سوق النفط وإشارات عالم جديد

السؤال الأساسي الذي يخص المستقبل المباشِر: من سيُدير السوق؟
2020-04-24

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
وسيم المرزوقي - سوريا

شهد هذا الشهر ثلاثة تطورات رئيسية في السوق النفطية، يمكن أن يُطلق على أي واحد منها أنه غير مسبوق على الإطلاق. فلأول مرة في تاريخ الصناعة النفطية، تُعرض شحنات من النفط للبيع ولا تجد مشترين، بعد أن تراجعت الأسعار بنسبة تزيد على 300 في المئة.. إلى ما تحت الصفر. جاء هذا التطور إثر الاتفاق على أكبر خفض للإنتاج في تاريخ "أوبك" والدول المتحالفة معها، ويصل إلى 9.7 مليون برميل يومياً، وهو حجم في الخفض لم تشهده السوق من قبل، لا من أوبك ولا من غيرها. ثم جاءت المفاجأة الثالثة، وهي أن القوة الدافعة لإجراء هذا الخفض هي الولايات المتحدة، ورئيسها دونالد ترامب الذي أمضى وقتاً غير قليل يحذر فيه أوبك من الاستمرار في مسلسل خفض الإنتاج لتأثيراته السلبية على المستهلكين.

خلف هذه التطورات يوجد سبب رئيسي وهو فيروس كورونا، الذي أسهم في الوصول إلى مرحلة ما أصبح يطلق عليه "تحطم الطلب" ومن ثم وجود تخمة في السوق تقارب 30 مليون برميل يومياً.

تراجع الأسعار إلى ما دون الصفر يعكس هذه الحقيقة بجلاء، ولو أنه يرتبط أساساً بالعقود الآجلة، حيث يقوم بعض المتعاملين في السوق بإبرام عقود مستقبلية على الورق، وعندما يحين أجلها فإما يتم بيعها أو الوفاء بها، أو تجديد العقد لفترة أخرى. لكن هذا التطور يحتاج إلى وضعه في إطاره السليم، وأول نقطة يجب الالتفات إليها هي أن هذه العقود تتعلق بالخام. أما الوقود الذي يحصل عليه المستهلك من محطات الخدمة، فهو عبارة عن منتجات مكررة مضافاً إليها تكاليف أخرى من شحن ونقل وتأمين وتسويق وغير ذلك، وبالتالي فليس وارداً أن يحصل المستهلك على الوقود مجاناً، على الرغم من تراجع قيمة ما سيدفعه.

ظاهرة أمريكية

ثم إن ظاهرة التراجع إلى ما دون الصفر حكمتها إلى حد بعيد ظروف السوق الأمريكية تحديداً، والسوق النفطية بصورة عامة. والإشارة إلى اضمحلال القدرة التخزينية، خاصة في ولاية لويزيانا التي امتلأت مستودعاتها بما يزيد على 70 في المئة من طاقتها، وهو ما أدى إلى تخوف حَمَلة العقود الآجلة من خام "ويست تكساس" أن يتورطوا بكميات من النفط لن يتمكنوا من تخزينها. لذا تخلصوا منها عن طريق البيع بما دون الصفر. وهو ما لم تشهده مبيعات "خام الإشارة" الآخر، "برنت" في أوروبا وغيرها، حيث تراجعت أسعاره بنحو 9 في المئة، لأنه لم يتعرض إلى الضغوط التخزينية مثل "ويست تكساس".

تُعرض شحنات من النفط للبيع ولا تجد مشترين، بعد أن تراجعت الأسعار بنسبة تزيد على 300 في المئة.. إلى ما تحت ِالصفر. يوجد سبب رئيسي خلف هذه التطورات وهو فيروس كورونا، الذي أسهم في الوصول إلى مرحلة أصبح يطلق عليها "تحطم الطلب"، ومن ثم وجود تخمة في السوق تقارب 30 مليون برميل يومياً.

المشكلة تتعلق بالخام. أما الوقود الذي يحصل عليه المستهلك من محطات الخدمة، فهو عبارة عن منتجات مكررة مضافاً إليها تكاليف أخرى من شحن ونقل وتأمين وتسويق وغير ذلك، وبالتالي فليس وارداً أن يحصل المستهلك على الوقود مجاناً.

