لا تحطِبوا الضمائر لكي لا يُغْرقنا الظلام

تهددوننا بأمثلة العراق وسوريا والسودان والصومال، حسناً، أليست أجهزة "أمن" تلك الدول هي من بدأت في إغلاق الأفق أمام الإنسان قبل "استغزاء" القوى الخارجية؟ أليس طغيانها هو ما أوصل البلاد والعباد للنهايات؟ من اشتغل على الاصطفافات والتخندقات؟
2016-05-10

سعيد سلطان الهاشمي

باحث من عُمان


شارك
عبدالله حبيب وسليمان المعمري

أودّ أن أوجّه التساؤلات التالية لأجهزة "الأمن" في بلادنا. تساؤلات ليست بالغريبة على مسامعهم، إذ لطالما سمعوها داخل غرف التحقيق المديدة، وليالي الاحتجاز الطويلة. أطرحها تالياً، لأن ما يطفو على السطح اليوم أمامهم ليس أكثر من مُضلل، وليس أخطر من سراب:
هل أنتم معنيون بأمن الدولة حقاً، أم بأمن الإنسان؟ وإن كان أمن "الدولة" هو ما يتصدر أولوياتكم في الوقت الرهن، أليست الدولة في مفهومكم حاصل جمع البشر الذين يعيشون على هذه الأرض؟ جميع هؤلاء البشر بأحلامهم وأفكارهم، بخيباتهم وانكساراتهم، بإنجازاتهم وفشلهم، بعقدهم ومكبوتاتهم، بتناقضاتهم واتفاقاتهم؟ من هو المواطن الذي تخاطبونه صباح مساء؟ أليس هو ذاك الإنسان الذي تربطه بالآخر عروة المواطنة القائمة على تكافؤ الفرص والمساواة في الحقوق والواجبات والتمتع في المنافع والمصالح وفي الثروات؟ أم كائن آخر؟ هل هو المواطن الحُر الشريك في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية؟ هذه الحيوات التي هي حق عام لكل الأفراد، دونما تصنيف أو تصغير أو منّة؟ أم هناك تعريف مغاير لما نعرف؟ أليست الدولة "في مفهومكم" للجميع؟ أليست الدولة هي التي يستطيع المواطن فيها أن يعبّر عن اختلافه مع الدولة من دون خوف أو خشية من المصادرة؟ وإن كان أمن الإنسان يعنيكم، أليس أبسط حقوق لهذا الإنسان هو الحق في الكلام والتعبير عن آرائه وأفكاره؟ ما الضرر من الكلام؟ لماذا يخيفكم الرأي المختلف؟ كيف تطمحون لمستوى أمان حقيقي بلا ضريبة قبول المختلِف والمغاير والمؤلم أيضاً؟
من هو الإنسان في قواميسكم؟ من هو الآدمي الذي يستحق منكم الانتباه لمطالبه وشكواه؟ هل هو الموظف لديكم فقط؟ هل المردّد لكلماتكم والراضي عن أفعالكم؟ هل هو ذلك الموظف الكبير القابع داخل غرف العمليات المغلقة والخاصة، والذي يتلقى أوامره من تراتبيتكم المعروفة؟ أم هو، أيضاً، الإنسان البسيط الذي يتكلم في السوق، وفي الشارع، وفي المجالس، وفي البيوت، وفي اللقاءات العفوية العامة وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، عاكساً حاله وحال البلاد كما هي مُعَاشة، بآلامها ومناكداتها وأوجاعها، لا كما تتوهمه صدى أصواتكم التي أضحت لا تعرف الفرق بين حقيقة الواقع وبين الصورة التي تريدونها أن تصل للعالم الخارجي؟ أليست هي صورة مفتعلة مصطنعة؟ هل تعتقدون أن العالم لا مصدر لديه لمعرفتنا إلا روايتكم أنتم للأحداث وللتاريخ وللإنسان؟
