العشوائيات في بغداد: أوطان في كل مكان

ليس للعشوائيات في بغداد شكل محدد. فمنها ما بُني على أراضٍ بلا سند ملكية لشاغليها -حيث تعود ملكية 98 في المئة من هذه الأراضي للدولة و2 في المئة لملاّك من السكان. وهناك نمط آخر من العشوائيات بُني خارج المخطط الأساسي لمدينة بغداد، بتحويل الأراضي الزراعية إلى أماكن سكنيّة.
2019-12-05

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
رائد شرف - لبنان

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

كثيرة هي الأغاني والقصائد العراقيّة الحزينة التي تتحدّث عن المنزل والمسكن، والذي لأهميته القصوى يُطلق كثير من العراقيين على المنزل المُمتَلك تسمية "وطن". وتنصح الأجيال بعضها بعضاً بشدّ الحزام والاقتصاد بالحياة من أجل "شراء وطن" يقي الإنسان شرّ الحرّ والبرد وصاحب المُلك.. وهذه خلطة من مناخ وبشر لا رحمة فيها بالنسبة للعراقيين. ويُعدُّ الحصول على سكنٍ في العراق، وخاصة في العاصمة بغداد، أمراً شاقّاً، وطرق امتلاكه صعبة. ونتيجة لذلك فإن الطلب على السكن مرتفع، بينما المعروض قليل وفاحش الغلاء. وكلّما ازدادت الحاجة إلى السكن ازدادت، بالمقابل، رقعة العشوائيات في بغداد.

تاريخ العشوائيات

على مدار أكثر من قرن، فشل مهندسو تخطيط المدن في توقع تزايد أعداد سكّان بغداد، إذ لطالما كانت سرعة انتقال العراقيين إلى بغداد، والعمل فيها تسبق خطوط أقلام المهندسين التي تحاول وضع خرائط لعاصمة العراق وضبط حدودها. المهندسان الألمانيان "بريكس وبراوفينز" كانا أول ضحايا المدينة المدوّرة التي حدّدها أبو جعفر المنصور بالقطن والنار، إذ حاولا وضع خطّة لبغداد عام 1936 لاستيعاب نصف مليون نسمة خلال عقدين بدلاً من ربع مليون، وهو عدد سكّانها حين وضع الخطة. لكن لم يمضِ سوى عقد واحد وكان عدد السكّان بالفعل قد فاق تصوّر المهندسين. وتكرّر الأمر مع شركة "مينوبريو وشركاؤه" عام 1954 التي توقعّت أن يبلغ عدد سكّان ثاني أكبر عاصمة في العالم العربي، في أقصى حد حتّى عام 2006، المليون ونصف المليون (1) . إلا أن الأمر لم يتطلب سوى 10 أعوام فحسب لتغص بغداد بهذا العدد. وتكررت هذه الحالات مع خمس شركات هندسية عالميّة أخرى (2) . ولم تنجح، ولا واحدة منها في ترويض بغداد أو توقّع عدد سكّانها الذي تجاوز اليوم أكثر من 8 ملايين نسمة.

وبعد أن نافست البصرة والموصل بغداد لمئات السنين كمدن مركزية، أدى تأسيس الدولة العراقية الحديثة في العقد الثاني من القرن العشرين إلى فرض بغداد كعاصمة ومركز سياسي واقتصادي، تثير شهيّة العائلات الكبرى للانتقال إليها أو على الأقل إرسال أبنائها للدراسة فيها. وتطلّب إنشاء الدولة الحديثة أجهزة بيروقراطية وعسكرية ومدنية، وهو الأمر الذي شرّع باب العمل على مصراعيه في العاصمة، وأسس لنشوء أولى العشوائيات في عشرينيات القرن الماضي، لتسكنها فئات العساكر من المراتب الدنيا والعمّال المياومون (3) . لكن وجود هذه العشوائيات على أطراف بغداد بأعداد ليست كبيرة عجل في إيجاد حلول لمعالجتها.

على مدار أكثر من قرن، فشل مهندسو تخطيط المدن في توقع تزايد أعداد سكّان بغداد، إذ لطالما كانت سرعة انتقال العراقيين إلى بغداد، والعمل فيها تسبق خطوط أقلامهم التي تحاول وضع خرائط لعاصمة العراق وضبط حدودها.. وقد تجاوز اليوم عدد سكّانها 8 ملايين نسمة.

