الأنبار.. سطوة المذهب والقبيلة

لم تكن الأنبار قبل 2003 مختلفةً عن بقية محافظات العراق من حيث البؤس والفقر والحصار والخوف، ولم تكن مدنها التسعة تتمتع برفاهية العيش كما هو مشاع عنها آنذاك. كان أهلها يقفون في طوابير الغاز والمؤن، وكانوا أيضاً بلا كهرباء، وكانت الشوارع مزدحمة بالباحثين عن لقمة العيش، ومزدحمة أيضاً برجال الأمن والمخابرات.
هنا استعراض لأوضاع هذه المنطقة، في مختلف محطاتها، منذ حكم صدام حسين والى الآن.
2021-01-05

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
معركة استعادة الفلوجة من داعش.

قبل عام 2003، كانت الأنبار هي المحافظة التي تبلغ مساحتها ثُلثَ البلاد على الخارطة، وتشتهر بأنها موطن "الدليمية" إحدى أشهر الأكلات العراقية، وكذلك تشتهر بأن أهلها أثرياء، وأن صدام حسين بناها بالرخام والمرمر، حتى أن أهلها عندما كانوا يذهبون إلى مناطق جنوب العراق، يُسأل بعضهم: هل صحيحٌ أن الأرصفة عندكم مغلفة بالسيراميك؟

انقلابان ضد صدام حسين

كثيرون جداً داخل العراق لا يعرفون الأنبار. بدا ذلك واضحاً بعد 2003، عندما صارت الأنبار مانشيتاً يومياً في الصحف المحلية، وعنواناً رئيسياً دائماً في نشرات الأخبار، وخارطة وعرة في جغرافيا الحرب وأعمال العنف، فيشار إليها في وسائل الإعلام على أنها "مدينة" الأنبار (وهي محافظة)، أو عندما يكون الخبر عن إحدى مدنها كالفلوجة مثلاً: تكتشف أن الفلوجة أصبحت محافظة! إنهم لا يعرفون إن كانت الأنبار مدينةً أم محافظة، ولا يعرفون مدنها، فلا غرابة أن يقع كلّ ما حدث.

لم تكن الأنبار قبل 2003 مختلفةً عن بقية محافظات العراق من حيث البؤس والفقر والحصار والخوف، ولم تكن مدنها التسعة تتمتع برفاهية العيش كما هو مشاعٌ عنها آنذاك. كانت الأنبار تأخذ نصيبها اليومي من شظف الحياة، وضيقها، وكان أهلها يقفون في طوابير طويلة على الغاز والمؤن، وينامون على سطوح البيوت في الصيف، لأنهم أيضاً بلا كهرباء، وكانت الشوارع مزدحمة بالباحثين عن لقمة العيش، ومزدحمةً أيضاً برجال الأمن والمخابرات الذين يتنكرون على هيئة سائق تاكسي، أو بائع، أو حتى معلّم، وكلهم كانوا بعثيين مخلصين بكتابة التقارير ابتغاءَ الترقيات الحزبية، والقليل من الدنانير.

لذا فلا غرابة أن تكون الأنبار مندرجة في سجل الانقلابات على نظام صدام حسين. فخلال عقد التسعينيات الفائت، كانت محطةً لعمليتين انقلابيتين، الأولى في تشرين الأول/أكتوبر 1991، قادها ضابط صغير في الجيش، اسمه فصّال الدليمي، ومعه ضباط آخرون، فشلت المحاولة واعتقل الضباط وحُكِم عليهم بالإعدام، لكنَّ صدام حسين قرر في العام 1993 العفو عنهم لكسب تأييد القبائل الأنبارية، خاصة قبيلة الدليم (أكبر القبائل في الأنبار).

بعدها بعام واحد فقط، محاولة انقلاب أخرى في الأنبار، هذه المرة أكبر من حيث العدّة والعدد، قادها وخطط لها اللواء الطيار محمد مظلوم (الدليمي)، وكان من المقرر تنفيذها عام 1994، من خلال تحشيد مقاتلي الحرس الجمهوري، وقصف القصور والأماكن التي قد يوجد فيها صدام حسين بالمروحيات المقاتلة، ومحاصرة العاصمة بغداد بأربعة ألوية من الجيش. لكن العملية كُشفت بسبب خطأ في تجنيد بعض ضباط المخابرات، فحدثت على إثرها عمليات اعتقال واسعة طالت اللواء محمد مظلوم، وعدداً كبيراً من ضباط قبيلة الدليم في الجيش، ونُفّذ بهم حكم الإعدام عام 1995. وشدد حزب البعث قبضته الأمنية والاستخبارية على المجتمع، حتى بات الحديث في السياسة فعلاً خطيراً يستدعي المجازفة بالنفس، واستمر هذا الوضع إلى غاية السقوط المدوي للنظام، واحتلال العراق في العام 2003.

