عن ذهب العارفين وعبقرية السالكين

التصوف في عُمان: إضاءة على تحقيق إبراهيم بن سعيد لـ"نفائس العقيان" للشيخ الرئيس أبي نبهان..

2017-12-27

سعيد سلطان الهاشمي

باحث من عُمان


شارك
رشيد قريشي - الجزائر

لا غرابة فيما نشهده من رواج هائل لأدبيات التصوّف في هذا العصر، حيث الإنسان يعيش حالة مركبة ومرتبكة من الاغتراب والشعور بانعدام المعنى. هواء مُشبع بالصراعات والضغائن، حروب مفتوحة ومجانية بلا سبب، كراهيات متحفزة لتخصيب الموت تحتشد وراءها عصبويات مفتوحة الشهية لتزويدها بعداوات ودسائس لا قعر لها. لكن هذا التسابق المحمود إلى نبش تراث المتصوفة ورميم أقطاب العشق الإلهي لبعث أعمالهم وتقديم ترِكاتهم في أشكال عدة: روايات، قصص، أشعار، دراسات وغيرها.. قد يقلّ العَجب منه قليلاً إذا ما أدركنا أن إنسان هذا الزمان يبحث عن تعلق أكثر سمواً ورفعة من حياة التسليع والاستهلاك الغارق فيهما بكليّته، هارباً من نمط العبودية والاستلاب.

التصوّف في عُمان منهج عتيق. وهو على الرغم من عدم ثبوت اتّصافه بالطُرقية والطقوسية، كما هو حال التصوف في مناطق شمال أفريقيا وبلاد الشام والعراق ومصر وتركيا وإيران، إلا أن له معماره المكتمل، في الأدب خاصة، وفي السلوك الشخصي على وجه الدقة.

وعلى الرغم من أن ما سبق من قول يحتاج إلى الاختبار والنقد، حتى لا نُمعن في المسلّمات والأحكام المرسلة والمريحة للذهن، إلا أن ما يُسعف كل باحث وراغب في هذا المقام هي وفرة الفيوضات الصوفية في الشعر العماني، وهي أكثر من أن تُحصى. بل وأثبتت التجربة التاريخية بأن التصوف كسلوك ومنهج غدى ملاذاً عاصماً للكثيرين عندما طحنت الإنسان في عُمان الفتن والحروب الأهلية على امتداد قرون ليست بالقصيرة.

الشاعر العُماني إبراهيم بن سعيد عُرف في محيطه بشغفه بالمطلق، كاتب لا يكلّ من ملاحقاته الملّحاحة للحب. ولأنه في الأصل باحث مغرم بالجمال أينما لاحت بوادره، نجده يتفنّن في القبض على تلك المفاجآت التي يُجيد الاشتغال عليها بصبر.

يأتي بن سعيد هذه المرة بمُنجز لافت، لم ينل حقّه من العناية والاهتمام لكثرة الغث الذي يحيط بنا ولسطوة الرداءة. لإصداره الأخير قيمة كبيرة على مستوى الشكل والمضمون والجِدّة والمعنى والإضافة والمنهج والجهد.. وحتى الزمن: زمن الاشتغال والزمن المقارن. وضع إبراهيم نفسه في اختبار حقيقي لجدليات التقليد والحداثة، الشعري والفلسفي، الروحي والحسي. وعلى الرغم من كل ذلك فعمله الأخير توارى بين أكوام المزيّف واللامع التي تحاصرنا بها منصات الدعاية والإعلان. بيد أن الرهان الذي يُعوّل عليه هو في القيمة لا في الاحتفاء، في الضياء لا في البريق.

