نظرة نقدية على الاقتصاد غير المهيكل في الجزائر: اجتثاث أو إدماج؟

جرت محاولات لشرعنة الاقتصاد الموازي في الجزائر عبر تيسير إدماج العاملين فيه في المعايير المعتمدة للاقتصاد العادي، من دون أن يبدو أن هناك نجاحاً في تحقيق ذلك.
2018-06-07

محمد صايب موزات

مختص في علم الاجتماع ومدير أبحاث في "مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي للتنمية"، الجزائر


شارك
| fr
همام السيد - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزءا منه طالما يتم نسبته للمصدر.

منذ اختراع التسمية في سبعينات القرن الماضي من قبل عالم الأنثروبولوجيا كيث هارت ثم من طرف المكتب الدولي للشغل في "تقريره حول كينيا"، اكتسب تعبير الاقتصاد غير المهيكل دلالات مختلفة، وكان موضوع سلسلة من التحليلات النظرية سيكون من الممل العودة اليها. وهذا الاقتصاد يوجد في البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء.

في الجزائر، إجماع حول اعتبار كل نشاط غير مصرح به لدى مصالح الضمان الاجتماعي كاقتصاد غير مهيكل نظرا لأن الانخراط في منظومة الضمان الاجتماعي إجباري قانوناً. يمكننا أيضا أن نتساءل إن كان هذا المعيار دقيقاً بشكل كاف لتصنيف الفاعلين. وبكل الأحوال، ففي البلدان التي لا تفرض الانخراط في منظومة الضمان الاجتماعي، يجب اعتبار نسبية هذا المعيار.

ومع ذلك، فإن الزيارة الى هذا العالم لن تكون يسيرة. يمكننا ولوجه من باب "العمل"، أو بعبارة أخرى العامل وصاحب العمل. يتركّز هذا المدخل حول الفرد الذي يعمل من دون تغطية اجتماعية او الذي يشغّل شخصاً، بعقد عمل أو بدونه، مع غياب أي ضمان ما يعتبر مخالفا للتشريعات المنظمة لسوق العمل. لكن في هذه الحالة تحديداً وحده صاحب العمل يمكن أن يتعرض لعقاب إداري من طرف هيئة التفتيش. الأجير يعتبرا إذا ضحية في مثل هذه الحالة. وهذه الطريقة في تعديل سوق الشغل تبدو للوهلة الأولى كمظهر لخلل بنيوي في الاقتصاد بمجمله.

حسب المعطيات الإحصائية الجزائرية الصادرة في 2017، هناك أكثر من 6.2 مليون شخص غير منخرط في منظومة الضمان الاجتماعي مقابل 4.7 مليون شخص فقط يتمتعون بالتغطية، وهذا ما يعطي نسبة عدم انخراط تقارب 57 في المئة من العاملين، وهم يشتغلون إذاً في الاقتصاد غير المهيكل. يمكننا كذلك - وحسب المعطيات الرسمية - أن نقدر النسبة وفقا لعدة مؤشرات: السن، الجنس، الحالة المدنية، مكان العمل، الوضعية المهنية، القطاع الاقتصادي.. وهكذا يمكن فك شيفرة هذا العالم حسب الأشخاص والعائلات بالإضافة الى القطاعات الاقتصادية. يمكن إذاً تحديد هؤلاء من زاوية اجتماعية وكذلك تنظيمية.

المقاييس

ولكن هذه السهولة في التحديد تثير أسئلة: لماذا يوجد هذا النمط من الاقتصاد؟ ولماذا لا يتم ضبطه؟ وجود هذا النمط من الاقتصاد يبدو انه لا غنى عنه لسير الاقتصاد العام وسوق الشغل. وجوده جنبا الى جنب مع الاقتصاد "العادي" المعاصر هو أمر واقع وحتى "متسامَح معه" لأنه يلعب دور صمام أمان لتفادي الصراعات الاجتماعية وضمان السلم الاجتماعي في البلاد. وفي مجمله، مكّن هذا النمط من الاقتصاد من تقليص نسب البطالة بشكل جوهري لتنتقل من 30 في المئة عام 2000 الى 12 في المئة عام 2017.

مع هذا فإن السلطات الجزائرية لا تتوقف عن القول بأن هذا النمط من الاقتصاد مضر بتوازن مداخيل الصناديق الاجتماعية والضرائب ويمّس بالصحة الاقتصادية للدولة. تختلف تقييمات مساهمة الاقتصاد الموازي في خلق الثروة: تقدر بحوالي 40 في المئة من الناتج الداخلي الخام. ولكن، والى حد اليوم، لا توجد دراسة ميدانية مباشرة حول الاقتصاد الموازي (1) حتى وإن كانت هناك بالتأكيد عدة دراسات اقتصادية جزئية وتقارير والكثير من الخطب عبر معطيات بحث الشغل لدى الديوان الوطني للإحصائيات في الجزائر.