بغداد التي استدرجت البيروقراطية وأبناء الإقطاع من المحافظات كانت تجور، في الوقت ذاته، على فلاحي مدن الجنوب نتيجة لتواطؤ سلطاتها المَلكيّة مع الإقطاع. وقد أدى ظلم الإقطاع إلى هجرة كبيرة إلى أطراف بغداد، وتشكّلت على أثره أولى العشوائيات الكبيرة في العاصمة.

أسس الفلاحون القادمون من جنوب البلاد، نهايات ثلاثينيات القرن الماضي، "الصرائف" في الأطراف الشرقيّة والشمالية لبغداد، وتشكّلت مستوطنات للهاربين من جور الإقطاع والباحثين عن حياة جديدة قدّر عدد سكانها بنحو 184 ألف نسمة عام 1958، وهو العام الذي شهد تأسيس النظام الجمهوري ووصول الجنرال عبد الكريم قاسم إلى السلطة.

سارع قاسم إلى إقرار مشاريع إسكانية تأسست على أثرها مدن "الثورة" (الصدر حالياً) و"الشعلة" و"الكمالية" و"الفضيلية"، وتم توزيع مساكنها على سكّان العشوائيات والنازحين من مدن الوسط والجنوب (4). وما تزال خطوة قاسم حتّى اليوم تثير انقساماً حادّاً بين متعاطف معها ورافض لها، إذ شكّل سكّان العشوائيات آنذاك نحو 18 في المئة من سكّان العاصمة، الأمر الذي عدّ أولى الخطوات لـ"ترييف" بغداد. إلا أنه وبالمقابل، فإن هؤلاء النازحين شكّلوا نحو 57 في المئة من القوى العاملة في العاصمة، وهو ما يعني سرعة اندماجهم داخل المدينة ومساهمتهم في تطوير اقتصادها.

واقع الحال، ظلّت بغداد تزداد مركزية في العهد الجمهوري الذي شهد انقلابات وقلاقل سياسية عديدة أدّت إلى تذبذب تطوير اقتصادات المحافظات وبالتالي استمرار الهجرة إليها. وفي هذه الأثناء، أخذت تتشكّل عشوائيات جديدة، إلا أنّ الحكومات المتعاقبة كانت تسارع إلى تسوية أوضاعها من خلال تمليك وتنظيم العديد منها مقابل مبالغ زهيدة تتقاضاها من سكّانها، أو هدمها وإيجاد بدائل لقاطنيها، وذلك عبر (9) قرارات وقوانين بين أعوام 1959 و1989 (5).

كل هذه القوانين والقرارات، إذا ما كانت قد سوّت أوضاع مناطق العشوائيات، إلا أنّها لم تؤدِ إلى معالجة جذريّة لأزمة السكن التي عانى منها العراقيون. ونتيجة لانشغال نظام صدّام بخوض الحروب وتوجيه الموازنات المالية العامة إلى تدعيم وتطوير المنظومة العسكرية، فإن النقص في المساكن كان يزداد.

ومنذ أواسط سبعينيات القرن الماضي حاولت الطبقة الوسطى العراقيّة ابتكار طرق من أجل سدّ عجز السكن، من خلال تقسيم مساحات المنازل الواسعة لإسكان أبنائها وإيجاد منفذ عمل فيها. وكان اتساع حجم العائلة وبلوغ الأولاد سنّ الزواج يعني اقتطاع جزءٍ من المنزل لبناء مسكن عليه. وأخذت المنازل ذات مساحات 200 متر مربع وأكثر تتحوّل تدريجياً إلى ثلاثة منازل ودكان صغير في بعض الأحيان، وذلك من خلال ردم الحديقة وكراج السيارة وفصل الطابق الثاني من المنزل، لتتحوّل كلها إلى مساكن للأجيال الجديدة.

ومع حلول عقد التسعينيات الفائت، ونتيجة للعقوبات الاقتصادية الدولية على العراق، تفشت البطالة، وانخفض سعر الدينار إلى الدرك الأسفل، وتدمّر الاقتصادان الخاص والحكومي، وعنى كل هذا انعدام أي خطط للإسكان.

وحتّى إذا ما كان أكثر من نصف سكان بغداد يعيشون تحت خط الفقر المدقع في تسعينيات القرن الماضي، إلا أن مركزية العاصمة السياسية والاقتصادية دفعت سكان المحافظات الغارقين في العوز والفقر للهجرة إليها، فشكل هؤلاء القادمون عشوائيات جديدة على أطرافها الجنوبية والشمالية. ولا تتوفّر إحصائيات دقيقة عن حجم المساكن العشوائية في ذلك العقد، إلا أن الدوائر الرسمية سجلّت أكثر من 12 ألفَ طلبٍ (6) لتسوية أوضاع مساكن عشوائية.