"الوصول إلى الله الخالص"

في مطلع العام 2017، نشر بن سعيد تحقيقه لمخطوطة "مُهمَلة" لديوان أبي نبهان: نفائس العقيان، للسيد الرئيس الشيخ جاعد بن خميس الخروصي. هذا الكتاب الذي تكفلت بنشره مؤسسة ذاكرة عُمان، والذي يتمدد على 400 صفحة تقريباً، هو بمثابة عملية بعث مدهشة لتجربة روحية عميقة لشيخ التصوف العماني الأبرز أبي نبهان. عملية يجدر بها أن تكون فاتحة أعمال تنقيب وحفر وبحث مستدام، لكشف جواهر وأسرار التجربة الصوفية في عُمان، المُغيبة/ الغائبة عن الفضول الجمعي في المحيطين العربي والإسلامي.

يُثَمّن لبن سعيد مثابرته المدفوعة بالحب في إعادة تقديم هذا المخطوط بلسان العصر عبر مقاربات معرفية أقرب لعقول هذا الزمان، وبحواشٍ ثريّة وشروحات وافية، موصولة بمدارس التصوف ومناهجه وأدبياته ورموزه البارزة.

تحقيق كتاب شيخ التصوف العماني الأبرز عملية يجدر بها أن تكون فاتحة أعمال تنقيب وحفر وبحث مستدام، لكشف جواهر وأسرار التجربة الصوفية في عُمان، المُغيبة/ الغائبة عن الفضول الجمعي في المحيطين العربي والإسلامي.

ينتصر هذا العمل لدور الفن والشعر في مواجهة العالم الإنساني المحطم، إذ يروم إلى إعادة السلام إلى روح الإنسانية المشوشة، التائهة والمغيبة عن الوعي بحقيقة ذاتها وبحقيقة الوجود. يقول بن سعيد في مقدمته: الشعر الذي يضمه هذا الكتاب سنجد أن الشيخ إنما يسعى للغاية نفسها والدور والهدف ذاتهما، ألا وهو إرشاد التائهين وإعادة الضّالين ودلالة من تقطّعت بهم السبل إلى طريق السالكين ودرب المحبين، سعياً إلى إعادة الناس أجمعين إلى الحق وحومة السلام، ولا سلام أكبر من السلام نفسه.

يسرد المُحقق قصة عثوره على المخطوطة وفرحه الكبير بها. كما لم يُفوت فرصة كشف السر الذي جعله يعزم الأمر على تحقيق المخطوطة المطمورة لأكثر من قرنين. السر كله كان في "البيت العجيب"، الشعر الذي كثّف المعنى، الذي هو ليس أكثر من "الوصول إلى الله الخالص" المتجاوز لكل المذاهب والطرائق والأديان المحتكِرة للحقيقة.. والمحتقرة لكل إنسان لا ينضوي تحت راياتها المتحولة. هذا ما يقدمه مضمون المخطوطة ونصوصها "ذلك الذي يقبض على اللحظة التي نتجاوز فيها مذاهبنا الضيقة وانتماءاتنا الاجتماعية إلى فضاء الكون الرحب وإلى سر الحياة […] وأن الأديان لا تستطيع أن تحتكر الحقيقة الواحدة وأن تعادي سواها، لأنها جميعاً مجرد رموز ورسائل وطرق إليه، هو الرفيع الذي تبدأ منه كل الطرق وإليه تنتهي".

هذه الخلاصة، هذه الغاية العليّة التي يزعم أهل زماننا أنهم واصلوها بفعل ثقافة الانفتاح والتفاعل الرقمي، كانت مُودعة في شعر أبي نبهان منذ أكثر من مئتي عام:

وجميع ُ ما تحت الوجودِ بأسره   من جُوده الموجود فهو رسائلُ

حتى الشرايعُ والحقائقُ كُلّها     نورُ الطريقةِ للمريدِ مشاعلُ

لا تدهشَنَّ من البريق ولا تكُنْ    في حيرةٍ وعميً كأنكَ باقِلُ

فالصالحاتُ لوازمٌ ونوافلُ       كلٌ إليه مناهجٌ ووسائلُ

وجميع أنواع الديانةِ كُلُّها       للرَّايدين مَكارعٌ ومناهلُ

فانهلْ وعلَّ ولا تملَّ نمِيرَها      يا ناهلاً نِعمَ الذي هو وَغِلُ

وجد إبراهيم إذاً في شعر أبي نبهان "ما يشبهه"، وجد الروح التي هي الغاية والأمل. لهذا رأى أن يقدّمها للقارئ "لأنها مكتوبة إلى المستقبل وليس إلى الماضي".

