ماذا وراء تصنيف الحركة الإسلامية في السودان منظمة إرهابية؟

جاء القرار الأمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية متوافقاً مع رغبة الجيش، بغض النظر عن قدرته على فك الارتباط أو عدم قدرته على ذلك. وذهبت بعض الآراء إلى أن القرار الأمريكي ربما جاء بناء على رغبة الجيش نفسه، لرفع الحرج عنه، والتمهيد لاتخاذ الإجراءات المطلوبة. فما خيارات قيادة الجيش أمام القرار الأمريكي؟
2026-03-26

شمائل النور

كاتبة صحافية من السودان


شارك
عصام عبد الحفيظ - السودان

أعاد قرار الخارجية الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمةً إرهابية، طرح أسئلة جوهرية، بعد ثلاثين عاماً حكمت فيها الحركة البلاد وتغلغلت في مفاصلها، وسقط حكمها بانتفاضة شعبية واسعة النطاق في عام 2019، ولا تزال تقاوم التغيير، وتسعى إلى استعادة سلطتها كاملة، عبر مسار الحرب التي تلعب فيها دوراً رئيسياً ومؤثراً.

وقد دخل القرار الأمريكي حيز التنفيذ، ابتداء من السادس عشر من آذار/ مارس الجاري . ويشمل التصنيف، كما هو معلوم، تجميد الأصول والممتلكات التابعة للتنظيم أو الكيانات المرتبطة به داخل الولايات المتحدة، وحظر التعامل مع المؤسسات المالية، ما يهدف إلى عزل التنظيم وواجهاته الاستثمارية عن النظام المصرفي العالمي.

بعيداً عن مدى مبدئية الولايات المتحدة الأمريكية ومدى جدوى مثل هذه القرارات، إلا أنه يُنظر باهتمام كبير على المستوى المحلي والإقليمي إلى هذا التصنيف، الذي جاء بعدما اقتربت الحرب من إكمال عامها الثالث، من دون إحراز تقدم في عملية التفاوض. وهو بالطبع ليس مجرد خطوة قانونية، كما هو ظاهر القرار، الذي جاء بدوافع ارتكاب جرائم وانتهاكات ترقى إلى مستوى الإرهاب، بل هو توجه سياسي استراتيجي لواشنطن وحلفائها في الإقليم.

مزيد من الضغوط أمام قائد الجيش

صحيح أن قوائم العقوبات الأمريكية لم تتوقف منذ تفجّر الحرب، حيث شملت عدة شخصيات في الحركة الإسلامية نفسها، وفي قوات الدعم السريع، وبعض التشكيلات العسكرية التي تقاتل مع الجيش، إلا أنها المرة الأولى التي تصنِف فيها واشنطن كيانات رئيسية، حيث وضعت الحركة الإسلامية وجناحها العسكري، كتيبة البراء بن مالك، في قائمة واحدة.

شكلت الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها حليفاً سياسياً للجيش، منذ إطلاق الرصاصة الأولى في هذه الحرب، بل وقبلها. وقدمت تياراتها إسناداً إعلامياً غير محدود، علاوة على الإسهام الظاهر في ميادين القتال الى جانب الجيش، حيث تمثل كتيبة البراء ابن مالك (المصنَّفة إلى جانب الحركة الإسلامية، منظمة إرهابية) حليفاً عسكرياً فاعلاً مع الجيش. كما لعبت الحركة نفسها دوراً دبلوماسياً، خفياً وظاهراً في آن معاً، لصالح الجيش بالذات في إنجاز صفقات السلاح.

مما لا جدال فيه أن المقصود بهذا القرار هو الجيش السوداني، الذي تسيطر الحركة الإسلامية على قراره السياسي بدرجة كبيرة. وهي خطوة تضع قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، أمام ضغط متزايد لفك ارتباط المؤسسة العسكرية بالتنظيم الإسلامي. وتبدو فرصة قائد الجيش في المناورة ضئيلة للغاية.