الاحتلال الأمريكي وتنامي العشوائيات

بعد احتلال القوات الأميركية لبغداد في نيسان / إبريل عام 2003، تجلّت أزمة السكن التي كان يعاني منها العراق، الذي سيطر عليه نظام صدّام حسين بقبضة حديدية من خلال الهيمنة العسكرية على المجتمع وفرض ضوابط صارمة عليه. إذ يعاني العراق عجزاً كبيراً في المساكن يقدّر بنحو 2 مليون ونصف وحدة سكنية. وبغداد على رأس المدن التي تعاني نقصاً كبيراً في المساكن، ولاسيما في ظل التضخّم السكاني واستمرار الهجرة إليها من المحافظات. ولم تقتصر شهوة الحصول على سكن منذ العام 2003 على فئة اجتماعية دون غيرها - حيث اقتسمت الأحزاب والمعدمون، في صفقة صامتة أنقاض دولة البعث - إذ سرعان ما توجّهت العائلات المعدمة إلى استيطان بيوت ودوائر وأراضٍ تابعة للدولة، واقتسمت بعض العائلات فيما بينها بنايات كانت مؤسسات حكومية في السابق وحوّلتها إلى شقق سكنية. بينما سارعت الأحزاب وأفرادها القادمون من الشتات إلى الاستيلاء على قصور ومنازل وأراضي أركان نظام صدّام حسين. وقد سميّت الأراضي والبنايات التي استولى عليها المواطنون ب"الحواسم"، وهي نسبة ساخرة إلى تسمية صدّام حسين لمعركة بغداد الأخيرة ب"معركة الحواسم"، والتي أدت إلى احتلال العراق خلال قتال لم يستمر شهراً، بينما كان يُروّج أنها ستكون انتحاراً للقوات الأميركية على أسواره.

رافق كل هذا غياب خطط لتطوير الإسكان وسد العجز الكبير في الطلب على المساكن، علاوة على بروز طبقة جديدة من رجالات الأحزاب، وفئة تجار تابعة لهم، ذوي شهوة كبيرة لامتلاك العقارات، أدت إلى ارتفاع أسعار السكن لدرجة جنونية. عليه فقد باتت بغداد -التي تقبع في قائمة أسوأ المدن الصالحة للعيش- تنافس أسعار المساكن فيها أغلى الدول الغربية. وعلى الرغم من أن الدستور العراقي أُريد له أن يؤسس للسوق الحرة وللنيوليبرالية في العراق، إلا أنه أقر بمسؤولية الدولة عن توفير السكن للمواطنين (7) ، وفي ذلك دغدغة واضحة لمشاعر العراقيين وحاجتهم الأساسية لمأوى. إلا أنه قد تم استغلال هذه الحاجة في وقت لاحق خارج الدستور وسلطة الدولة. إذ وَجدْت بعض الميليشيات في العشوائيات مركز تربّح سهل، حيث بُنيت مناطق عشوائية كاملة بعد أن قسّمت فصائل مسلحة أراضٍ تابعة للدولة وباعتها للعراقيين، وتمّ استغلال هذه الأراضي لبناء وحدات سكنية بمساحات متفاوتة بحماية من الميليشيات نفسها. ونشأت جراء هذه التجارة صراعات عديدة بين المليشيات للسيطرة على الأراضي وصلت إلى عمليات اغتيال جرت بين بعضها البعض. وقد برزت هذه الخلافات إلى العلن مع تصريحات لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر أدان فيها أعضاءً من تياره يتاجرون بأراضي الدولة، وأمر بترك الأراضي. لكن ما تحقق في هذا الصدد قليل، وسرعان ما وجد الذين لفظهم الصدر مقاعد جاهزة في فصائل مسلحة أخرى.

منذ العام 2003 اقتسمت الأحزاب والمعدمون، في صفقة صامتة، أنقاض دولة البعث، فتوجّهت العائلات المعدمة إلى استيطان بيوت ودوائر وأراضٍ تابعة للدولة، واقتسمت بعض العائلات فيما بينها بنايات كانت مؤسسات حكومية فحوّلتها إلى شقق سكنية، بينما سارعت الأحزاب إلى الاستيلاء على قصور وأراضي أركان نظام صدّام حسين.

