السودان: مبادرات شعبية لمواجهة الكورونا

يتجه الاقتصاد العالمي الى فترة ركود مما يجعل من الضروري التركيز على الداخل، وابتداع الحلول التي تمكِّن السودان من عبور هذه المرحلة. ومن جديد تأتي من قرية "ود بلال" مبادرة شعبية لتنير الطريق، اضافة الى اتفاق توأمة وشراكة عقدته مع قرية أخرى.
2020-04-05

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
أحمد أبو شريعة - السودان

في مواجهة التغييرات والتحديات التي فرضتها جائحة الكورونا على العالم، تتعدد ردود الأفعال، ومن بينها بعض المبادرات الشعبية التي شهدها السودان مؤخراً. فبعض العرسان قرروا التبرع بكلفة فرحهم لجمعيات نسائية، وتوزيع الكمامات والمعقمات، وأنشأ عروسان مؤسسة لدعم بائعات الشاي، وخصصا المبلغ الذي كانا سينفقانه على الفرح لإطلاق هذه المؤسسة، التي تستهدف السيدات اللواتي يعشن على دخلهن اليومي من بيع الشاي والقهوة، وإعالة أسرهن خاصة، ومعظمهن نازحات من المناطق التي تأثرت بالصراعات المسلحة بين الحكومة والحركات المتمردة في غرب السودان ومنطقة النيل الأزرق.

إحدى الشركات العاملة في ميدان المياه ومعالجتها، قامت متطوعة بتصميم نموذج للتعقيم بالرذاذ يمر عبره أي شخص ليتم تعقيمه، ويمكن للآلة أن تعمل بالطاقة الشمسية أو بالديزل، وتقتفي أثر نموذج يستخدم في تركيا وماليزيا للغرض ذاته. وهي في انتظار اعتمادها من الجهات الرسمية، حتى يتم تصنيع كميات كبيرة وتوزيعها.

الكوادر الصحية، خاصة الصيادلة والفنيين، أطلقوا حملة لتصنيع بعض المعقمات والأدوية محلياً.وتداولت المواقع الإلكترونية فيديوهات لهؤلاء الشباب، وهم يعملون ويتغنون بأغنية الفنان الراحل سيد خليفة "يا وطني يا بلد أحبابي"، وذلك في إشارة إلى المناخ السياسي الذي أعقب إسقاط نظام الرئيس عمر البشير، والإحساس العام بالمسؤولية الذي يلخصه شعار "حنبنيهو" (سنبْنيه) المستمد من قصيدة للشاعر الراحل محجوب شريف، النزيل الدائم في معتقلات الأنظمة الشمولية: "حنبنيهو اللي بنحلم بيهو يوماتي".

وطن خير ديمقراطي

تنطلق هذه المبادرة من حقيقة المعرفة بضعف قدرات القطاع الصحي الذي لحق به الإهمال، مثله بقية القطاعات إبّان ثلاثة عقود من حكم "نظام الإنقاذ". وعلى الرغم من أن الحكومة الحالية زادت الإنفاق على الصحة بأكثر من ثلاثة أضعاف - من حوالي 16 مليار جنيه (نحو 288 مليون دولار) إلى 51 ملياراً (حوالي 900 مليون دولار) - إلا أن التحدي يظل كبيراً. ولهذا اعتمدت وزارة الصحة خطة اللجوء إلى الاحتياطات لعدم دخول الفيروس وانتشاره.

وبالفعل وحتى نهاية الشهر الماضي، آذار /مارس، تمّ الإبلاغ عن سبع حالات كلها قادمة من الخارج. ثاني حالة من هذه الحالات تتعلق بموظف أممي إسباني الجنسية قَدم من دبي منتصف الشهر الماضي، وحين شعر بأعراض الكورونا من صداع وحمى، أبلغ طبيب الأمم المتحدة الذي أحاله بدوره إلى السلطات، حيث تم حجره وعلاجه لفترة أسبوعين ليصبح أول شخص في السودان يتم علاجه وشفاؤه من الكورونا. الرجل أبلغ وكالة السودان للأنباء: "سأعود إلى منزلي في الخرطوم، وأواصل عملي.. الخرطوم أصبحت وطني".

