنائها الطوب (المنجور) بلونيه الأسود والأحمر، الذي يتميز بدقة القياس ونعومة الملمس، علاوة على مظهره الجمالي، إذ يتم رصه بتشكيلات هندسية جميلة لا تحتاج إلى طلاء أو زخارف إضافية، وتثبيته وتماسكة باستخدام مادة "القصرمل"، وهي خليط من الرماد والجير المطفأ، كانت تُستعمل كبديل للأسمنت.
حقوق وأحقاد حول الآثار المصرية
12-03-2026
وتعود الأهمية التاريخية لتلك البيوت والمنشآت الأثرية، إلى أن رشيد تعد المدينة الثانية في مصر بعد القاهرة، التي تضم أكبر مجموعة من البيوت والمساجد والوكالات والآثار القائمة. إذ يتجلى فيها المعمار الإسلامي بأبهى درجاته. وتتميز واجهاتُ البيوت بالمشربيات الخشبية الدقيقة، التي توفِّر الخصوصية والتهوية وتكسر حدّة الضوء. كما تتسم بتعدّد الطوابق، واتساع الأفنية الداخلية، وتنظيم الفراغات بما يراعي المناخ والنسيج الاجتماعي للمدينة.
ومن تلك المنازل التي لا تزال قائمة إلى اليوم، محتفظة بمعمارها المتميز، وخصوصيتها الثقافية، منزل علوان بك، وهو الذي شهد وجود الزعيم أحمد عرابي عند قيامه بزيارة رشيد قبيل الغزو الإنجليزي لمصر لمعاينة تحصينات المدينة. وكذا منزل المناديلي، ومنزل أحمد باشا الداي، وغيرها... وهي منازل ظلت باقية من القرن الثامن عشر. كما توجد منازل ظلت باقية من القرن التاسع عشر، من مثل: منزل عثمان الأمصيلي ، ومنزل حسيبة غزال[2].
وقد أدرجت رشيد عام 2003 ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو.
مسجد زغلول
أحد أهم المعالم في رشيد وأكثرها شهرة، بني عام 1587 في العصر المملوكي على مساحة واسعة تقارب 5300 متر مربع، ويظهر في تصميمه التناغم بين الطرز المملوكية والعثمانية. وكان مركزاً لتنظيم مقاومة الأهالي ضد الحملة الإنجليزية على مصر بقيادة الجنرال فريزر. ومن فوق مئذنته انطلقت الصيحة التاريخية، التي أعلنت عن بدء القتال ضد جنود الحملة، وانتهت بانتصار أهالي رشيد وتقويض الحلم الإنجليزي في احتلال مصر إلى حين .

زبيدة البواب
في الصف الثالث الإعدادي، كانت رواية غادة رشيد للشاعر علي الجارم ضمن مقرر اللغة العربية في ذلك العام. ربما كانت تلك الرواية هي أول رواية مكتمِلة قرأتها في حياتي، بعد أن تجاوزتُ مرحلة روايات الجيب ومجلة تان تان وميكي!
في تلك الرواية، يستعرض علي الجارم قصة الحب الجارفة بين زبيدة البواب وأحد أقاربها ويدعى محمود العسّال، وهي القصة التى تنتهي بنهاية صادمة، بزواج زبيدة من القائد الفرنسي جاك فرانسوا مينو، القائد الثالث للحملة الفرنسية، بعد رحيل نابليون إلى فرنسا، ومقتل الجنرال كليبر، القائد الثاني للحملة... بعد أن أشهر مينو إسلامه وتسمّى بعبد الله !