السقوط

الفوضى التي حدثت بعد سقوط نظام صدام حسين واحتلال البلاد، وصلت إلى الأنبار أيضاً. عمليات سلب ونهب للأملاك العامة وكل ما هو تابع للدولة، الاشتباكاتُ وحوادث القتل وقعت خلال عمليات السطو التي نفذتها قبائل عراقية منها قبيلة الدليم. ففي جامعة الأنبار وقعت اشتباكات بين لصوص تلك العشائر، كلٌّ يريد الاستحواذ على ما تحت يده. وبعض القبائل استولت على مصارفَ ومشاجبِ سلاح ومستودعات الغذاء وحقول الدواجن. وكانت عملية تهريب كبيرة جداً تجري في الأشهر الأولى التي أعقبت السقوط، كان كل شيء يُسرق ويُهرب إلى إقليم كردستان، حتى السياج الحديدي الذي يحمي الطريق الدولي الرابط بين العراق والأردن، سُرق على مرأى ومسمع الجيش الأمريكي الذي لم يكن يتدخل لمنع الفوضى.

بموازاة ذلك بدأت تتشكل ملامح لمقاومة "سُنية" ضد الاحتلال، وصارت تُشنّ عمليات فردية وجماعية منظمة على مقار الجيش الأمريكي في مدن الأنبار التسعة، وبدا أن تلك العمليات تربك الولايات المتحدة، ومن جاءت بهم لحكم العراق، وتحديداً أعضاء مجلس الحكم الانتقالي الذي كان يديره الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر، وكان محسن عبد الحميد، الأمين العام لـ"الحزب الإسلامي العراقي" (الصيغة العراقية لحزب "الإخوان المسلمين") عضواً في ذلك المجلس الذي كان أول تجربة لترسيخ الطائفية واستدعاء الخراب.

سريعاً ما صارت الأنبار مشكلةً عويصة، وأرضاً لا يمكن السيطرة عليها من قبل الجيش الأمريكي، أو التشكيلات العراقية التي ما زالت بدائيةً في تأسيسها، ولا تقوم على أي معايير مهنية. فبعد أن قرر بول بريمر حل الجيش والشرطة، لم تعد هنالك مؤسسةٌ عسكرية للدولة، وانخرط جيل من العسكريين المخضرمين في المقاومة، فصارت ضرباتها موجعةً أكثر، وتؤثر في اتخاذ أي خطوة قادمة ومنها بطبيعة الحال خطوة التصويت على الدستور عام 2005.

تشكلت مقاومة "سُنية" ضد الاحتلال، تُشنّ عمليات منظّمة على مقار الجيش الأمريكي في مدن الأنبار التسعة، وتربك الولايات المتحدة ومن جاءت بهم لحكم العراق، وتحديداً أعضاء "مجلس الحكم الانتقالي" الذي كان يديره بول بريمر، الحاكم المدني الأمريكي. وكان محسن عبد الحميد، الأمين العام لـ"الحزب الإسلامي العراقي" (السُنّي) عضواً في ذلك المجلس الذي كان أول تجربة لترسيخ الطائفية واستدعاء الخراب.

في تلك الأثناء، كان تنظيم "القاعدة" نشطاً ويمارس عملياته في اتجاهين، ضد الجيش الأمريكي ومؤسسات الحكومة من جهة، وضد المقاومة العراقية من جهة أخرى. كان التنظيم يريد توحيد البنادق ضد الاحتلال والشيعة (كان يسميهم "الروافض") تحت شروطه وفتاواه، وكان أبو مصعب الزرقاوي وأتباعه يقتلون ويفجرون في كل مكان بالعراق. وبدأ فصلٌ خطير من الاقتتال بين شباب المقاومة (الوطنيين) وتنظيم "القاعدة" في المحافظات السنية عموماً، وفي الأنبار على وجه الخصوص، حيث أصبحت اليد الطولى لتنظيم القاعدة، وتفشّى القتل بطريقة جنونية في الشوارع، سواء بالتفجيرات أو الاغتيالات التي طالت مواطنين وأفراداً بتهم الكفر أو الخيانة.