وإذا ما كانت أحزابٌ سياسية من خلال المتعاونين معها قد استغلت حاجة السكّان للسكن من أجل التكسّب المالي، فإنها لا بد وأن تستغل هذه الحاجة للتربّح السياسي. وطوال الأعوام التي تلت عام 2003، لعبت السلطة بأعصاب سكان العشوائيات، واستغلت حاجتهم للسكن عبر تهديدهم بتشريعات وقرارات صارمة تهدف إلى هدم وإزالة العشوائيات، وتعويض ساكنيها بمبالغ زهيدة، لتثير بذلك الرعب لدى هؤلاء المعدمين، ولتثار زوبعة في وسائل الإعلام عن فقراء العشوائيات وعدم وجود بديل سكني لهم. وعندما يشتد الحديث في الشارع، يسارع المسؤولون إلى كسب ما زرعوه من خوف من خلال زيارة العشوائيات وكَيل الوعود لسكانها، والإعلان عن "التريث" بقرار الإزالة حتى إيجاد حلول لمشكلتهم. وقد تحولت العشوائيات، بهذه الطريقة، إلى بازار لتصدير وجوه السياسيين من خلال إبدائهم لـ"كلمات الرحمة" تجاه سكانها. وقد حصل الكثير من النواب والمسؤولين على أصوات سكان العشوائيات من خلال وعدهم بعدم هدم منازلهم وتمليكهم الأراضي وإيصال الخدمات إليهم. كما استغلت وعود توزيع الأراضي على المواطنين كإحدى الطرق للحصول على الأصوات في الانتخابات البرلمانية، فقد لوّح عدد من النواب بتوفير الأراضي السكنيّة للمصوتين لهم حال وصولهم إلى البرلمان.

أما الجهات التنفيذية فقد وزّعت عدداً كبيراً من الأراضي على بعض الفئات النقابية والفقراء، إلا أن غالبيّة هذه الأراضي كانت على الورق، إذ أن حدودها لم تثبّت ولم تخضع لتخطيط بلدي من أجل الشروع بإعمارها وحلحلة أزمة السكن. وعلى مدار العقد الماضي، لم يخلُ أي برنامج حكومي عُرض على البرلمان من وعود حل أزمة السكن وتوزيع الأراضي على المواطنين.وصدر عدد من القرارات عن مجالس الوزراء بهذا الصدد، كما حصل في عهود رؤساء الوزراء نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي. إلا أن هذه القرارات -التي استنسخت الواحدة تجربة الأخرى- لم تتجاوز مواقع التواصل الاجتماعي التي أعلن عنها من خلالها.

حصل الكثير من النواب والمسؤولين على أصوات سكان العشوائيات، من خلال وعدهم بعدم هدم منازلهم، وتمليكهم الأراضي وإيصال الخدمات إليهم.

الحكومات المتعاقبة وأحزاب السلطة التي شكلتها كانت سبباً في نشوء العشوائيات، ليس من خلال الفساد وانعدام خطط الإسكان فحسب، وإنما أيضاً من خلال مشاركتها بشكل مباشر في توسعها واستغلال الحاجة الأساسية للسكن للتربّح المالي والسياسي.كما عرف سكّان العشوائيات حاجة السياسيين لأصواتهم، وأخذ الكثير منهم يفاوضون على الخدمات مقابل التصويت في الانتخابات.

مجتمعات العشوائيات واقتصادها

تشهد المناطق العشوائية منذ عام 2003 ولغاية اليوم اتساعاً متزايداً، وقد بدت العشوائيات جنّة للمحتاجين إلى السكن، وأخذت تتطوّر وتنمو بسرعة كبيرة.ولا تخلو أيٌّ من البلديات ال16 في بغداد منها. ويقدّر عدد سكّان المناطق العشوائية في بغداد لوحدها بحوالي مليوني شخص، فيما يبلغ عدد المساكن العشوائية 136689 وهي تشكّل نحو 26 بالمئة (8) من عدد جميع هذه المساكن في عموم العراق، الأمر الذي يجعل بغداد تتربع على المرتبة الأولى بامتياز مقارنة بسائر المحافظات العراقية الأخرى.