وأسهم في ذلك أن اتفاق أوبك الأخير، وحلفائها بإزالة 9.7 مليون برميل يومياً، يُفترض العمل به في الأول من أيار/ مايو، وهو ما دفع الكثير من المنتجين إلى زيادة وتيرة الإنتاج والتصدير قبل حلول موعد بدء الخفض. ومع أن هذا الاتفاق بالحجم الذي أعلن، يعتبر الأكبر في تاريخ الخفض الذي تقوم به أوبك وحلفاؤها، إلا أنه يظل أقل بنحو الثلثين من حجم التخمة النفطية التي تخيّم على السوق، لذا جاء رد الفعل في الأسعار متواضعاً، ما يشير إلى المهمة الصعبة التي تنتظر أوبك وحلفاءها في تحسين وضع الأسعار.

أما التطور الثالث الذي يتعلق بدور ترامب، الذي قام بدفع روسيا والسعودية للاتفاق، فإنه يبرز إحدى حقائق السوق الأمريكية التي توجد بها ولايات منتجة للنفط وأخرى مستهلكة له، وهي التي كان يهتم بها ترامب، لانعكاسات سعر الوقود للمستهلك على شعبيته وفرص إعادة انتخابه. لكن لوبي الولايات المنتجة - وله وجود لا يستهان به في مجلسي الشيوخ والنواب، ومعظمهم من الأعضاء الجمهوريين - بدأ في ممارسة ضغوط على ترامب، ليرمي بثقله وراء وقف حرب الأسعار التي أصابت الصناعة النفطية الأمريكية بمتاعب جمة.

وهو ما فتح الباب أمام تدخل أمريكي، وبالصورة التي كانت واشنطن تعيبها على الآخرين. ولو أن تدخلها ذاك لم يتم من خلال مشاركة فعلية وواضحة بخفض محدد، وإنما اكتفت بأن تكون مساهمتها عبر تقليص الإنتاج في ميدان النفط الصخري تحديداً. لكن تبقى النقلة النوعية متمثلة في قيادة الولايات المتحدة لعملية خفض الإنتاج لرفع الأسعار، وهي معاكسة لتاريخ طويل يرجع إلى سبعينات القرن الماضي، متخذاً من المسارين السياسي والقانوني وسيلة لمحاكمة أوبك على ممارساتها ككارتل يتلاعب بالإنتاج والأسعار لصالح أعضائه فقط.

متغيرات

وإذا كانت هذه هي التطورات الأبرز، لارتباطها المباشر بالإنتاج والأسعار، فإن هناك احتمالات في مجالات أخرى سيؤدي عامل "كورونا" إلى التسريع بها. فيوم 22 نيسان/ أبريل مثلاً، احتفل العالم بالذكرى الخمسين ليوم الأرض. وانتهزت هيئة الأرصاد العالمية الفرصة للتذكير بأنه، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، يتراجع معدل الانبعاث الحراري بنسبة تصل إلى 6 في المئة، وذلك بسبب قلة الحركة الناجمة عن فيروس كورونا. ومع أنها أشارت إلى احتمال العودة إلى معدلات الانبعاث المعروفة، إلا أن سكرتير عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرش، عبّر عن أمله بأن يتم انتهاز هذه الفرصة للقيام بالسياسات والإجراءات السليمة التي تساعد على الاستثمار في المستقبل. وهو ما يعني القيام بإجراءات أكثر حزماً في ما يتعلق بالممارسات التي تؤدي إلى المزيد من الانبعاث الحراري. ولهذا يُتوقع أن تنشط حركات الضغط ضد الوقود الإحفوري والشركات والدول العاملة فيه، وأن تتخذ الحملة بعداً جماهيرياً حتى تتمكن من تحقيق إنجازات ملموسة.

قام ترمب بدفع روسيا والسعودية للاتفاق. إحدى حقائق السوق الأمريكية هي وجود ولايات منتجة للنفط وأخرى مستهلكة له، كان ترمب يهتم بها لانعكاس سعر الوقود للمستهلك على شعبيته وفرص إعادة انتخابه. لكن للوبي الولايات المنتجة للنفط وجود كبير في مجلسي الشيوخ والنواب، ومعظمه من الأعضاءالجمهوريين، وهو مارس ضغوطاً على الرئيس ليوقف حرب الأسعار.