سياسياً، لم تكن الأنبار ذاتَ تأثير في المشهد العراقي، وممثلو المحافظة لم يمارسوا عملاً سياسياً من قبل، وكان "الحزب الإسلامي العراقي" يستحوذ على أفواه المجتمع هناك، ويقدّم نفسه ممثلاً عنهم في بغداد. وفي الوقت الذي كانت تعلو فيه نداءات المقاطعة السياسية على المنابر وفي التجمعات، ويهدد تنظيم "القاعدة" كلَّ من ينتخب أو يصوت أو يشارك بأي فعل سياسي بالقتل، كان "الحزب الإسلامي" يوقع على مسودة الدستور المؤقت الذي قاد كل البلاد إلى الهاوية.

حتى بعد انتخابات 2005، ونشوء "جبهة التوافق السنية" (يسيطر عليها "الحزب الإسلامي") وحصولها على 44 مقعداً في البرلمان، ظلت الأنبار لا تحظى بتمثيل سياسي حقيقي. وهذا يعود إلى سببين رئيسيين، الأول: التهميش والإقصاء من قبل الشركاء السنة والشيعة والأكراد على حدٍ سواء. والثاني: أن الأنبار لم تنجب سياسيين بعد.

معركتان ضد الجيش الأمريكي في الفلوجة، انتهت الثانية بتدمير 80 في المئة من المدينة وتهجير سكانها، ومجزرة "حَديثة" التي ارتكبها جنود الجيش الأمريكي، وحوادث القتل اليومي والتفجيرات، صعوداً إلى عام 2007 الذي شهد انقلاباً أمنياً واجتماعياً في الأنبار، عندما قررت العشائر هناك طيَّ صفحة تنظيم "القاعدة"، وإعلان الحرب عليه.

لم تتأخر العشائر بطرد تنظيم "القاعدة"، وصار للصحوات التي تبنّى فكرة تأسيسها الزعيمُ القبلي عبد الستار أبو ريشة، وجودٌ مؤثر وصوت قوي في الأنبار، امتد سريعاً إلى بغداد وصلاح الدين وديالى. وعرفاناً بالدور الذي فشل فيه الجيش الأمريكي، ونجح فيه أبو ريشة وصحواته، زار جورج بوش الابنُ عام 2007 محافظة الأنبار دون أن يذهب إلى بغداد، والتقى عبد الستار أبو ريشة دون أن يلتقي أي مسؤول عراقي آخر، واشتهر قولٌ أدلى به أبو ريشة لبوش، نصُّه: "لقد قاتلنا إيران 8 سنوات، ومستعدون لقتالها 8 سنوات أخرى"، وربما يعد ذلك أول موقف سُني تجاه صعود المليشيات الموالية لإيران، ونشاطها في اغتيال الشخصيات السُنيّة المؤثرة.

بعد عشرة أيام فقط قُتل أبو ريشة بعبوة ناسفة زُرعت له قريباً من بيته في مدينة الرمادي. لكن ذلك لم يمنع من تمدد الصحوات، واضمحلال دور تنظيم "القاعدة"، واقتصار عمليات المقاومة على تنفيذ هجمات نوعية ضد الجيش الأمريكي ومقراته بعيداً عن المدن (معظمها كانت تنفذ على الخط الستراتيجي، وهو طريق دولي قديم). وهذا الوضع تزامن مع ملامح تفكك جبهة التوافق بسبب هيمنة الحزب الإسلامي عليها، وكذلك تفكك الحزب الإسلامي نفسه، إذ أن أمينه العام طارق الهاشمي، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية آنذاك، قدم استقالته وأسس "حزب التجديد".