من هو "حامد"؟
16-09-2021
أتذكر أنني قرأت الرواية في جلسة واحدة، وخرجتُ منها بنقمة غير محدودة على زبيدة، التي ضحت بقصة حبها لتتزوج من ذلك القائد (الأبله) كما حاول المؤلِّف أن يخبرنا. فيما بعد، ولأن القصة على بساطتها الأدبية، فتنتني في مستهل المراهقة، قمتُ ببحثٍ واف عن مصير الأبطال، فعرفت أنه لم يكن ثمة قصة حب في الأمر، ولكنها الضرورة الأدبية التى رآها الكاتب. بل وتذهب بعض الروايات الكثيرة إلى أن زبيدة كانت متزوجة قبل مينو، من رجل يدعى سليم أغا، وكان أحد رجال الإدارة في البلاط العثماني.
مع بداية عصر محمد علي، بدأت رشيد تفقد دورها التاريخي، وبدأت في التراجع، بعد أن حلت الموانىء الحجرية الساحلية محل الموانىء النيلية الطينية. ثم كان حفر ترعة المحمودية فى عام 1819، ثم حفر قناة السويس في عام 1859 بداية اضمحلال رشيد ودمياط كموانىء نهرية، واستردت الإسكندرية دورها التاريخي كبوابة مصر الذهبية، وبور سعيد كبوابتها الفضية
أما أكثر الجوانب غموضاً في ذلك الزواج، فهو مصير زبيدة بعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر، إذ ظلت تتنازع ذلك المصير سرديتان لم تُحسما. الأولى، التي يذهب إليها عبد الرحمن الجبرتي وعدد من مؤرخي الحملة، وتفيد أن زبيدة اختارت البقاء في مصر بعد مغادرة الحملة عام 1801، وأن مينو عاد وحده إلى فرنسا، وتخلى عن إسلامه، فتم فسخ عقد الزواج، ودخلت زبيدة إلى دائرة الظل حتى وفاتها.
أما الرواية الثانية فتقول إنها رحلت مع زوجها وتوفيت في فرنسا، ودفنت فى مقبرة "بير لاشيز"، وثمة نقش جنائزي لا يزال قائماً مكتوبٌ عليه "هنا ترقد زبيدة البواب، أرملة الجنرال الكونت مينو، الحاكم سابقاً ، والقائد العام، وحاكم البندقية. وُلِدت في رشيد بمصر، وتوفيت في باريس في 10 حزيران/يونيو 1816، عن عمر ناهز 42 عاماً".. ولكن المؤكد أن ذلك الزواج أثمر طفلاً اسمه سليمان مينو، رحل مع أبيه إلى فرنسا.
يُعدُّ زواج زبيدة من فرانسو مينو أحد أكثر الفصول تراجيدية في قصة الحملة الفرنسية على مصر، وهي قصة تواطأ الجميع على محوها وعدم العودة إلى ذكرها، إذ استقر في الوعي الجمعي للمصريين بشكل ما، أن ذلك الزواج مثّل انتهاكاً للهوية الوطنية، وتدنيساً لفكرة استخدام الدين في الأغراض السياسية، علاوة على حدوث الزواج تحت ظروف الاحتلال، مما مثّل كسراً كبيراً للجانب المعنوي للمصريين. يعزز ذلك ما ذكره الجبرتي باقتضاب شديد عن قصة الزواج في كتابة الشهير إذ يقول: "وفي هذه السنة تزوّج مينو الفرنساوي بامرأةٍ من أهل رشيد، وأسلم وتسمّى بعبد الله، وكان ذلك من جملة ما استغربه الناس من أحوال الفرنساوية". وظل صوت زبيدة هو الصوت الغائب في سرديتها الدرامية المؤلمة.
لكن بيت زبيدة لا يزال قائماً إلى اليوم في شارع بدر الدين في رشيد، ويُعرف ببيت الميزوني، وهو واحد من أجمل بيوت رشيد وأكثرها فخامة، ومثال رائع على روعة الطابع الإسلامي في العصر العثماني.