وقد أخذت المحافظات وأطراف المدن تتحوّل إلى أماكن طاردة لسكّانها بعد انهيار الزراعة واندثار الصناعات الصغيرة، وتركّز سوق العمل داخل المدن، فضلاً عن عدم وجود قوانين منصفة للإيجار، وانعدام التعاملات المصرفية في الاقتراض، وتدمير وسائل النقل العام، ووضع الحواجز الأمنية الخانقة على بوابات بغداد. وهذا يجعل التنقل أمراً مكلفاً وشاقاً بين المدن وأطرافها ناهيك عن المحافظات فيما بينها.
وبناءً على ذلك، فإن أغلب سكّان العشوائيات في بغداد هم من العمّال المياومين الذين يكسبون أرزاقهم من الأعمال غير الثابتة الدخل مثل البناء أو الحمالة، أو من الذين يتكسبون أموالهم من معامل "البلوك"(أحجار البناء) والآجر التي نشأت بعض العشوائيات إلى جانبها نتيجة لتوفيرها مصدر رزق شبه ثابت، وإن كان قليل الدخل، للمهاجرين من داخل بغداد أو خارجها.

ولقد اتسعت أسواق بيع وشراء الأراضي في العشوائيات، وصارت دُورها وأراضيها متداولة على صفحات الإنترنت ولدى المكاتب العقارية، وصار لها أيضاً مقاولون يقدّمون خدمات مالية مثل تقسيط مبالغ البناء. وقد أخذت الكثير من العائلات الفقيرة وحتّى من الطبقات المتوسطة تلجأ إلى العشوائيات بدلاً من الاضطرار لدفع نحو نصف دخلها للمنازل المستأجرة. وهكذا العشوائيات صارت "أوطاناً" يمكن الوصول إليها والسكن فيها عوضاً عن المنازل الداخلة في التخطيط الأساسي لمدينة بغداد، والتي تتطلّب معجزة مالية أو هلاك المرء في أعمال قد تبتلع منه نحو 20 ساعة عمل يومياً لحوالي عقد أو أكثر ليستطيع الحصول على منزل بمساحة مئة متر أو أقل من ذلك.

وهذا قد يفسّر المناظر المتناقضة في بعض العشوائيات. فمثلاً يمكن رصد منازل بُنيت بتصاميم فخمة، وتقف إلى جانبها سيّارات تتجاوز أسعارها 50 ألف دولار. ويتساءل المرء: ما الذي يفعله شخص متمّكن كهذا في منطقة منعدمة الخدمات كهذه؟ وهناك تفسيرات عديدة لهذه الظاهرة، بعضها اقتصادي وبعضها اجتماعي. وعلى الصعيد الاقتصادي، مثلاً، لا يمكن للمرء الحصول على منزل بمساحة 200 متر أو أكثر في المناطق المرخّصة بأقل من ألف دولار للمتر الواحد، بينما ينخفض السعر في المناطق العشوائية التي بُنيت على أراض زراعية إلى نحو 200 دولار للمتر الواحد أو أقل. وهكذا، تعوّض مساحة المنزل غياب الخدمات في المنطقة.

اتسعت أسواق المتاجرة بالأراضي والمنازل في العشوائيات، وصارت متداولة على صفحات الإنترنت ولدى المكاتب العقارية، وصار لها أيضاً مقاولون يقدّمون خدمات مالية مثل التقسيط. وقد لجأ الكثير من العائلات الفقيرة، وحتى من الطبقات المتوسطة، إلى العشوائيات بدلاً من الاضطرار لدفع نحو نصف دخلها للمنازل المستأجرة.

ليس للعشوائيات في بغداد شكل محدد. فمنها ما بُني على أراضٍ بلا سند ملكية لشاغليها -حيث تعود ملكية 98 في المئة من الأراضي للدولة و2 في المئة لملاك من السكان. وهناك نمط آخر من العشوائيات التي بُنيت خارج المخطط الأساسي لمدينة بغداد، بتحويل الأراضي الزراعية إلى أماكن سكنيّة. وقد خَطّط هذه الأراضي مهندسون يعمل أغلبهم في البلديات، وقام هؤلاء بهذا العمل إما لقاء رشوة أو مقابل حصّة في الأرض. وبعض هذه الأراضي باعها المزارعون لتجّار متعاونين مع السلطة، وقام هؤلاء بتقسيمها وبيعها مع توفير الخدمات الأساسية لها مثل المياه والكهرباء، وأحياناً بناء مدارس ومستوصفات متواضعة من أجل رفع أسعارها.