الأمر الآخر المتوقع من تأثيرات فيروس كورونا يتعلق بقطاع النقل، الذي يستهلك في المتوسط نحو ثلث الإمدادات التي تتلقاها السوق يومياً في مختلف وسائل النقل البرية والبحرية والجوية، وهي ظلت في حالة نمو مستمر بمختلف النسب.

مقالات ذات صلة

فترة الإغلاق التي فرضها الفيروس على كل العالم أدت إلى توقف حركة السير والنقل الجوي إلى الحدود الدنيا، وهي أسهمت في رؤية الطرقات فارغة من زحمة السيارات العادية، وكذلك الأجواء. وتشير بعض الإحصائيات الأولية إلى أنه مقابل نسبة 5 في المئة من العمالة الأمريكية تقريباً التي كانت تشتغل من منازلها قبل الكورونا، فإن النسبة في مطلع هذا الشهر تجاوزت 30 في المئة. وكما أوضح مدير إحدى الشركات، فإنه إذا كان يمكن العمل من البيت، فلماذا العودة إلى النمط ذاته، وما يتطلبه من إنفاق على توسعة الطرقات، وتأجير المكاتب، والإنفاق عليها إدارياً وعلى الخدمات المصاحبة؟ لذا يُتوقع أن تسعى الشركات والحكومات إلى تشجيع العاملين لديها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على العمل من منازلهم أو الذهاب إلى المكاتب في أوقات معينة مرة أو مرتين في الأسبوع وحسب حاجة العمل. ويتوقع لهذا الوضع أن يسهم في التركيز على بعض الأدوات المكتبية والإنفاق عليها كما في مجالات التواصل عبر الفيديو - كونفرس وغيرها لتسهيل عمليات اللقاء المكتبية، وتبادل المعلومات والوثائق وبدون تواصل إنساني فعلي، وأن يلقي بظلاله على حجم استهلاك الوقود في قطاع النقل.

يفترض أن يدخل اتفاق أوبك وحلفائهاالجديد مرحلة التنفيذ في الأول من شهر أيار/ مايو. وهو الاتفاق الذي لم يكن الانطباع عنه جيداً منذ البداية، وتبقى معرفة فيما إذا كان سيتم تعميقه بمزيد من الخفض أم لا؟ لكن في كل الأحوال سيظل السؤال قائماً عن مدى الالتزام بما تم الاتفاق عليه فعلاً.

لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، يتراجع معدل الانبعاث الحراري بنسبة تصل إلى 6 في المئة، وذلك بسبب قلة الحركة الناجمة عن الاحتياطات المتخذة لاحتواء فيروس كورونا.

ويبقى بعد ذلك السؤال الأساسي: من سيدير السوق؟ فطوال تاريخ الصناعة النفطية، كانت هناك جهة ما لها القدرة على خفض الإنتاج، سواء أكانت هذه الجهة حكومة ك"هيئة سكك حديد تكساس"، أو من خلال شركة ضخمة مثل "ستانداراد أويل" على أيام روكفيلر، ومن خلال سيطرتها على السوق في جانبي العمليات الأمامية والنهائية، وذلك قبل تسليمها الراية ل"الشقيقات السبع" التي قامت بدورها بتسليم مهمة إدارة السوق النفطية إلى أوبك بقيادة السعودية. لكن الأخيرة لم تستطع تحمل العبء وحدها فطلبت عون الآخرين بقيادة روسيا. ولهذا ظهرت "أوبك +". هذا الترتيب نفسه لم يستطع المضي قدماً، فظهرت خلال هذه الأزمة ظاهرة "أوبك + +"! لكن الأسئلة لا تزال مطروحة حول قدرة الترتيب الجديد على إدارة السوق.

مقالات من العالم

للكاتب نفسه

أوبك في زمن الكورونا

نشهد بداية حرب أسعار جديدة، تبدو وكأنها قفزة في المجهول. أهم ملمح لها تدفق المزيد من الإمدادات، خاصة بعد التحلل من أي اتفاق لتقييد الإنتاج إثر انهيار التحالف بين الرياض...