المواطَنة والمسؤولية

المواطَنة كلمة أصبحت أيقونة يتغنى بها الجميع في زمن فُقدت فيه المواطنة الحقة. المواطنة كعاطفة وشعور أمر فطري، فكل من يولد ويتربى على أرض يشعر بحبها والانتماء إليها. بل هذا الشعور لا يقتصر على من يعيش على أرض ولد عليها وإنما يمتد إلى أرض الأجداد والآباء.
2016-10-04

فاطمة أنور اللواتي

باحثة مختصة بالتربية من عُمان


شارك
بهرام حاجو - سوريا
المواطَنة كلمة أصبحت أيقونة يتغنى بها الجميع في زمن فُقدت فيه المواطنة الحقة. المواطنة كعاطفة وشعور أمر فطري، فكل من يولد ويتربى على أرض يشعر بحبها والانتماء إليها. بل هذا الشعور لا يقتصر على من يعيش على أرض ولد عليها وإنما يمتد إلى أرض الأجداد والآباء. لهذا من الصعب قطع انتماء الإنسان عن أرض الأجداد حتى وإن لم يعش فيها أو يراها فهو يظل متعلقا بها عاطفيا. هذا على الأقل..
لكن المواطنة موضوع متشعب الزوايا والجوانب، وعملية بناء "المواطن الصالح" في الدول غير الديموقراطية أمر شائك. لأن فكرة بناء مواطن صالح تتناقض مع حكومات تلك الدول.. ويتعارض مع مفاهيم كثيرة سيطرت على الحياة السياسية والاجتماعية والتربوية.. في ظلّ أنظمة لا تستمد قوتها من المواطن الذي هو أساس الوطن.

الاستبداد

المواطنة بمعناها العملي الواقعي هي وضع المواطن في موقع المسؤولية. والأنظمة غير الديموقراطية لا تعترف بمسؤولية المواطن إلا ضمن حدود ضيقة. فهو لا يتحمل مسؤولية القرارات التي تتخذها حكومة لم يساهم هو في إنشائها، ولم يكن له دور في اتخاذ قرارات مصيرية تخص مستقبله أو مستقبل أبنائه. فوجوده يخضع لأهواء "أصحاب القرار" أي أولئك الذين أقرت السلطة لهم بالصلاحيات في اتخاذ قرارات مصيرية وجوهرية. فمثلاً، تدمير بيئة طبيعية أو تغيير استراتيجية عملية أو إقرار مناهج دراسية وغيرها من الأمور.. ليس للمواطن تأثير جوهري في إقراره أو رفضه. كما أنه مقيد وفق منظومة تحتكر فرض أسلوب المشاركة الوطنية والاجتماعية، وضمن مجموعة بشرية تتوافق مع تلك الأجهزه الحكومية التي تفتقد العدالة والمساواة ولا تعترف للمواطن بحقوقه وحريته. وهذه الأنظمة لا تجد أيضا في مؤهلات مواطنيها وإمكانياتهم وقدراتهم مصدراً لنموها وتطورها. من هنا فالمواطنة بمفهمومها الحالي في أوطاننا العربية غير متوافقة مع الفطرة البشرية، وهذا ما يجعل جميع الجهود لإيجاد مواطن صالح ليست بالعمل الهين.

التربية على المسؤولية

الأنظمة غير الديموقراطية تعتبر المواطن مجرد رقم، بلا ثقل في المعادلة الوطنية، لهذا فإن تنمية حس المواطنة معطل بسبب النظم المتبعة في عدم إعطاء أية صلاحية للمواطن، سوى تلك الصورية منها، وكذلك بسبب القصور المتفشي في العملية التربوية التعليمية. حينما نلقي نظرة إلى مدارسنا وبيئتنا التعليمية التي هي الأساس في مد الطفل ـ مع البيئة الأسرية ـ بمقومات المواطنة، نجد الأساليب العشوائية في العملية التربوية، المتناقضة مع كل القيم التربوية والعملية والدينية. فمن أهم أسس تربية المواطنة الصالحة تنشئة الطفل على المسؤولية. وانعدام شعور الطفل بالمسؤولية يؤدي الى إلغاء عنصر الرقابة الذاتية لديه، وبالتالي تعطيل المساهمة الفاعلة والإيجابية والمبدعة في الوطن. الطفل في البيئة المدرسية لا يعيش المسؤولية حتى على مستوى ذاته وقرارته الدراسية وتصرفاته ونتائج تصرفاته. فهناك السياج الذي يحيط بالمدرسة، يغرس فيه فكرة السجين ضمن أسس وقيود فرضت عليه كمواطن. وهناك القرارات التي إذا اتخذها لا يعرف نتائجها لازدواجية المعايير التي تسحق طالبا وتنتصر لآخر، وفق معادلة كل حسب قوته في الوجود. وهناك أنظمة بعيدة عن الفطرة الإنسانية التي تجعل منه عالة بدلا من أن يكون فاعلا في حياته. وهناك القيود المختلفة الصدئة التي لا تحمّله أية مسؤولية رادعة إن هرب من المدرسة أو غش في الامتحان أو اعتدى على طالب آخر. حينما يستبيح الطالب حقوقه وحقوق الآخرين، ولا يعرف واجباته أو مسؤولياته، حينها نعرف أنه نتاج مجتمعه المستبد، ضمن حكومات لا تقدر حرية ومسؤولية الأشخاص. الطالب يمارس دوره بموازاة ما يعيشه خارج إطاره المدرسي من نظام لايقدِّر الفرد ومسؤولياته. فهل من المعقول أن ننتظر منه أية بوادر للمواطنة الصالحة؟
الأمل بمواطنين صالحين يتطلب إعادة صياغة الكثير من مفاهيمنا وممارساتنا وأنظمتنا.

 

مقالات من عمان

للكاتب نفسه

الإبداع في عالمنا العربي

حينما تولد الفكرة في ذهن المخترع في عالمنا العربي فإنها تتعرض لكم هائل من اللاءات غير الملموسة. واللاءات غير الملموسة تتجلى في عدد من الصور والأشكال تبدأ من الأمور الإدارية...