وتشكّل عشوائيات الأكواخ والصفيح المبنية في بغداد نسبة ضئيلة من تلك التي بُنيت بمواد الآجر (48 في المئة) والبلوك والأسمنت (44 في في المئة) (9) . لقد استثمر سكّان العشوائيات كل ما يملكون من أجل بناء مسكن يسْعون إلى تطويره كلما سنحت الفرصة. يُبنى هيكل المنزل في البداية للطابق الأول من دون التغليف بالآجر أو البلوك، ويعتمد حجم العائلة وعدد المتزوجين فيها على عملية تطوير المسكن، فإما يتم تجميل الواجهات، أو يتم بناء طابق ثانٍ. ويبلغ المعدّل الوسط لسكّان الوحدة العشوائية سبعة أنفار. والعائلات في هذه العشوائيات تنمو بسرعة نتيجة لعلاقات القربى بين السكان، والتي تعتمد على الأعراف العشائرية لتسيير شؤونها. وهذا يعني أن الزواج المبكر وتوسع العائلات بالولادات سمة أساسية لدى سكان العشوائيات. ولا توجد إحصائيات واضحة عن نسبة وصول سكان العشوائيات إلى التعليم، أو عدد المدارس الموجودة فيها، إلا أن هناك خدمات يبتكرها السكان ببناء مدارس بسيطة من خلال جمع التبرعات والاتفاق مع وزارة التربية على رفدها بالمدرسين، ومن خلال فتح دكاكين صغيرة للممرضين الذين يقومون بدور الطبيب العام. ومع الالتزام بالسنن والأعراف العشائرية، تنتفي الحاجة لمراكز الشرطة للفصل بين السكان في الأمور القانونية والأمنية.

وتلعب علاقات القربى دوراً كبيراً في نشوء العشوائيات وتوسّعها، إذ تسحب العشائر أفرادها الواحد تلو الآخر إلى مناطقها لتشكّل مساحة يقطنها أبناء العمومة. وهناك مناطق تبلغ نسبة من يسكن فيها نحو 60 في المئة من العشيرة ذاتها (10) . يتضامن هؤلاء فيما بينهم في السرّاء وأيضاً، وعلى وجه الخصوص، في الضرّاء. ويعود انتقال بعض ميسوري أبناء العشيرة إلى المناطق العشوائية إلى كونها مركزاً لأبناء العمومة يوفّر حماية من النزاعات مع العشائر الأخرى، ومصدر قوّة قد تصل حتى الافتداء بالروح في حال حصول خلاف مع عشيرة أخرى.

بطبيعة الحال، تضمّ بعض العشوائيات، مثل مربعات صغيرة في معسكر الرشيد، خلطات مختلفة من المرفوضين اجتماعياً مثل بائعات الجنس، والغجر، والعصابات المختصة بالسرقة والخطف. وحصل هؤلاء على حماية الفصائل المسلحة لإدامة بقائهم، ذلك أن تعاوناً نشأ بين هذه الفئات والفصائل المسلحة يقوم على التخادم فيما بينهم. وبينما تؤمن بيوت ممتهنات بيع الجنس السهرات للمراتب الدنيا من القيادات في الفصائل المسلحة، فهي تحصل بالمقابل على حماية من أخطار الفئات الأخرى المجاورة لها في العشوائية، فضلاً عن الحماية من حملات السلطات الرسمية.

هناك خدمات يبتكرها السكان كبناء مدارس بسيطة من خلال جمع التبرعات، والاتفاق مع وزارة التربية على رفدها بالمدرسين، أو بفتح دكاكين صغيرة للممرضين الذين يقومون بدور الطبيب العام. ومع الالتزام بالسنن والأعراف العشائرية، تنتفي الحاجة لمراكز الشرطة للفصل بين السكان في الأمور القانونية والأمنية.

لا تمثّل الأعمال الخارجة على القانون استثناءً منحصراً في العشوائيات، فهي تُمَارس في جميع المدن العراقيّة وحتى في مراكزها. وقد بدت الكثير من الدراسات الأكاديمية التي حذرت من "الخطر الأمني" الذي تشكّله العشوائيات مثل تجارة المخدّرات والأعضاء البشريّة ضرباً من التعمية.