الحركة الإسلامية…حاضنة سياسية وإعلامية

شكلت الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها حليفاً سياسياً للجيش، منذ إطلاق الرصاصة الأولى في هذه الحرب، بل وقبلها. وقدمت تياراتها إسناداً إعلامياً غير محدود، علاوة على الإسهام الظاهر في ميادين القتال الى جانب الجيش، حيث تمثل كتيبة البراء ابن مالك (المصنَّفة إلى جانب الحركة الإسلامية، منظمة إرهابية) حليفاً عسكرياً فاعلاً مع الجيش. كما لعبت الحركة نفسها دوراً دبلوماسياً، خفياً وظاهراً في آن معاً، لصالح الجيش بالذات في إنجاز صفقات السلاح.

ورصدت تقارير صحافية محلية تغلغل الحركة الإسلامية داخل المقاومة الشعبية المسلحة، مما دفع قيادة الجيش إلى إجراء تعديلات شاملة على قياداتها، إذ عيّن البرهان ضباط جيش سابقين، يدينون له بالولاء بعد عزل قادتها المنتمين إلى النظام السابق.

قوائم العقوبات الأمريكية لم تتوقف منذ تفجّر الحرب، حيث شملت عدة شخصيات في الحركة الإسلامية نفسها، وفي قوات الدعم السريع، وبعض التشكيلات العسكرية التي تقاتل مع الجيش، إلا أنها المرة الأولى التي تصنِف فيها واشنطن كيانات رئيسية، حيث وضعت الحركة الإسلامية وجناحها العسكري، كتيبة البراء بن مالك، في قائمة واحدة.

وصممت الحركة الإسلامية خطاباً موحداً خلال هذه الحرب دعماً للجيش من جهة، وموقفاً حاداً ضد "ثورة ديسمبر" وضد القوى المدنية المرتبطة بالثورة من جهة أخرى.

إذ تبنت قيادات الحركة الإسلامية مواقف متشددة ضد التفاوض، وضد القوى السياسية المرتبطة بثورة ديسمبر، بينما أظهرت مرونة تجاه قادة قوات الدعم السريع، وهو الموقف الذي عبرت عنه القيادية البارزة سناء حمد في مقابلة تلفزيونية. وهذا يعضد الرواية القائلة إن الحركة الإسلامية أسهمت بشكل فاعل في إشعال الحرب بهدف استعادة سلطتها.

هذا الظهور الطاغي سياسياً وإعلامياً وحتى عسكرياً، أثار مخاوف شعبية في الداخل، كما أرسل رسائل مزعجة لحلفاء الجيش في المنطقة، ونبه المجتمع الدولي إلى إمكانية عودة نظام الإسلام السياسي في السودان.

صحيح أن البرهان ظل منذ سقوط البشير يناور، يرخي ويشد مع النظام السابق، ويتبنى تارة خطاب ثورة ديسمبر، وتارة أخرى خطاب النظام السابق، لكن عامل الزمن لم يعد كما كان مع حرب خلّفت أكبر أزمة إنسانية في العالم، وأعادت السودان عقوداً إلى الوراء.

قرار تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بالداخل السوداني، لكن ومع ذلك، فإن التوترات التي يشهدها الإقليم ليست بعيدة عن السودان ذي الأهمية الجيوسياسية نظراً لموقعه المشاطئ للبحر الأحمر. وعلى كل حال، فإن استجابة الجيش للقرار الأمريكي أو عدم استجابته هو ما سيحدد ملامح الفترة المقبلة.

قيادة الجيش الآن في وضع شائك، وليس أمامها خيارات مريحة وآمنة، فهي تريد مزيداً من الانفتاح على الغرب، مما يوفر لها مكاسب عديدة، ربما كان على رأسها منحها التأييد، إذ إن قيادة الجيش في حاجة شديدة إلى هذا التأييد، لكنها ينبغي عليها القيام بالواجبات المطلوبة من قبل المجتمع الدولي.

الاحتمالات

هناك عدة مواقف من المحتمل أن يتخذها الجيش إزاء فك ارتباطه بالتنظيم المتغلغل في مفاصل البلاد طيلة ثلاثين عاماً.