تهددوننا بأمثلة العراق وسوريا والسودان والصومال، حسناً، أليست أجهزة "أمن" تلك الدول هي من بدأت في إغلاق الأفق أمام الإنسان قبل "استغزاء" القوى الخارجية؟ أليس طغيانها هو ما أوصل البلاد والعباد للنهايات؟ من اشتغل على الاصطفافات والتخندقات؟ ألم تكن تلك الأجهزة منشغلة بالموجود في إدارة الوطن أكثر من اشتغالها بوجود الوطن ذاته؟ من سكب زيت الكراهية على نيران العصبويات؟ من أوجد خميرة التفكيك والتقسيم والتجزئة؟ أليست السجون الممتلئة، والمعتقلات الطافحة، والمنافي الضاجّة بالبشر هي ما ولّدت كل هذه السحائم والأحقاد والثارات؟ أليست هي ما اختطفت الحكمة والاتزان من عقول وقلوب المظلومين، فتحولوا بفعل الانتقام إلى كائنات "إن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة"، لا لوطن ولا لبشر (أي أنه، بحسب ذاك النص القرآني، فالمظلوم بعد انفجاره لا تنتظر منه الموضوعية والعقلانية). من أوصل هذه المظالم إلى حدودها القصوى؟ أليس من هم في السلطة؟ أليس هم من استعملوا قانون القوة بديلاً عن قوة القانون؟ أم تلك الأصوات المسالمة التي طالما نبهت ودقّت نواقيس الخطر والعواصف قبل نزولها؟
ألم نتعظ بعد من احتجاجات العام 2011 ؟ ما الدروس التي استخلصتموها من تلك العلامة الواضحة والرسالة البالغة؟ منذ ذلك الحين، واعتقالاتكم لم تتوقف، ملاحقاتكم لكل ذي رأي مختلف لم تهدأ، استدعاءاتكم للبشر لم تفتر، محاكمكم لم تخلُ يوماً من قضايا الرأي العام، سجونكم لم تسترح من استقبال كل من لا تُطيقون حراكه وكلامه؟ ملتقيات القراءة والتبادل المعرفي ممنوعة، غير تلك التي تشرفون عليها وتدعمونها. الصحافة لا تجد فيها لا لوناً ولا طعماً ولا رائحة تتمايز عن الإعلانات الرسمية. الهجرة أصبحت أكثر إغراء للكثير من شابات وشباب البلاد، وهم في أعمار الإبداع والإنتاج. من ذاك الحين وخصوصيات الناس مستباحة، تتبعتم اتصالاتهم، رسائلهم، علاقاتهم الإنسانية، وثّقتم جميع محادثاتهم، أرّختم لنقاشاتهم ومداولاتهم العلنية في المجالس والملتقيات الخاصة، وما وراء الجدران: جدران البيوت وجدران وسائل التواصل. فهل ساهم كل ذلك في إحداث استقرار حقيقي؟ هل عجّل كل ذلك من دولاب تنمية البلاد وعمرانها المادي والمعنوي؟
إذن لماذا نشهد كل هذه التراجعات والضمور في مؤشرات التعليم والصحة والزراعة والصناعة والعمل والخدمات العامة، والحريات؟ لِمَ نشهد أنّ الفساد هو القطاع الوحيد الذي يتقدم ويكبر؟ ستقولون التقارير الدولية مجحفة ومضللة وتستهدف "أمن" البلاد؟ حسناً، هل تملكون مؤشرات موضوعية مقنعة تشعرنا بأن الواقع خلاف ذلك، بعيداً عن الدعاية الإعلامية التي يعاد إنتاجها من غرف العمليات نفسها وبالعقليات ذاتها، والكلمات والأساليب والأغنيات التي لا أظنها تعرف عن المواطن الفقير أبسط معاناته واحتياجاته، ولا مهمومة بالمواطن الكادح في سبيل لقمة كريمة تعفّه عن توسلات السلطة والناس، ولا أعتقد أنها منشغلة بسؤال استشراف المستقبل والبحث عن البدائل الكافلة للحق وللعدالة الاجتماعية.
ما الذي جنيتموه من شيطنة الرأي المسالم، الصادق، المخالف والمغاير لصوتكم الأحادي، صوتكم المستقوي والمتواري وراء ترسانة الأنظمة والقوانين ومؤسسات الدولة الخاضعة لأوامركم وتوجيهاتكم؟ من المستفيد من تشويه سمعة الإنسان المختلف وإغراقه بأقذع الصفات وأقبح المعايب؟ هل تراهنون على خوف الناس؟ هل هناك من عاقل يراهن على شعوب خائفة؟ ما الذي ستنجزه هذه الشعوب في ميادين العمران والتنمية؟ ألم تسافروا لبلدان العالم المتقدمة؟ ألم تتساءلوا عن أسباب تطورهم وتراجعاتنا؟ ما الحصيلة التي تنتظرونها من إنسان يخاف منكم ويدعو عليكم في السر، ويتحيّن الفرص لينفجر، لينفجر في وجه كل شيء. ولحظتها لا تبحثوا عمّن كانوا ضحاياكم لتلبسوهم الجناية، وأي جناية ساعتئذ!