وتمارس عصابات الخطف أعمالها بأريحية، وتتقاسم مبالغ الفدى مع بعض الفصائل المسلحة، وهي في الوقت ذاته تقدم خدماتها بالمساعدة في عمليات خطف وإيواء المخطوفين الذين تقوم بإحضارهم الفصائل المسلحة. وعلى مدار 16 عاماً، جرى الحديث مرّات عدة عن إخلاء معسكر الرشيد من قاطنيه، إلا أن هذا الحديث سرعان ما تبدد أولاً لعدم إيجاد مكان سكن بديل لهذه الفئات، وثانياً لأن الفصائل المسلحة التي تمتلك أذرعاً في الحكومة والبرلمان لا تريد إزالة جنة تمارس فيها كل أعمالها من دون أن تتعرض لأي نقد اجتماعي، بينما لا خوف لديها من السلطة لأنّها جزء منها.

إلا أن الأعمال الخارجة على القانون لا تمثّل استثناءً محصوراً في العشوائيات، فهي تمارس في جميع المدن العراقيّة وحتى في مراكزها. وقد بدت الكثير من الدراسات الأكاديمية التي حذرت من "الخطر الأمني" الذي تشكّله العشوائيات،بسبب تجارة المخدّرات والأعضاء البشريّة ضرباً من التعمية، ولاسيما وأنها اعتمدت على مقاربة عشوائيات العراق مع بعض عشوائيات مصر، ما جعلها تقع في فخاخ التخيّل والاستنتاجات الجاهزة، من دون أن تنظر إلى الأسباب التي أدت إلى نشوء العشوائيات ولا القرابات الاجتماعية داخلها، ولا حتّى فوارق الطبيعة الأمنية بين العراق والبلدان الأخرى.

بالمقابل، حاولت الكثير من التصريحات الحكومية والمواد الصحافيّة شيطنة العشوائيات السكنيّة بوصفها مناطق تمثّل حالة استثنائية في الجغرافيا العراقية والنمط المديني. واتُهمت العشوائيات بالضغط على الخدمات مثل الكهرباء واستهلاك المياه الصالحة للشرب. إلا أن ذلك بدا، في غالبه، نابعاً من جانب السلطة من حاجتها لتبرير فشلها في تدارك الانفجار السكاني وحلّ أزمة السكن والخدمات. ولذلك تتحوّل العشوائيات إلى شمّاعة مريحة لتعليق جميع نقوص الخدمات عليها.

الأوطان البديلة؟

بالنسبة للسلطة وأحزابها، بدت هذه الأوطان التي يبتكرها السكّان مريحة طالما أنها تضمن لها المال عبر بيع الأراضي والأصوات في الفترات الانتخابية. استمر هذا الحال لأكثر من عقد ونيّف قبل أن يتغيّر المسار السياسي لأحزاب السلطة، وقبل أن تزداد شهوتهم للمال أكثر، وقبل أن يسعوا إلى تأبيد النظام الذي تأسس بعد احتلال بغداد في نيسان / إبريل عام 2003.

وأحدثت الانتخابات البرلمانية التي جرت في عام 2018 تحوّلاً سياسياً تغيّرت بموجبه طريقة التعامل الزبائني لأحزاب السلطة مع السكّان من خلال منحهم الفتات مقابل السيطرة على السياسة والموارد والمجال العام. لقد شهدت الانتخابات عزوفاً كبيراً قدّر بأكثر من 70في المئة من الناخبين. وعلى الرغم من ذلك، استطاعت الأحزاب تشكيل حكومة وفق صفقة بينها مخالفة للدستور حيث لم تحدّد الكتلة الأكبر داخل البرلمان. جاءت هذه الصفقة بعادل عبد المهدي، الذي لم يترشّح أساساً للانتخابات، رئيساً لمجلس الوزراء. شعرت الأحزاب بانتفاء الحاجة إلى الشعب.

وشكل ذلك ضوءاً أخضرَ لأحزاب السلطة للإيغال بمشاريعها التي تمعن بتحقير السكّان. وكان على رأس هذه المشاريع الشروع بهدم العشوائيات في بغداد والمحافظات وإزالة البسطات من الشوارع.

وهكذا، ومنذ صيف عام 2019، بدأت حملات لإزالة العشوائيات في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب. الوجه المعلن لهذه الحملة تنظيم النمط العمراني، أما باطنها فهو إعادة السيطرة على الأراضي التابعة للدولة من أجل إعادة استثمارها بمشاريع تجارية وسكنيّة (11) .

شعرت الأحزاب بانتفاء الحاجة إلى الشعب. فقد تشكلت الحكومة من خارج القواعد الدستورية، ولم يشارك 70 في المئة ممن يحق لهم التصويت في انتخابات 2018. مثّل ذلك ضوءاً أخضرَ لأحزاب السلطة للإيغال بمشاريعها التي تمعن بتحقير السكّان. وكان على رأس هذه المشاريع الشروع بهدم العشوائيات في بغداد والمحافظات وإزالة البسطات من الشوارع.