بعض العرسان تبرع بكلفة حفل الفرح لجمعيات نسائية، لتوزيع الكمامات والمعقمات، وخصص عروسان المبلغ الذي كانا سينفقانه على الفرح لاطلاق مؤسسة لدعم بائعات الشاي ومعظمهن نازحات من المناطق التي تأثرت بالصراعات المسلحة.

فيروس الكورونا يلقي بظلاله على التوجهات التي يفترض أن تسير عليها البلاد، وعلى المدى الذي يمكن التعويل فيه على وعود المانحين، الذين كان يُفترض أن يعقدوا مؤتمراً في حزيران/يونيو المقبل لدعم السودان، وعملية التحول الجارية فيه. كل الدول أصبحت مشغولة بنفسها، والاقتصاد العالمي يتجه الى فترة من الركود لا يدري أحد طولها أو عمقها أو التأثيرات التي ستنجم عنها، الأمر الذي يجعل من الضروري التركيز على الداخل، وابتداع الحلول التي تمكِّن السودان من عبور هذه المرحلة.

مرة أخرى تأتي مبادرة شعبية لتنير الطريق. فقرية "ود بلال" في ولاية الجزيرة، التي ابتدرت مشروعاً للتنمية الريفية والمجتمعية قبل أكثر من 15 عاماً، تمكنت من الصمود طوال هذه الفترة في وجه التدخلات السياسية والعوائق البيروقراطية، وأنجزت مشروعات ذات بعد استثماري/تجاري لإنتاج الدجاج اللاحم، وتسمين العجول، وإقامة محلج للقطن الذي تشتهر بزراعته ولاية الجزيرة، إلى جانب توفير العديد من الخدمات لسكان القرية. هذه التجربة ألهمت قرًى أخرى سعت لتحذو حذوها، ومن بينها واحدة في الولاية الشمالية تدعى "الجابرية". وبين القريتين حوالي 510 كيلومتراً، لكن على الرغم من ذلك، تمكنت القريتان من خلال الشركتين المسؤولتين فيهما، من إبرام اتفاق توأمة وشراكة تقوم من خلاله الجابرية بالاستفادة من المرافق الموجودة في "ود بلال" الخاصة بحظائر "الكتاكيت" (الصيصان). وبالفعل بدأ في شهر شباط / فبرايرالماضي إدخال 25 ألف كتكوت لإنتاج دجاج لاحم. وقد اكتملت فعلاً المرحلة الأولى، وستعقب هذه المرحلة دورة ثانية قبل دخول شهر رمضان.

على الرغم من زيادة الحكومة الحالية الإنفاق على الصحة بأكثر من ثلاثة أضعاف - من حوالي 16 مليار جنيه (نحو 288 مليون دولار) إلى 51 ملياراً (حوالي 900 مليون دولار) - إلا أن التحدي يظل كبيراً.

ويمكن لمثل هذه التجربة أن تصبح نموذجاً حياً لقرًى أخرى، لتتبع فكرة التوأمة والاستفادة من المزايا النسبية، لتحقيق قدر من التكامل يمكن أن يسهم في تمتين اللحمة الوطنية التي تعرضت إلى اهتزازات عديدة بسبب الصراع على الموارد في البلاد.

للكاتب نفسه

أوبك في زمن الكورونا

نشهد بداية حرب أسعار جديدة، تبدو وكأنها قفزة في المجهول. أهم ملمح لها تدفق المزيد من الإمدادات، خاصة بعد التحلل من أي اتفاق لتقييد الإنتاج إثر انهيار التحالف بين الرياض...