الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا: أسئلة واحتمالات..

هل هي "الحيلة" التي وجدها ترامب لإرباك بشار الأسد الذي يَعتبر أنه انتصر (هو الآخر!) في الحرب التي دارت في بلاده وعليها (وخلّفت اكثر من 400 ألف ضحية ودمار مروع). أي أن الرئيس الأمريكي يستل وسيلة لإشغال دمشق وتحجيم سلطتها وإبقائها في موقف دفاعي، وكذلك إرباك روسيا وإيران، وزعزعة التحالف الثلاثي الناشئ حول سوريا..
2018-12-20

نهلة الشهال

رئيسة تحرير السفير العربي


شارك

الرئيس الامريكي يحب التغريدات الى حد إعلان قراراته الكبرى عبرها. هكذا بالنسبة لقراره سحب الـ2200 عنصر من القوات الخاصة الامريكية من شمال شرق سوريا. هو يعلن بتعالٍ قطعي منيع، ويترك الآخرين يتخبطون، ويُسعَد كلما أثار الارتباك والقلق.

يخالف قراره هذا - وإعلانه كتبرير له ان "النصر على داعش قد تحقق" - جيمس ماتيس وزير الدفاع ، ومعه كبار الجنرالات، وكذلك وزير الخارجية، وسيناتورات من أعتى صقور الحزب الجمهوري ومن أكثرهم قرباً منه، وحتى جون بولتون مستشاره الخاص لشؤون الأمن، الذي يَعتبر أن مجابهة إيران تستلزم حضوراً أمريكيا ميدانياً في سوريا، كما قال في الامم المتحدة في أيلول/ سبتمبر الماضي ("لن نذهب طالما هم هنا"). وكان البنتاغون يقول في آب/ أغسطس الماضي أنه ما زال هناك 14.500 عنصر من داعش في سوريا، يمكنهم أن يشنوا هجمات وحروب عصابات فيها.

يعتبر الجميع بأن القرار متفرد ولم تسبقه إستشارات، وأن النقاش مع الرئيس لم يَستكمل بعد، وتتسرب أخبار عن محاولات لثنيه عن الإعلان الذي أبلغ به هؤلاء قبل ساعات فحسب من تغريدته، بما في ذلك قادة القوة في سوريا. بل يقال أن "منظمات مجتمع مدني" أمريكية تتولى توفير الاعانات للسكان في الرقة قد طُلب منها ترتيب مغادرتها خلال 24 ساعة... وتبدي إسرائيل إمتعاضها وإنْ بكتمان، كما حلفاء واشنطن من الموجودين معها ميدانياً في سوريا، كبريطانيا وفرنسا.

صحيح أن ترامب كان قد قرر شيئاً مشابهاً في نيسان/ إبريل الماضي ثم تراجع عنه أو أجّله. وصحيح أنه قال أثناء حملته الانتخابية أنه لن يتورط بخوض حروب بشكل مباشر، وتباكى بعد تغريدته تلك على الخسائر في الارواح (الامريكية)، وكم يفطر القلب ابلاغ عائلاتها برحيلها. بل وفي طلعة درامية – مبتذلة - استنطق هؤلاء "الابطال الذين تفخر بهم الامة"، قائلاً انهم "ينظرون اليه من علٍ وفرحون بقراره".. بل وتحدث عن مصالح أمريكا العليا وكيف هي أولاً، وأن الملحّ هو حماية الحدود مع المكسيك.

لكن ذلك كله ليس الدافع. فهل حقاً هو قرر إرضاء تركيا، ركيزته الاساسية في الطرف الجنوبي من حلف الناتو من جهة، والتي اتجهت من جهة ثانية الى تعزيز علاقتها السياسية بموسكو ( فشكلت معها ومع إيران "مجموعة آستانة"، ويشترك الثلاثة حالياً في مفاوضات لصياغة دستور سوريا الجديد)، بل قررت شراء منظومة أس 400 الصاروخية من روسيا قبل أن يهرع الامريكان الى الموافقة على بيعها منظومة "باتريوت" ب 3.5 مليار دولار؟

أم هي "الحيلة" التي وجدها ترامب لإرباك بشار الأسد الذي يَعتبر أنه إنتصر (هو الآخر!) في الحرب التي دارت في بلاده وعليها (وخلّفت اكثر من 400 ألف ضحية ودمار مروع). وسيلة للضغط عليه وتحجيمه وإشغاله وإبقائه في موقف دفاعي. موقف ترامب يفتح الطريق أمام تركيا للدخول الى كل شمال سوريا بحجة محاربة الاكراد، وبالاخص منهم "قوات سوريا الديمقراطية" التي تقودها "وحدات حماية الشعب" الكردية، الفصيل المنبثق عن "حزب العمال الكردستاني" (PKK)، عدو أنقرة اللدود؟ وهذه تريد منع الأكراد من تحقيق تواصل في السيطرة الميدانية على الأرض، وأبلغت ترامب أنها تنوي شن حرب عليهم خلال أيام. ويبدو أن تلك العملية ستبدأ من "تل أبيض" حيث أغلبية السكان من العرب المؤيدين لتركيا، ثم منبج التي تبعد 30 كلمتراً عن حدودها، والتوغل ربما الى مواضع أكثر عمقاً، كالرقة وبعدها دير الزور.. حيث تصبح المعادلة مختلفة. ويتباهى أردوغان بأنه شرح خطته في اتصال هاتفي مع الرئيس الامريكي، قبل يومين من تغريدة هذا الاخير، ونال عليها "جواباً إيجابياً"! وقد قامت تركيا سابقاً بعملية مماثلة في جرابلس وأعزاز وعفرين، (كانت كلها محدودة، ولم تُثر وقتها ردود أفعال روسية او سورية عنيفة لاختلاف المعطيات آنذاك).

هل سيذهب الاكراد - كالعادة ومرة أخرى - ضحية حسابات الدول الكبرى؟ هم اليوم يهددون بأنهم ساعة الدخول العسكري التركي (لذبحهم) والذي يؤيده وسيقاتل الى جانبه "الجيش الحر"، سيطلبون من السلطة السورية "تحمّل واجباتها". وهذا يعني حرباً جديدة في سوريا!

.. أم إننا نبحث عن عقلانية (يفترض أن وجودها مؤكد) لقرارات شخص بمكانة رئيس الولايات المتحدة الامريكية، حتى لو كانت تلك العقلانية خفية. نبحث عن الخطة الضمنية والتخطيط الشيطاني.. وقد نكون هكذا بصدد إسقاط ما وجدناه على الموقف، وافتراض أن أقوال وأفعال مسؤول في موقع الرئيس الامريكي لا يمكن أن تنبع من التفاهة مثلاً - بغض النظر عن الواقعة الحالية والموقف منها – أو عن خطأ في التقدير..

مقالات من سوريا

للكاتب نفسه

فلسطين: كيف نهزم أنفسنا؟

هؤلاء ينتمون الى الهزيمة، بنية وأفكاراً وسلوكاً. وهي - هذه وليس أي شيء آخر - أزمة العمل الوطني الفلسطيني. هذا ما يحددها وليس صعوبة معطيات المسألة الفلسطينية أو تعقيدها الشديد...

عاشت الجزائر!

.. وأما "أطرف" ما في الأمر فهو حين تُفلس تماماً هذه الانظمة بحكم تمرد الناس على سوء أحوالها، أي حين يفشل الضبط السالف. فماذا تقول حينها؟ أن خطر "الفوضى" يتهدد...