وعلى سبيل المثال، يُراد لمعسكر الرشيد أن يكون على غرار مطار المُثنّى الذي منح لشركة استثمارية عراقيّة تابعة لرجل أعمال مقرّب من الأحزاب الشيعية ليُبنى عليها مجمع سكني تتراوح أسعار الوحدات السكنيّة فيه بين 225 إلى 340 ألف دولار.

وعلى الرغم من مواجهتها عنفاً من قبل سكّانها، تمكّنت أمانة بغداد من إزالة نحو 3 في المئة من العشوائيات في بغداد حتّى نهاية أيلول / سبتمبر الماضي، في وقت صدرت فيه دعوات سياسية إلى إيواء من هُدمت منازلهم. شعر سكان العشوائيات بإهانة وظلم دفعهم إلى المشاركة في التظاهرات التي انطلقت في الأول من تشرين الأول / أكتوبر الماضي، وعاد الحديث عنهم وعن منازلهم في الكواليس السياسية وتحت قبة البرلمان ليتسم بالنعومة وليؤكّد على حقّهم في السكن وفي حياة كريمة. ويُنظر في هذه الأيام في أكثر من مقترح لتمليك الأراضي التي استوطنوها، بدلاً من مقترح سابق أراد تأجيرهم إياها لمدّة 25 عاماً. إلا أن هذه المقترحات تبدو غير مقنعة لهم. ولذلك يشكّل سكّان العشوائيات خطوط الصدّ الأمامية في ساحات التظاهر والاعتصام في بغداد والمحافظات.. ويبدو أن العشوائيات لم تعد كافية لهؤلاء كـ"أوطان". ولذلك شاركوا في التظاهرات وقُتلوا وجرحوا وهم يحملون شعار: "نريد وطناً".

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

1- محمد جاسم العاني وزهراء كامل كاظم الكناني: "مدينة بغداد تحليل لآليات الفعل الاقتصادي في النشأة والتطوير"، مجلة المخطط والتنمية العدد (19) 2008
2- محمد الطائي: "بغداد في قرن من المخططات الأساسية"، مجلة الآداب العدد (113) 2015
3- انتظار جاسم جبر وشروق نعيم جاسم: "تطوير البيئة الحضرية للمناطق العشوائية - مدينة بغداد انموذجاً"، مجلة البحوث الجغرافية العدد (23) 2016.
4- محمد علي ميرزا: "مستوطنات التجاوز في مدينة بغداد وبعدها الجغرافي"، مجلة كلية التربية الأساسية العدد (191) 2008.
5- هاشم جعفر عبد الحسن: "معالجة المناطق العشوائية ضمن المعايير التخطيطية السليمة"، المجلة العراقية لبحوث السوق وحماية المستهلك العدد (1) 2013 .
6- المصدر السابق
7- المادة (30) من الدستور العراقي، ثانياً: "تكفل الدولة الضمان الاجتماعي والصحي للعراقيين في حال الشيخوخة أو المرض أو العجز عن العمل أو التشرد أو اليتم أو البطالة، وتعمل على وقايتهم من الجهل والخوف والفاقة، وتوفر لهم السكن والمناهج الخاصة لتأهيلهم والعناية بهم، وينظم ذلك بقانون".
8- وزارة التخطيط: "خطّة التنمية الوطنية 2018-2022".
9- جمال باقر مطلك وحيدر رزاق محمد الشبر (تحديد مقترحات لحل مشكلة السكن العشوائي / دراسة تحليلية لمدينة بغداد للفترة من 2003 - 2008) مجلة المخطط والتنمية العدد (33) 2016
10- محمد علي ميرزا: "مستوطنات التجاوز في مدينة بغداد وبعدها الجغرافي"، مجلة كلية التربية الأساسية العدد (191) 2008
11- محادثة هاتفيّة مع مصدر سياسي

مقالات من العراق

للكاتب نفسه

العراق الشاب.. أعزلٌ في وجه "اللادولة"

عمر الجفال 2019-10-22

تندّر السياسيون على دعوات الشباب للتظاهر قبل انطلاقها بساعات. عاملوهم على أنّهم قاصرون. أطلقوا عليهم لفظ "العوام": لا يستطيعون تنظيم أنفسهم، غارقين في الجهل، يصعب فهم لغتهم التي يروّجون فيها...