سينما

المزاج العام في الأنبار (كما هو في بقية محافظات السنّة) كان ضد "الحزب الإسلامي" وسياساته. فالمجتمع الأنباري يعتقد أن الحزب استأثر – بالخديعة - على تمثيل السنّة، وتمرير أجندته على حسابهم، حتى أصبح موضع تندُّر وسخرية في الشارع. ويشتهر في مدينة الفلوجة أن الحزب أراد افتتاح مقر له في المدينة، لذا أخذ بناية السينما الوحيدة في المدينة وحولها إلى مقر له. ومن حينها يطلق أهل الفلوجة على الحزب الإسلامي: حزب السينما. وكلمة سينما في اللهجة العراقية تطلق على الشيء، أو الشخص الذي يتحول إلى أضحوكة.

انهيار الائتلافات والأحزاب التي كانت مهيمنة على المجتمع السُنّي، فسح المجال لظهور أحزاب جديدة وتحالفات ووجوه، منها على سبيل المثال لا الحصر، "الجبهة العراقية للحوار الوطني" بزعامة صالح المطلك، و"مؤتمر صحوة العراق"، و"عابرون"، وغيرهم.. لكنَّ هذا النهوض السياسي جاء متأخراً، فالشيعة والأكراد، ومعهم الجيل الأول من السُنّة، مأسسوا الطائفية وجعلوها دستور الدولة العراقية. ومن يريد حصته من الدولة يجب أن يدخل من باب الطائفة والقومية لا الوطن.

الجيل السياسي السُنّي الثاني لم يتأخر بالدخول من باب الطائفية. لقد دخل بقدميه ويديه دفعة واحدة إلى حفلة المظلومية التي وجد الشيعة والأكراد يحيونها على حد سواء، وهكذا كان على الأنبار أن تَخطأ مرة أخرى وتتهيأ لحرب طاحنة، ونزوح طويل، ودمار هائل، وهذا ما حدث بالفعل.

الحرب

تنديداً بسياسات رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، التي كان مجمل السنّة، وبخاصة مجتمع الأنبار يعتقد بأنها طائفية، وتستهدف إقصاءهم من خلال حملات الاعتقال التي طالت بدورها عناصر من "الصحوات"، الذين يُفترض أنهم حلفاءُ المالكي السنّة (وكان يُطلق عليهم "سُنَّة المالكي")، وكذلك إطلاق يد المليشيات ودعمها بالسلاح والمال والسكوت عن جرائمها في القتل والاختطاف والتهجير، وكذلك زج السياسيين من خصومه السنّة في المعتقلات، وتلفيق ملفات فساد وإرهاب ضدهم (أقر بذلك رئيس اللجنة القانونية في البرلمان آنذاك فائق الشيخ علي)، انطلقت عام 2013 تظاهرات في المحافظات السنيّة، بدأت في مدينة الرمادي، وسرعان ما تحولت إلى اعتصامات مفتوحة، كانت شرارتها محاولةَ اعتقال رافع العيساوي، وزير المالية حينها (أبرز شخصية تمثل الأنبار في الحكومة آنذاك) ونائب رئيس الوزراء في ولاية نوري المالكي الأولى.

الجيل السياسي السُنّي الثاني لم يتأخر بالدخول من باب الطائفية. دخل بقدميه ويديه دفعة واحدة إلى حفلة المظلومية التي وجد الشيعة والأكراد يحيونها على حد سواء. وهكذا كان على الأنبار أن تَخطأ مرة أخرى وتتهيأ لحرب طاحنة، ونزوح طويل، ودمار هائل.

ولأن "الحزب الإسلامي" خبير بتجيير الأحداث لصالحه، فهو استحوذ على منصات الاعتصام في الأنبار وصلاح الدين ونينوى وكركوك وديالى، مع وجود قوًى سياسية أخرى. وكان المشهد يوحي بأن الخصوم (السُنّة) وجدوا أخيراً طريقةً ليتحدوا، ويتوحد خطابهم الذي كان يطالب بإلغاء المادة 4 إرهاب، والإفراج عن المعتقلين (السُنّة) الذين لم توجّه لهم أي تهم، وإيقاف ملاحقة الساسة السُنّة، ومنح المكون السُنّي تمثيلاً أكبر في البلاد.