تُظهِر المعطيات الإحصائية الجزائرية الصادرة في 2017 أن هناك أكثر من 6.2 مليون شخص غير منخرط في منظومة الضمان الاجتماعي، مقابل 4.7 مليون شخص فقط يتمتعون بالتغطية، وهذا ما يعطي نسبة عدم انخراط تقارب 57 في المئة من العاملين، الذبن يصنفون إذاً في الاقتصاد غير المهيكل.

وظيفة الاقتصاد غير المهيكل لم تعد موضوع نقاش: تضمن السلم الاجتماعي وتساهم في تكوين الثروة الوطنية. ما العمل؟ هناك حلول يوصَى بها لدى الخبراء في مكتب العمل الدولي الذي يصدر منذ زمن طويل تحليلات حول هذا النمط من الاقتصاد. والخلاصة أن النظام الرأسمالي بحاجة لمثل هذا الاقتصاد لاستمراره ونموه. والتوصية الأساسية تتمثل في إدماج هذا النمط في الاقتصاد النظامي العصري أي تنظيم انتقاله إليه، خصوصا في الدول النامية. هناك تدابير يوصى بوضعها لتنظيم هذا الانتقال بأقل صدامات ممكنة. فهذه ايادي عاملة مفيدة للنظام الليبرالي لإنتاج السلع والخدمات.

يجب في مرحلة أولى ان يكون هناك فرز حسب مبادئ شرعية الأنشطة الاقتصادية. وهذه الشرعية متروكة لمنظومة قيم المجتمعات. يمكن إخضاع الأنشطة التي يتم اعتبارها شرعية لمعاملة قانونية مع إجراءات مرنة ومحددة في الزمن: مثلا يمكن وضع نظام "تسوية وضعية" تدريجي بدون أثر رجعي. بعبارة أخرى يمكن أن تقنن الأنشطة غير المهيكلة بنسب ضريبية ضعيفة وميسرة، دون فرض غرامات على من مارس في الماضي عملا بلا تغطية اجتماعية. التدابير نفسها يوصى بها لجذب أموال الاقتصاد الموازي نحو البنوك.

في مرحلة ثانية، يجب اقصاء "الأنشطة غير الشرعية" من الاقتصاد الموازي. هذه الأنشطة لا تحترم المعايير الاجتماعية السائدة وتصنف كأنشطة مدانة حسب الاتفاقيات الدولية المختصة. تدخل في هذا التصنيف أنشطة التهريب وتقليد السلع والخدمات الممنوعة حسب التشريعات المحلية، والمتاجرة بالمهاجرين والاسترقاق.. ويجب وضع تدابير لمكافحة الفاعلين الذين يعملون في هذه الأنشطة.

مسألة شرعية الأنشطة الاقتصادية تختلف حسب تشريعات البلدان. بعض الأنشطة يمكن اعتبارها شرعية في بلد ما في حين تعد غير شرعية في مجتمعات أخرى، كالصناعة المرتبطة بالجنس أو انتاج واستهلاك القنب الهندي. هذه التوصية المقدمة من قبل مكتب العمل الدولي يحسب لها تمييزها ما بين الاقتصاد الموازي "السليم" والاقتصاد التحتي الذي ينشِّطه فاعلون منظمون في شبكات عابرة للحدود حسب مقاييس الشرعية التي يجب ان تترجم في التشريعات الوطنية.

الإجراءات التي اتخذتها الدولة

الاجراءات التي قررتها الدولة الجزائرية لمكافحة الاقتصاد الموازي تتلخص الى حد اليوم في تحركات مركّزة يفترض بها ان تظهر إرادة اصلاح الخلل البنيوي لسوق الشغل. هناك عمليات تجرى بشكل دوري أو فجائي ضد "الأسواق الموازية" كالباعة الذين يعملون في الشارع بدون ترخيص ويعرضون منتجات من كل نوع. عمليات "التمشيط" هذه تتوج بمصادرة البضائع المعروضة للبيع بأسعار لا يمكن منافستها من قبل قطاع التجارة المهيكلة. تمّ أيضا إطلاق عمليات موجهة للادخار غير الرسمي عبر السماح للذين يملكون سيولة مالية كبيرة بإيداعها في البنوك دون التصريح عن مصدرها. أطلقت عمليات أخرى موجهة للعمال لتشجيع المؤسسات الصغرى في إطار التدابير التي تهدف الى خلق أنشطة وفرص عمل بدعم من الدولة، اما عن طريق مساعدات مباشرة أو عبر قرض بنكي بدون فوائد يتم سداده وفقا لرزنامة.