***

اعتقالكم الشاعر عبد الله حبيب والكاتب سليمان المعمري هو اعتقالكم لضمائرنا. هذه الضمائر التي لن تتوقف عن ممارسة حقها في الحياة، لأنّها ببساطة الروح التي تسري في فكرة الحق وتناصره بالقول الصادق وبالمواقف المُضيئة المتحررة من كل ثمن. هذه الضمائر التي لم تنافسكم يوماً لا في المنافع ولا في الامتيازات، ولم تزاحمكم لحظة في إدارة البلاد ولا حتى حاسبتكم في اجتهاداتكم التي فيها من الأخطاء والقصور ما يشهد عليه واقعنا وتفاصيل حياتنا اليومية ــ وهذا من حقها وحق الجميع. ضمائرنا التي اختارت الكلمة، وراهنت عليها، لم تنتظر من أحد شكراّ أو تكريماً على رهانها هذا، لكنها، كانت ولا زالت تراهن، كأيّ ضمائر حُرّة، على نقاش وحوار يقارع الحجة بالحجة والبرهان بالبرهان. لا أن تُقابَل الكلمة بالاعتقال، ولا أن يُرد على دعوة التفكير في قراءة التاريخ بالتخوين والتجريم، ولا السؤال بالسباب والشتائم والانتقاص. لا تحبون ما تطرحه هذه الضمائر من أفكار ورؤى؟ طبيعي. لستم مطالَبين بأن تقبلوا كل كلمة وكل رأي يتفوه به الإنسان. لا تظنّون أنّ الوقت مناسب لطرح تساؤلات وجدالات كهذه؟ وما الذي فعلته السياسات السابقة غير التأجيل والكبت على عقول البشر، فغدت ذاكراتهم مفقودة وموجهة وغير مشبعة، تبحث عن إجابات للمسكوت عنه أكثر من اكتراثها بالمصرح به. كيف تخافون الفتنة وأنتم لا تعالجون أمراضها بقدر ما تغذون أعْراضها؟ العلاج برغم صعوبته يكمن في الحوار والحفر والبحث واحترام المعرفة والتجارب الشخصية. أما العرَض، وإن بدا سهلاً في الإسكات والتخويف، فهو في تاريخ الأوبئة ليس أكثر من مسكِّن. لا تحطِبوا الضمائر، الضمائر وظيفتها الوخز، الضمائر مهمتها تذكيرنا بما نَكره، لا التصفيق لما تقبله وتطمئن له عقولنا، هذه العقول العاكسة لمخاوفنا والمتطلعة لمتع الحياة المتغيرة.
أي رسالة هذه التي تبعثونها الآن لأجيالنا القادمة عندما تجرّمون وتخنقون أنبل من فينا؟ أجمل من تعلّمنا منهما حب الأرض والإخلاص في العمل؟ أبهى مثالين في ثقافتنا المعاصرة المبتلاة بالخوف وبالمجاملات وبالشللية؟ أنزه من ترّفع عن الأضواء والمنابر؟
إنكم لا تبعثون بالرسالة الخاطئة فحسب، بل تحطبون الاخضرار الذي سيكافح التصحر القادم.

#الحرية_ لسليمان _المعمري
#الحرية_لعبدالله_حبيب

مقالات من عمان

الإنسان: المسافة بين الذَّات والمعنى

محمود حمد 2019-07-04

اقتراب من رواية "تَعويبَة الظِلّ" لسعيد سلطان الهاشمي.. الرابط التاريخي الإنساني بين ماضٍ غائب وحاضر تائه. تحاكم الرواية التبعية وتقف ضد خطاب الطاعة.. تعري التبعية ودورها في تفتيت كيان الإنسان.

للكاتب نفسه