مقالات ذات صلة

المذهب والقبيلة، أمران ينجحان دائماً في تحشيد العراقيين للتظاهر أو القتال. وهذا ما فعله السياسيون السُنّة حينها. اللعب على حبلي الطائفية والقبلية للحصول على منافعَ سياسية أكبر، هو أيضاً ما فعله خصمهم، المالكي، الذي روَّج أن المعركة بين أتباع الحسين وأنصار يزيد، وأن الاعتصامات في مدن السُنة الكبرى هي "فقاعة" إن لم تنته فإنه سينهيها بالقوة، وهذا ما حدث.

في ذلك الوقت لم يكن هنالك وزيرا دفاع وداخلية، كان المالكي هو رئيس الوزراء ووزير الدفاع ووزير الداخلية أيضاً، وله وكلاء، أمثال سعدون الدليمي الذي كان وكيله على وزارة الدفاع، وأداته لفض اعتصام مدينة الرمادي، وهذا ما حدث في 30 يناير 2013، فض الاعتصام بالقوة، وثارت العشائر الأنبارية، وبدأت الحرب.

خلال الساعات الست الأولى من ذلك اليوم، خرجت مدن الرمادي والفلوجة والكرمة، عن سيطرة الحكومة، وانسحبت التشكيلات الأمنية من الجيش والشرطة، ونزل من أُطلق عليهم حينها "ثوار العشائر" إلى شوارع تلك المدن، معلنين الحرب على نظام المالكي. لكن سرعان ما دخل تنظيم "داعش" بأرتاله الطويلة إلى تلك المدن، قادماً من صحراء الأنبار.

دخل الجيش إلى مدينة الرمادي، ولم يتمكن من دخول الفلوجة والكرمة واكتفى بحصارهما، لكن وباء تنظيم "داعش" تفشّى سريعاً إلى بقية مدن الأنبار والمحافظات الأخرى، وانقسم "ثوار العشائر" إلى جزأين، الأول انسحب أو انضمَّ للحكومة كما فعل محمد خميس أبو ريشة، ابنُ شقيق عبد الستار أبو ريشة، وانضمَّ الجزء الآخر إلى التنظيم لقتال الحكومة. وهكذا بدأت نكبة المحافظات السُنيّة التي انتهت بسيطرة "داعش" على غالبيتها، ونزوح أكثر من 6 ملايين شخص منها إلى المخيمات، وإلى مدن العراق الأخرى.

المذهب والقبيلة ينجحان دائماً في تحشيد العراقيين للتظاهر أو القتال. وهذا ما فعله السياسيون السُنّة حينها. اللعب على حبلي الطائفية والقبلية للحصول على منافعَ سياسية أكبر، هو أيضاً ما فعله خصمهم، المالكي، الذي روَّج أن المعركة بين أتباع الحسين وأنصار يزيد، وأن الاعتصامات في مدن السُنّة الكبرى هي "فقاعة" إن لم تنته فإنه سينهيها بالقوة. وهذا ما حدث.

رجال الدين والسياسيون الذين كانوا يعتلون منصات الاعتصام فروا إلى وجهاتهم الآمنة، وكان شارع الأميرات في بغداد يغصُّ بهم، وكذلك أربيل وتركيا وقطر والإمارات، كلٌّ حسب القبلة التي يؤمها. بعضهم أمثال الشيخين قصي الزين وسعيد اللافي، الذي كان يصرخ في الاعتصام: اعطني كفني، ثم يتناول كفناً ويرتديه أمام الحشود المتحمسة للشهادة، لكن عندما جاءت الحرب، فرَّ إلى تركيا وخلع العمامة وارتدى ملابس عصرية.

الخوف

لم يكن المجتمع السُنّي مهيئاً لهذا الشتات الطويل، فالحرب حدثت فجأةً، ثم النزوح في الخيام والهياكل، ودمار مدنهم الذي يرونه على الشاشات، وخذلان ممثليهم في الحكومة والبرلمان، وتسابقهم لسرقة الأموال المخصصة للنازحين، والمتاجرة بقضيتهم.. كل هذا أسس عند المواطن السُنّي مفهوماً بأن ممثله السياسي سمسارُ حروب وفاسد. عزز هذا تلك المعارك الكلامية التي كان يشاهدها يومياً على الفضائيات بين السياسيين السنة على المناصب والحصص.

الحرب على داعش، واستعادة المدن بالنار والموت، وتغوّل المليشيات في مناطقهم، أيقظ شعوراً كامناً بالخوف لدى السُنّة، خوف خبروه في حقبة الدولة البوليسية، وصاروا مخيرين بين الخضوع، أو تنظيم "داعش" الذي يعني القتل والدمار والنزوح، وبالتأكيد سيختار السنة الخضوع، وهكذا فعلوا.

