عجز في الموازنات الخليجية؟

تزامن في الأسابيع القليلة الماضية حدثان يتوقع أن ينعكسا على الساحة النفطية وتكون لهما تبعاتهما الجيو ـــ سياسية، خاصة في منطقة الخليج، خزان الطاقة الرئيسي في العالم. فمن واشنطن خرج تحذير من صندوق النقد الدولي يقول إن على الدول الخليجية أن تتحسب ليوم ماطر تتحول فيه فوائضها المالية الحالية الى عجز في الموازنات، الأمر الذي يتطلب منها إعادة النظر في سياساتها المالية الراهنة ورفع معدلات الادخار
2013-12-11

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
(من الإنترنت)

تزامن في الأسابيع القليلة الماضية حدثان يتوقع أن ينعكسا على الساحة النفطية وتكون لهما تبعاتهما الجيو ـــ سياسية، خاصة في منطقة الخليج، خزان الطاقة الرئيسي في العالم. فمن واشنطن خرج تحذير من صندوق النقد الدولي يقول إن على الدول الخليجية أن تتحسب ليوم ماطر تتحول فيه فوائضها المالية الحالية الى عجز في الموازنات، الأمر الذي يتطلب منها إعادة النظر في سياساتها المالية الراهنة ورفع معدلات الادخار لديها.
ومن فيينا أعلنت منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) تقديراتها للعرض والطلب على المديين القريب والبعيد، الذي خلص إلى أنه خلال فترة السنوات الخمس المقبلة فإن الطلب على نفط أوبك مرشح للتراجع من 30.3 مليون برميل يومياً هذا العام الى 29.2 مليوناً في 2018، علماً ان الطلب سيشهد تصاعداً مستمراً، لكن سيتمّ امتصاصه من قبل منتجي النفط من خارج أوبك.
أما الحدث الثالث فجاء من دبي عندما أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان، نائب وزير البترول السعودي، أن بلاده لا تشعر بالقلق من جراء تدفق النفط والغاز الصخري في الولايات المتحدة، لأنهما يضيفان مصادر جديدة للإمدادات يمكن أن تسهم في تعزيز الاستقرار في السوق النفطية.
ومع أن هذه التصريحات تقوم على الموقف السعودي الرسمي، إلا أنها لفتت النظر لكونها جاءت بعد خمسة أيام من تصريحات أخرى للأمير الوليد بن طلال، عضو العائلة السعودية المالكة ورجل الأعمال المعروف، الذي أبلغ صحيفة «غلوب آند ميل» الكندية قلقه ليس فقط من تبعات ثورة النفط الصخري على بلاده، وإنما من رد الفعل الحكومي الذي لا يبدو منشغلاً كثيراً بها.

