من يُدير؟

ما الدولة؟ هي رسمياً ادارة الحياة العامة. فأين هي الادارة، ومن يدير؟
2020-04-24

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك
حسن المسعودي - العراق

يسأل دونالد ترامب، مباشرة على الهواء، مرفقاً الكلام بحركة دائرية من يده، إن كان بالامكان إيجاد طريقة لحقن الناس بالمعقمات "كنوع من التنظيف" طالما أنه لاحظ أن فعاليتها عالية في القضاء على فيروس كورونا. قبل يوم، "أمر" الصين، القارة التي تضم مليار ونصف آدمي، وصاحبة أقوى اقتصاد في العالم، باغلاق جميع أسواق التعامل مع الحيوانات البرية. وقبلها بيوم قال أنه سيطالبها بدفع كلفة خسائر كورونا لبلاده (50 الف ضحية وما يقارب 26 مليون مسجل بلوائح البطالة خلال شهر واحد، بينما وصل عدد المسجلين على تلك اللوائح الى 8.5 مليوناً خلال أزمة 2008)، لو ثبت أن الفيروس تسرّب من مختبراتها. وقبلها بيوم اعلن انه جمّد المخصصات التي تسددها الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية لأنها "اساءت توضيح تبعات المرض"، وفي الحقيقة رفضت الموافقة على نعته بال"صيني".. هكذا يمضي رئيس القوة العسكرية الأولى في العالم أيامه أمام عدسات الكاميرات، بعدما لم يعد يكتفي بالتغريدات.

وأما في أوروبا "العريقة" صاحبة المنظومات القيمية المتعددة، والمتصارعة، فقد فضح كورونا كل السلطات "الحاكمة": بريطانيا وفرنسا وايطاليا واسبانيا.. وتمكنت ألمانيا من التقدم الى مواجهة الجائحة ببعض العقلانية والضبط والنجاعة، حتى قيل أن السلطات التي تمسك بها نساء اثبتت انها أفضل بكثير من تلك التي بين يدي الذكور، قادة العالم التاريخيين منذ هيمنة النظام الأبوي، أي منذ الزمن السحيق: المانيا ولكن كذلك فنلندا والدانمارك ونيوزيلندا وايسلندا وتايوان! ويبدو أن صراعات الديكة من جهة، وحسابات البقاء في السلطة بأي ثمن من جهة ثانية، وعلى ذلك ضغوط من يأملون بالأرباح، هي من يتحكم بقراراتهم. هكذا يتراجع الرئيس الفرنسي عن قرار فتح المدارس في 11 ايار/مايو تحت ضغط تهديد المعلمين "باكبر اضراب شاهده في حياته"، ويقول "كانت فكرة، لم نقرر ولم نخطط بعد"، ثم يقول نخفف القيود بحسب المناطق، ويتراجع ويقول "كانت فكرة" ويبدو انه يختبر الافكار بناء على ردة فعل الناس، ولا يدري ماذا يفعل على الرغم من الاناقة الشكلية لمداخلاته. وتعرفون بقية القصة في سائر الانحاء.

اناس خائبون، لا قادة ولا من يحزنون، ولولا شجاعة الاطباء وسائر المسعفين، وتفانيهم، وفي مقدمتهم النساء منهم، لمات ثلاثة اضعاف العدد الحالي للضحايا او أكثر. هذا عالم عفنٌ ولا يمكن له صون البشر! فهل نستمر بالرضاء به؟

وقد تحدث سوسيولوجيون وفلاسفة عن "تسرع الزمن" في عصر العولمة النيوليبرالية، بفضل الاختراعات التكنولوجية والتغييرات الاجتماعية واختلاف ايقاع الحياة. وقد اعتبرت نتائج ذلك كله نوعاً من "الحتمية"، وإن تكن مظلمة، لأنها تؤدي الى مزيد من الألم والاحباطات النفسية - مرض العصر - والكوارث الكبرى، ككوفيد هذا وسواه مما سيليه حين سنتخلص منه. ولكن المنظّر الاساسي لهذا الرأي يعتبر ان تسريع الزمن وثيق الارتباط بالحداثة، ولا يرى كيفية الفكاك منه! وهو يلاحظ ان الفاعلين يعانون من "نقص فادح في الوقت، بينما تتعاظم كمية الوقت الحر"،هذا بينما اثبت كوفيد الذي علّق عملياً الزمن، أو يكاد، ان الاستحالة وهمية.