ابتداء، القرار الأمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية جاء متوافقاً مع رغبة الجيش، بغض النظر عن قدرته على فك الارتباط أو عدم قدرته على ذلك. وذهبت بعض الآراء إلى أن القرار الأمريكي ربما جاء بناء على رغبة الجيش نفسه، لرفع الحرج عنه والتمهيد لاتخاذ الإجراءات المطلوبة. فما خيارات قيادة الجيش أمام القرار الأمريكي:

  • من الراجح أن تناور قيادة الجيش مجدداً، بحيث تتخذ إجراءات صورية ضد الحركة الإسلامية. على سبيل المثال، يمكن تفعيل إجراءات اعتقال بعض الشخصيات الرمزية، وحل كتيبة البراء بن مالك، بحيث ينحني الجيش للعاصفة، من دون أن يفقد حليفه الرئيسي في الحرب. وهذا خيار وارد بدرجة كبيرة، على الرغم من أنه يبدو ظاهرياً مجرد لعبة مكشوفة.
  • وإمّا أن يمضي الجيش فعلياً في فك ارتباطه بالتنظيم، ويقرر التخلي عن الحليف الرئيسي. وستكون لهذا تداعيات خطيرة، قد تدفع تيارات من الإسلاميين إلى تبني موقف راديكالي، لن يتوقف عند حده السياسي، بل ربما يسعى - مستفيداً من عناصره من العسكريين -  إلى المواجهة مع قيادة الجيش. ولكن هذا الخيار يبدو مستبعداً، نظراً للتعقيدات العسكرية والأمنية، التي تترتب عليه، إلا أنه يبقى وارداً.
  • هناك خيار ثالث أمام الطرفين (الجيش وجزء من التنظيم)، وهو أن يستجيبا لدعوات التفاوض من دون شروط، بحيث يسعى البرهان إلى شق التنظيم، ويستميل  مجموعة إلى جانبه، وهذا خيار أيضاً ستكون له تداعياته الخطيرة.
  • وهناك سيناريو آخر، تبدو مؤشراته ضئيلة، لكنه وارد، وهو مرتبط بالحرب الدائرة الآن بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومسرحها دول الخليج. فمن المعلوم أن الحركة الإسلامية السودانية تربطها علاقات وطيدة بإيران، وبينهما تعاون عسكري وأمني كبير. فمنذ انخراط السودان في الحلف الخليجي أثناء حرب اليمن عام 2015، وإعلانه عن قطع العلاقات مع إيران، بقي الوضع متذبذبأً إلى أن أعلن السودان عن عودة العلاقات مع طهران، عام 2023. وقد دعمت إيران الجيش بسلاح المسيرات، الذي كان فاعلاً وحاسماً في معارك رئيسية.

بعد أيام معدودة من بدء الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، وردّ هذه الاخيرة العنيف على دول الخليج التي تحتضن القواعد الأمريكية، صرح أحد قادة الإسلاميين البارزين الذين يقاتلون الى جانب الجيش، أن الموقف مع إيران لن يتوقف عند حد التضامن، بل المشاركة في الحرب لصد أي عدوان أمريكي، وهو ما دعا الجيش إلى إصدار بيان، تبرأ فيه من صلة هذه المجموعة بالجيش، واضطر قائد الجيش نفسه إلى افتعال مخاطبة عفوية، تملّص فيها من هذه المجموعة، ولم تمضِ أيام حتى تم اعتقال القيادي الإسلامي.

***

إن قرار تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية يبدو للوهلة الأولى مرتبطاً بالداخل السوداني، لكن ومع ذلك، فإن التوترات التي يشهدها الإقليم ليست بعيدة عن السودان ذي الأهمية الجيوسياسية نظراً لموقعه المشاطئ للبحر الأحمر. وعلى كل حال، فإن استجابة الجيش للقرار الأمريكي أو عدم استجابته هو ما سيحدد ملامح الفترة المقبلة.

مقالات من السودان

الحرب في السودان أمام مفترق طرق

على الرغم من الزخم الكبير الذي صاحب استجابة الرئيس ترامب لطلب بن سلمان التدخل في السودان، إلا أن الأصوات سرعان ما خفتت، وانزوت هذه المبادرة، التي لم تتعدَ منصات الحديث...

"سودان، يا غالي".. هتافات قطعها أزيز الرصاص

2025-12-04

"ولقد صبرنا مثل أيوب، وواقعنا أمرّ. فالوضع في السودان مزرٍ، وحالنا يُبكي الحجر. لم يسمعوا صوت الحشود. أولم يروا دمّاً هُدر؟"... يكادُ من يشاهد ويسمع كلمات هؤلاء الثوار أن يسمع...