«نصائح» صندوق النقد

تحذير صندوق النقد يقوم على ثلاثة عوامل: النمو المستمر في الإنفاق الحكومي الذي بلغ 17.7 في المئة في العام 2011، ويقدر له أن يتراوح في حدود 4 في المئة للفترة 2013-2018 مقابل 15 في المئة في العقد المنصرم. وشهد العام 2011 إنفاقاً ضخماً في جوانب رفع الحد الأدنى للأجور، إضافة لعلاوات منحت لغلاء المعيشة، ولبناء وحدات سكنية واستحداث وظائف جديدة، وذلك في إطار برنامج إنفاقي كبير خصص له مبلغ 40 مليار ريال (نحو 10.7 مليار دولار).
أما العاملان الآخران اللذان استند إليهما الصندوق في تحذيره، فهما جانب التراجع في الطلب على النفط وانخفاض سعر البرميل. والمؤشرات على ذلك بدأت بالفعل، إذ يقدر أن حجم الإنتاج النفطي السعودي مثلاً تراجع من 10.2 مليون برميل يومياً في آب /أغسطس الماضي إلى نحو 9.5 مليون في الوقت الحالي.
أما سعر البرميل فقد شهد في الأشهر الثلاثة المنصرمة تراجعاً متصلاً.
وفي العام الماضي، بلغ متوسط سعر البرميل 109.99 دولار، ويتوقع له أن ينخفض هذا العام إلى 105.79 دولار للبرميل، والى أقل من ذلك العام المقبل. لذا يرى الصندوق ان حالة الفوائض التي شهدتها موازنات الدول العربية المصدرة للنفط يمكن أن تتحول الى عجز.
وأول الدول المرشحة لذلك هي عُمان التي يتوقع لها أن تدخل دائرة عجز الموازنة في 2015، تليها السعودية في 2018.ومع أن التحذير الذي أطلقه صندوق النقد يبدو طبيعياً وفي أطار «النصائح» التي يوجهها إلى الدول الاعضاء عادة، الا أن هناك جانباً آخر يتمثل في أن الفوائض المالية الخليجية، خاصة من السعودية، مثلت مصدراً مهماً لجأ إليه الصندوق لتدبر موارد تمكنه من الدخول في برامج «إعادة الهيكلة الاقتصادية» مع الكثير من الدول الأعضاء.
وفي العام الماضي، تمكن صندوق النقد من جمع مبلغ 430 مليار دولار لما يعتبره مواجهة تقع عليه لتبعات الأزمة المالية العالمية، خاصة في منطقة اليورو الأوروبية، وذلك وفق تصريحات أعلنتها مديرة الصندوق كريستين لاجارد. ونحو 200 مليار دولار من هذا المبلغ تمّ توفيره من قبل الدول الأوروبية نفسها، أما الباقي فجاء النصيب الأكبر من اليابان التي قدّمت 60 مليار دولار، تليها من ناحية الحجم كل من السعودية وبريطانيا وكوريا الجنوبية، حيث قدّمت كل واحدة منها 15 مليار دولار.
كما أن السعودية عضو في مجموعة العشرين التي تشكلت عقب الأزمة المالية العالمية.
هذا إلى جانب أن الدول الخليجية المصدّرة للنفط كانت منطقة استقرار سياسي ومالي، وأنها تقدّم عوناً ثنائياً إلى الدول الأخرى، وتستقبل الملايين من العمالة الأجنبية التي تسهم عبر التحويلات المالية التي ترسلها الى بلدانها في التخفيف من صعوبة الأوضاع المالية والاقتصادية فيها.
التطمينات التي أطلقها الأمير عبد العزيز بخصوص النفط والغاز الصخريين المنتجين في الولايات المتحدة تنطلق فيما يبدو من اعتبار أن الطلب على النفط مرشح للنمو باستمرار. ووفقاً لآخر تقديرات أوبك نفسها، فإن هذا الطلب سيرتفع من 89.7 مليون برميل يوميا العام الماضي الى 92 مليوناً في 2015، ثم الى 96.5 ملايين برميل في 2020، ويتجاوز المئة مليون برميل يومياً في العام 2025...
الأمر الذي يتطلب وجود مصادر جديدة للإمدادات لمقابلة هذا الطلب. ثم ان السعودية ليست مصدرة للغاز، وبالتالي فهي ليست معنية بانتاج الغاز الصخري.

أما فيما يخص النفط الصخري، فهناك اعتبار انه يحتاج إلى أن يكون معدل الأسعار في حدود 80 دولاراً للبرميل كي يكون مجزياً، الأمر الذي يعني دعماً للأسعار المرتفعة. كما أن بعض المؤسسات، مثل الوكالة الدولية للطاقة، التي تمثل تجمع المستهلكين في مواجهة أوبك، أي منظمة المنتجين، بدأت تعيد النظر في تقديراتها لمستقبل النفط الصخري.
ووفقاً لفاتح بيرول كبير اقتصاديي الوكالة، فإن النفط الصخري، وبحسب المعطيات المتاحة حالياً، لا يمثل ثورة في الصناعة النفطية، وأنما أحدث حراكاً سيستمر بضع سنوات ويعود بعدها الخليج مصدراً رئيسياً للإمدادات.