يتطلب الامر إعادة تنظيم كاملة للعالم، لا يتوفر لها نموذج جاهز بعدما انكشف بؤس النموذج المتسلط، سواء كان شيوعياً أو اسلامياً، واشمئزاز الناس منه حتى في حالة فعاليته العملية، كما في الصين. يتطلب الامر تبني قيم تخص نوعية الحياة المأمولة، وإلا فسيكون على العالم تقبّل الزوال.. البطيء ربما، ولكن المؤلم بالتأكيد.

وفي هذا، وتيسيراً، يحضر مثال لبنان، وهو واحد من أصغر بلدان العالم واقلها أهمية في تقرير المصائر، ولو أنه "معجوق" بنفسه، ويعتقد الكثير من ابنائه أنه موئل عبقرية خاصة، وأنه "سرّة" الكون.

أبنائه هؤلاء ما زالوا لم يروا أين "المشكل" في انهيار عملتهم بشكل فادح، وفي تبخر ودائعهم ومدخراتهم بشكل أفدح. يريدون تفسيراُ بسيطاً لهذا الحال، ويعجبهم ان يعتبروه نتيجة "سرقة" البنوك والحكام لميزانياته، وهو تفسير صحيح ولكنه جزئي للغاية. وإنما والأهم، فهم يريدون استعادة ودائعهم ومدخراتهم "فوراً"ومعها نمط حياتهم الاستهلاكي السهل (سواء أكان باذخاً او مجرد محاكاة للبذخ). يميلون لالقاء اللائمة على زعماء الطوائف الاخرى، وإن صاروا يقبلون – على مضض – بفكرة انه "كلهم يعني كلهم". ولكن الزعيم المفدّى ما زال قابعاً تحت قشرة الجلد الاولى ومعه ما يلزم من تعصب مذهبي ومن تحميل الاغراب مسئولية المصيبة التي يعيشون.. فلسطينيون وسوريون ومن تشاؤون.

وسيتم التلاعب بهم، وستطبق عليهم اجراءات ما أنزل الله بها من سلطان، متقلبة ومتناقضة ومجحفة. وسيتكيفون. وهم يعرفون انه لا قيادة في البلد ولا نخبة. وانها مسخرة تامة، ولكنهم سيتكيفون ويرتضون بانصاف الحلول، أوبأعشارها، ويعودون الى غيّهم، أو يغضبون أحياناً ويشتمون ويتظاهرون.. بلا طائل. وأما الجوع الذي يتهدد أغلبهم فليس حجة ثورية. وأما الخفة اللامتناهية لحكامهم فعليها أن تثير الاشمئزاز. فهل هي تفعل حقاً، وأين وكيف؟

مقالات ذات صلة

لقد وصل العالم كله الى درَك، وهو أمام مفترق طرق. قالها أصحاب السترات الصفراء في فرنسا طوال عام، وسط عدم تفهم الناس أو جزء كبير منهم، ووسط قمع غير مسبوق لسلطة فاقدة للشرعية كما اثبتت جائحة كورونا. وقالها العراقيون المنتفضون بما يشبه نية الانتحار في بلد يدفع تاريخه لليأس كما لاقصى الاعتزاز...

ما الدولة؟ هي رسمياً ادارة الحياة العامة. فأين هي الادارة، ومن يدير؟

مقالات من العالم

للكاتب نفسه

لبنان: ريع من نوع خاص

لا في 17 تشرين/أكتوبر، تاريخ اندلاع الحركة الاحتجاجية، ولا في 4 آب/أغسطس (انفجار مرفأ بيروت المهول) لم يخرج المسؤولون ليشرحوا، حتى ولو بشكل كاذب، ما الذي جرى. كان هذا الصمت...