حجر رشيد
الصدفة التراجيدية التى قادت جاك مينو إلى الزواج من زبيدة البواب كواحدة من غرائب الاحتلال الفرنسي لمصر.. قادت أيضاً الضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار، إلى العثور على ذلك الحجر المصنوع من الجرانوديوريت، الذي حوى نقوشاً غريبة، وذلك أثناء ترميم أحد الحصون العسكرية قرب مدينة رشيد. وقد عُرِف لاحقاً باسم حجر رشيد، وهو مستقِر الآن في المتحف البريطاني في لندن. وقد عكف عليه العالم الفرنسي جاك فرانسوا شامبليون، لمده عشرين عاماً من البحث والمقارنة والتفتيش فى اللغات القديمة التي كان ملماً بها.
كان الحجر يحمل نقوشاً باللغات اليونانية والديموطيقية والهيروغليفية – والثلاث اللغات تحمل معنى واحداً - وفيما كانت اليونانية مفهومة بشكل جيد، كانت الديموطيقية والهيروغليفية سراً مغلقاً، حتى ساد اعتقاد راسخ بين العلماء أنها مجرد إشارات رمزية لا تمثِّل أصواتاً. وفي واحدة من لحظات الكشف التاريخية المذهلة، تمكن شامبليون من مقارنة أسماء بعض الملوك مثل بطليموس ورمسيس داخل الخراطيش الملكية، ليدرك أن الرموز تُستخدم كحروف مثل الأبجدية بالظبط، ثم تمكّن من فك طلاسم اللغة الديموطيقية والهيروغليفية، ليعلن اكتشافه في رسالة شهيرة إلى الأكاديمية الفرنسية، ويولد حينها "علم المصريات" مع ذلك الاكتشاف الفذ، الذي أعاد القدرة على قراءة آلاف النقوش والكتابات، تؤرِّخ للحياة اليومية للمصريين القدماء، فأعادت إلى مصر صوتها وتاريخها المجهول، كأحد أهم تجليات الحملة وأكثرها تأثيراً من الناحية الثقافية . .
ولكن المفارقة أن الأمر أيضاً لم يخلو من التراجيديا. ففيما بعد، وعندما قام النحات الفرنسي (فريدريك أوجست بارتولدي)[3] بعمل تمثال للعالِم شامبليون، يحاول أن يمجِّد فيه اكتشافه الكبير، صوَّره وهو يقف مستعلياً فيما يضع قدمه على رأس تمثال فرعوني مستسلِم، موحياً بتفوق الغرب على الحضارة المصرية، ومتجاهلاً في الوقت نفسه السياق الاستعماري الغربي في القرن التاسع عشر، مما فتح ــ ولا يزال ــ نقاشاً واسعاً حول إرث الاستشراق، والتمثيل الاستعماري وإشكالية علاقة الشرق بالغرب.
سنوات الانطفاء المستمرة
مع بداية عصر محمد علي، بدأت رشيد تفقد دورها التاريخي، وبدأت في التراجع، بعد أن حلت الموانىء الحجرية الساحلية محل الموانىء النيلية الطينية. ثم كان حفر ترعة المحمودية فى عام 1819، ثم حفر قناة السويس في عام 1859 بداية اضمحلال رشيد ودمياط كموانىء نهرية، واستردت الإسكندرية دورها التاريخي كبوابة مصر الذهبية، وبور سعيد كبوابتها الفضية، طبقاً لتعبير جمال حمدان[4] .
كذلك كان لتطور وسائل النقل البري وإنشاء السكك الحديدية أثره المباشِر فى خروج رشيد من المعادلة التجارية، فلم تعد تقوم بدور الوسيط بين العاصمة ومينائها البحري.
"دمنهور": الازدهار والتدهور
17-03-2025
انزوت رشيد في النهاية تحوطها المجاري المائية من ثلاث جهات، البحر في الشمال والنهر في الشرق والبحيرة في الجنوب الغربي. وبدلا من أن تسهم تلك المسطحات المائية في ازدهار المدينة ونموها، ساعدت على زيادة عزلتها.