كلُّ سياسي سنّي لا يفوت مناسبةً دون التذكير بسنوات "داعش" والنزوح والمخيمات ودمار المدن، وتخويف القبائل من تكرار المأساة. وبالنسبة للقبيلة فإن أعرافها تعد ترك الديار والتهجير إهانةً كبرى، وعقاباً إن وقع فلا يجب أن يقع ثانية. لذا كان سهلاً جداً تأسيس "الحشد العشائري" من أبناء القبائل الأنبارية، وانضمامهم لراية "الحشد الشعبي" المؤسس بفتوى من المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني. وهذا الحشد الذي هو مجموعةٌ كبيرة من المليشيات تسيطر عليه المجاميع الموالية لإيران.

الحرب على "داعش" واستعادة المدن بالنار والموت، وتغوّل المليشيات في مناطقهم، أيقظ شعوراً كامناً بالخوف لدى السُنّة. خوفٌ خبروه في حقبة الدولة البوليسية، وصاروا مخيّرين بين الخضوع، أو تنظيم "داعش" الذي يعني القتل والدمار والنزوح. وبالتأكيد سيختار السُنّة الخضوع، وهكذا فعلوا.

قُبيل أيام من سيطرة تنظيم "داعش" على مدينة هيت عام 2014، حدثت واقعة ستفسر حوادثَ تقع في سنوات لاحقة: مجموعة من رجال عشيرة "البونمر" الذين ينتمون إلى سلك الشرطة، ينفذون حملة اعتقالات عشوائية، واعتداءً على المواطنين داخل المدينة، حتى إنهم دهموا أحد جوامع المدينة، وربطوا الإمام على عمود للكهرباء وأحرقوا لحيته، لا لشيء، فقط لأنهم يعتقدون أن أهالي المدينة (العزَّل) لا يحملون السلاح ويقاتلون تنظيم داعش، وكأنَّ هذه مهمتهم!

فيما بعد صار الوضع معقداً أكثر، فكل شخص عاد بعد نزوحه، عليه أن يحمل قصاصة أمنية تثبت أنه غير مطلوب ولم ينتم لداعش. وكل مشاريع إعادة الإعمار التي قام بها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وصندوق النقد الدولي جيرَّها السياسيون لصالحهم، خاصة أولئك الذين صعدت بهم الصفقات الانتخابية إلى مناصبَ عليا، ولم تخدمهم مسيرتهم السياسية بقدر ما خدمهم التقاسم الطائفي للسلطة.

الخوف مرةً أخرى

عندما جرت الانتخابات النيابية عام 2018، كان محمد الحلبوسي محافظاً للأنبار، وحينها كان حليفاً وشريكاً لجمال الكربولي، مؤسس "كتلة الحل"، ورجل الأعمال الذي دخل السياسة من شبّاك المال، وحينها كان علي فرحان حميد، فائزاً بعضوية البرلمان، وحالِماً بمنصب المحافظ منذ أن كان رئيساً للجمعية التعاونية في الأنبار، لذا كان من السهل إقناع علي فرحان (أبو زيدون) بالتنازل عن مقعده في البرلمان لصالح محمد الحلبوسي، مقابل منصب المحافظ وحفنة من ملايين الدولارات.

نقْل الموظفين إلى مناطقَ بعيدة جداً عن أماكن سكنهم، بهدف معاقبتهم على آرائهم في مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن الطريقة الوحيدة لقمع الحريات، وإن كانت هي الأكثر شيوعاً الآن لأنها الأخطر، فهي تمسُّ الرزق والنفي بعيداً عن البيت.

صار محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان في صفقة توزيع للمناصب بين زعماء الكتل السُنيّة الكبيرة، وزادت سطوته في الأنبار، وعزز ماكنته الإعلامية بالكثير من الأبواق، فصار مسموعاً ومرئياً دائماً وفي كل الأحداث والمناسبات، ساعده ذكاؤه، وافتقار المحافظة لسياسيين محنكين، وشعاراته العالية بأن يأخذ الشباب دورهم، بينما هو يمتلك من السلطة التي تجعله يعاقب أيَّ موظف يبدي رأيه (الناقد) بالخدمات أو الوضع السياسي في الأنبار، يعاقب إن كان من أهالي الفلوجة مثلاً بأن تنقل خدماته إلى مدينة القائم، التي تبعد عن الفلوجة أكثر من 300 كيلومتر، أو إلى النخيب، الناحية التي تقع على الحدود بين العراق والسعودية وتسيطر عليها مليشياتٌ موالية لإيران.