الحالة المتعلقة ببعث المؤسسات في إطار القروض الصغرى تثير الاهتمام من عدة جوانب. وهكذا يتم خلق أنشطة اقتصادية منزلية بمساعدة من الدولة لشراء مواد أولية. هذه الأنشطة يفترض أن تساعد العائلات التي ليس لها موارد مستقرة أو لا دخل لها أصلاً. لكن الأنشطة الاقتصادية المنزلية تصنف ضمن الاقتصاد الموازي. والشيء نفسه ينطبق على الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، هو جزء من الاقتصاد ما زال غير ممارس في الجزائر. وهناك عدد كبير من الجمعيات ("المنظمات غير الحكومية")، تنتدب أشخاصا للعمل بصفة مستمرة دون أي انخراط في منظومة الضمان الاجتماعي.

الملاحظات حول حركية وجوهر الاقتصاد غير المهيكل لا يمكن أن تحلل خارج منطق النظام الرأسمالي العالمي الذي يواصل نموه بشكل أكبر في اقتصاديات "الثلاثية" المهيمنة (أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا)، تاركا للأطراف اقتصادات خاضعة يُفترض بها توفير أيادي عاملة رخيصة أو المواد الأولية الضرورية للإنتاج.

الاجراءات القليلة هذه تظهر جيداً ان هناك إرادة لإدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد العادي العصري. ولكن هذا الإدماج، وعلى الرغم من أنه موجّه، فهو لا يقيم أي تمييز ما بين الأنشطة الشرعية وتلك غير الشرعية. إذا هناك شرعنة اجتماعية للتشغيل غير المهيكل بدأت تفرض نفسها.

تتأتى حركية الاقتصاد غير المهيكل خاصة من عدم التناسب ما بين العرض والطلب (الضعف في خلق فرص العمل في القطاع العصري وتزايد قوي لعدد طالبي الشغل)، و"تكلفة" التشغيل التي يتحملها صاحب العمل (أتاوات، ضرائب ونفقات تعتبر مرتفعة جدا) في القطاع العصري. هذه القراءة للإقتصاد الموازي تستدعي مراجعة عميقة "للحق في العمل" الذي يفترض ان الدولة تضمنه. هناك مشروع تمهيدي لقانون شغل جديد منذ عدة سنوات ولكنه ما يزال في طور النقاشات. يفترض بهذا المشروع التمهيدي ان يقدم لسوق الشغل إطار تشريعي يمكّن الدولة من لعب دور تعديلي للنشاط الاقتصادي. ويذهب المشروع التمهيدي في اتجاه تجريم أي نشاط اقتصادي غير مهيكل.

هذه الملاحظات حول حركية وجوهر الاقتصاد غير المهيكل لا يمكن ان نقوم بها خارج منطق النظام الرأسمالي العالمي الذي يواصل نموه، بشكل أكبر في اقتصاديات الثلاثية المهيمنة (أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا)، تاركا للأطراف اقتصادات خاضعة يفترض بها توفير أيادي عاملة رخيصة أو المواد الأولية الضرورية للإنتاج.

مع ذلك، فتقسيم العالم ما بين اقتصاد مهيمِن اقتصاد خاضع ليس آليا. إذ يعبر النظام الرأسمالي العالمي الاقتصادات الخاضعة بواسطة فروع الشركات العابرة للقارات التي تخرق القواعد الاقتصادية بدعم من طبقة من المقاولين تعيش من الريع النفطي، كما هو عليه الحال في الجزائر، وهي بلد افريقي يحاول الصعود.

دخول الاقتصاد الجزائري في مسار العولمة أعاد هيكلة المجتمع الجزائري. هذه الهيكلة الاجتماعية انتجت من جهة أثرياء جدد ليست لديهم في اغلب الأحيان ثقافة الطبقة "البرجوازية" ومن جهة أخرى ظهرت أيضا الطبقات الفقيرة مع الطبقات الوسطى. الفاعلين الاجتماعيين في الاقتصاد الموازي ليسوا بمثل هذا الوضوح. اعتقدنا لفترة ان الاقتصاد الموازي يقوم أساسا على الطبقات الوسطى، التي وبسبب تدني اجورها تلجأ لأنشطة تكميلية لكي تتدبر أمرها. وأما بالنسبة للطبقات الشعبية، فأغلب الفاعلين هم عمال بأجور بخسة يعملون في القطاع الخاص الناشئ. هناك آخرون يعملون في بيوتهم أو في أماكن غير ملائمة، لكي ينتجوا حسب الطلب لفائدة أصحاب الطلبيات الذين يتوفر لديهم رأس المال الضروري ومؤسسة قانونية.

لهذه الهيكلة المجتمعية تبعاتها الاجتماعية. الصراعات الاجتماعية جلية وهي في غالب الأحيان مصحوبة بأعمال عنف مباشر وغير مباشر. يعمل السُلَّم الاجتماعي هنا بشكل فوضوي مع حركات هبوط وصعود دائمة، وفقاً لموازين القوى بين المقربين من مراكز القرار والذين يرفضون الولاء للسلطات الراهنة.

_________
1- توجب انتظار سنة 2017 ليتم اطلاق دراسة نموذجية من قبل مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية بالشراكة مع وزارة التجارة.

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من الجزائر