الاتجاه نحو التكرير

على أن التدبير الذي قامت به السعودية لتأمين انسياب نفطها إلى الأسواق يتمثل في تكثيف الجهود لرفع طاقتها التكريرية داخلياً وحول العالم، حتى تتمكن من بيع نفطها مكرراً مما يضيف إلى قيمته لها ويقلل من مخاطر التقلبات في السعر والإمدادات التي يتعرض لها النفط الخام.
فسياسات وقرارات أوبك تختص بهذا الأخير وليس بالنفط المكرر.
وفي الصيف الماضي، تم التشغيل النهائي لوحدات التوسعة في مصفاة شركة «موتيفا» في الولايات المتحدة، المقامة بالشراكة ومناصفة بين كل من أرامكو السعودية وشركة شل. ورغم العثرات الفنية والحوادث التي أدت إلى تعطيل بدء الإنتاج في المصفاة نحو عام، إلا أن عملية التوسعة التي اكتملت تضيف في واقع الأمر مصفاة جديدة تعتبر الأولى من نوعها، ولم تشهد الساحة الأميركية مثلها منذ حوالي ثلاثة عقود من الزمان، كما أنها بطاقتها التي أصبحت الآن 600 ألف برميل يومياً، تعتبر واحدة من أكبر عشر مصافٍ في العالم.
وهذا المشروع جزء من برنامج طموح يعمل على تكرير حوالي 8 ملايين برميل يوميا في غضون عشر سنوات، وبكلفة تقدر بنحو 200 مليار دولار. وهناك اتفاقيات في مختلف المراحل لإقامة مصاف داخل السعودية وخارجها، أبرزها مع الصين وأندونيسيا، وذلك في استجابة الى السوق الآسيوية مركز الثقل المستقبلي في الطلب على النفط.فكرة تنويع القاعدة الاقتصادية في السعودية وتقليص الاعتماد على النفط، التي دعا إليها الوليد بن طلال، ليست جديدة، بل إن الخطط الرسمية المتعاقبة تضع هذا التوجه كواحد من أهدافها الرئيسية.
لكن الحصيلة ليست مرضية. ويرى بعض النقاد أن هذا الجانب يحظى بأولوية عند تراجع أسعار النفط، ثم تعود الأمور إلى سيرتها القديمة متى تحسّن وضع الإيرادات.
كما بدأت تبرز بعض الآراء المخالفة، ومنها أن ما تواجهه الدول المنتجة ومن بينها السعودية لا يتلخّص في تراجع الطلب فقط، وإنما في بروز تقنية جديدة ليس واضحاً المدى الذي ستنتهي إليه والتأثيرات المستقبلية لها على النفط التقليدي وإنتاجه.
كما قد لا يكون دقيقاً بصورة قاطعة ونهائية القول بأن النفط الصخري يحتاج إلى سعر 80 دولاراً ليكون مجزياً. ويستشهد هؤلاء بتجربة المناطق المنتجة من خارج أوبك مثل ألاسكا وبحر الشمال، التي بدأت تتمدد على حساب نصيب أوبك في السوق. وكان من أحد أهداف حرب الأسعار في الثمانينيات أن يتراجع سعر برميل النفط الى أقل من عشرة دولارات حتى يتوقف بحر الشمال مثلا عن الإنتاج، لأن الدراسة القائمة وقتها كانت تشير الى ان تجاوز سعر برميل النفط 18 دولارا جعل الإنتاج من بحر الشمال ممكنا، وبالتالي فانخفاض سعر البرميل عن ذلك المعدل سيخرج ذلك الإنتاج من المعادلة، وهو ما لم يحدث، لأن تكلفة الإنتاج الأولية تكون عالية، وبعد ذلك تكون كل التجهيزات قد أقيمت ودفعت تكلفتها، ويكون المطلوب فقط الإنفاق على تسيير الإنتاج وبمعدلات أقل بكثير من التكلفة الأولية. ولهذا استمر بحر الشمال في ضخ النفط. 
سبق للدول الخليجية أن مرت بظروف اقتصادية صعبة. ففي عقد الثمانينيات، وأبان ما عرف بحرب الأسعار، تراجع سعر برميل النفط ووصل الى أقل من عشرة دولارات في بعض الأحيان، الأمر الذي أدى أحياناً الى إعلان الرياض وبعض العواصم الخليجية الأخرى أنها ليست قادرة على إصدار ميزانية، وذلك بسبب صعوبة توقع ما سيؤول إليه الوضع في السوق النفطية المتقلبة.
ونتيجة لذلك، لجأت الى الاستدانة الداخلية، وبدأ حجم هذا الدين في النمو والتصاعد حتى وصل الى قمته في العام 1999 عندما بلغ 103.5 في المئة من حجم الناتج المحلي الإجمالي. ولكن، وبعد النمو في الطلب، خاصة من الدول الآسيوية، وتصاعُد الأسعار خلال العقد الماضي، تم تخصيص جزء كبير من الفوائض لتسديد الدين العام، حتى وصلت نسبته العام الماضي إلى 3.6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وأما الجديد فأن تصبح قضية استراتيجية وحساسة مثل السياسة النفطية وتبعاتها الاقتصادية موضع نقاش عام.
 

مقالات من الخليج العربي

سردية عرب الصحراء وعرب الماء

تنتج الازمات السياسية سلسلة من ردات الفعل الباحثة عن التخلص من أعباء تحمل المسؤولية والمراجعة النقدية الذاتية: هنا عن التنميط بين "عرب الخليج" و"عرب الماء"، سابقاً واليوم، بكل انقلاباته!

سراب الإصلاح في بلدان الخليج العربي

فرض نظام الضريبة غير المباشرة وتقليص الإنفاق الحكومي تدابير غير معتادة لمواجهة الأزمات الإقتصادية في بلدان الخليج، ولعلها تشير الى أن الأوضاع الإقتصادية في المنطقة لن تتحسن في المستقبل المنظور..

للكاتب نفسه

الأفق السوداني المسدود

من أبرز ملامح حالة "الثورة بلا قيادة" حدوث نهوض جماهيري مناوئ للترتيبات السياسية والاقتصادية السائدة، إلا أنه على الرغم من قوة قناعات هذا النهوض ووضوح الرؤية أمامه حول "ما لا...