حوادث نقل الموظفين إلى مناطقَ بعيدة جداً عن أماكن سكنهم، بهدف معاقبتهم على آرائهم في مواقع التواصل الاجتماعي، لم تكن الطريقة الوحيدة لقمع الحريات، وإن كانت هي الأكثر شيوعاً الآن لأنها الأخطر، فهي تمس الرزق والنفي بعيداً عن البيت.

عندما انطلقت التظاهرات في تشرين الأول / أكتوبر 2019، منعت السلطات المحلية في الأنبار (بتأييد مطلق من السياسيين السُنّة) أيَّ حملة تأييد لها بغض النظر عن شكل هذا التأييد، وأعلن قائد عمليات الأنبار حينها اللواء ناصر الغنام أن الجيش والشرطة والحشد، وبالاتفاق مع شيوخ العشائر قرروا منع أي تجمعات تؤيد التظاهرات الخارجة في تسع مدن شيعية، وحذروا من سيناريو تنظيم "داعش"، وتوعدوا من يخالف بعقوبات شديدة، واتخذوا إجراءات صارمة لمنع ذلك.

وعندما أعلن عددٌ قليل من نشطاء الأنبار تضامنهم مع التظاهرات، وكتبوا على صفحاتهم الخاصة في فيسبوك، لم تتأخر السلطات المحلية بملاحقتهم واعتقال عدد منهم، وإجبار آخرين على الاختباء. وقد نشرت قيادة شرطة الأنبار على فيسبوك ما يشبه البيان المليء بالأخطاء اللغوية قالت فيه: "اليوم محافظة الانبار تدعوا مواطنيها بالتوجه الى العمل والاستمرار بالبناء والاعمار والحفاظ على الامن ومساندة القوات الامنيه والاستفاده من الدروس السابقه التي لم تجني منها المحافظة سوى الخراب والدمار والقتل والتشريد والتهجير".

شرطة الأنبار منعت ارتداء الشورت الرجالي الطويل (البرمودا) الذي يظهر جزءاً من ساقي الرجل، ومنعت إطالة الشعر أو قصه بموديلات معينة، لأنه بحسب قائد الشرطة الذي أشرف على الحملة، يتنافى مع الأعراف والتقاليد العشائرية! وهذا يتطابق تماماً مع ما كان يقوم به تنظيم "داعش".

منظمة "هيومن رايتس ووتش" قالت حينها إن سلطات محافظة الأنبار العراقية تقمع حق السكان المحليين في إظهار دعمهم للمظاهرات. وفي الأيام الأخيرة، اعتقلت رجلين لمجرد نشرهما رسائل تضامنية على "فيسبوك" واستجوبت ثالثاً، وأجبرت رابعاً على الاختباء.

القمع لم يقف عند حد الآراء السياسية وحرية التعبير، بل تعدّاه كثيراً. فشرطةُ الأنبار منعت ارتداء الشورت الرجالي الطويل (البرمودا) الذي يظهر جزءاً من ساقي الرجل، ومنعت إطالة الشعر أو قصه بموديلات معينة، لأنه بحسب قائد الشرطة هادي رزيج، الذي أشرف على الحملة، يتنافى مع الأعراف والتقاليد العشائرية! وكانت الشرطة تصور الشباب الذي يجري اعتقالهم بطريقة مهينة، ويحلقون رؤوسهم صفراً لتخويف الآخرين. وهذا يتطابق تماماً مع ما كان يقوم به تنظيم "داعش" من قمع للحريات.

مقالات من العراق

للكاتب نفسه

العراق لمن؟

ميزر كمال 2020-09-17

الصراع على العراق لم يعد يدور حول النفط بل على الجغرافيا. فلسوء حظه، العراق هو العمود الفقري للطريق بين الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط، ويمتلك "ميناء الفاو الكبير"، الأساسي في...