كتابة للمستقبل وليس للماضي

يتكوّن الكتاب من أربعة أجزاء، إضافة إلى المقدمة والملاحق والتعريف بالشيخ الرئيس "أبو نبهان".
 أفرد المُحقق الفصل الأول لقصائد الحب الإلهي والتصوف. أمّا في الفصل الثاني فوثّق علم الحكمة والكيمياء شعراً، ثم جاء في الفصل الثالث بالجوابات (أي الرسائل( والمسائل التي تبادلها الشيخ الرئيس مع أقرانه ومريديه. بينما أتى الفصل الرابع على الإخوانيّات التي خطّها الشيخ في المحبة والصداقة لبعض مجايليه وشيوخه وأساتذته وأولاده، تقريظاته ومراثيه لمن رأى أنهم يستحقون مشاعره وأحاسيسه، بدءاً بالفقيه الكبير أبي سعيد الكُدمي، مروراً بصديقه الشاعر الغِشري، وليس انتهاءً بالقطّ "السِنّور"، "شعفار" الذي صوره كعابد متصوف يسيح في الأرض متعبداً الله، يقطع الليل بالواوات تسبيحاً كنايةً عن صوت القط العزيز الذي فُجع بقتله، "وخلّى الدارَ مقفرةً تبكي عليه بدمعٍ سال مِدرارا".

سيجد القارئ شرحاً مفصلاً من المُحقق للطرائق العلمية التي سلكها لإبراز جوهر المخطوطة، والمنهج الذي اتّبعه في التحقيق والبحث عن المخطوطات المسانِدة والمساعِدة على ما استشكل عليه من معنى ومبنى في المخطوطة الأصلية، متتبعاً أسباب الحظ العاثر الذي أودى بهذا الكنز إلى النسيان والإهمال والتهميش.

يحفل الكتاب بلغة منحوتة بشغف، بسيطة، دقيقة، كاشفة لحالات التجلي والعرفان التي كانت تغمر صاحبها طوال حياته. لغة تتسامى عن كل صغائر الحياة مهما عظُمت، لتستحق بلوغ مصدر الأنوار الأبدي.

للشيخ رسائل وآراء وجوابات متقدمة على أهل عصره وزمانه في الحرب والسلم والأخلاق. من الأمثلة على ذلك، رسالة في حكم القهوة الذي عارض فيها تحريمها كما ذهب إلى ذلك من سبقه من الفقهاء. لذلك تدين القهوة وانتشارها الواسع والجذري في عُمان إليه!

تتجلى اللغة، على سبيل المثال في قصيدة "حياةُ المُهَج". والمُهج جمع مُهجة، وهي لغةً: دم القلب. هذه القصيدة التي شرحها الشيخ أبي نبهان بنفسه، ليُبرهن بها عنايته وحرصه على كشف السبل التي يسلكها أحباب الله وخاصتّه إلى ما يصقل أرواحهم، وما يُداوي جراحهم، وهم يعبرون ألم الحياة ووجع الوجود.

وهناك قصيدة "قاف الوادي المقدس" التي لا يفتتحُ الشيخ الرئيس صدر البيت بحرف القاف ويقفل عجزه بالقاف نفسها فقط، بل أن اللفظة الفاتحة للبيت التالي ما هي إلا معكوسة اللفظة الخاتمة للبيت السابق لها، في تحدٍ لافت للقدرات المُعجمية في اللغة، والطبقات الرفيعة لمعارج الوجدان المُودعة في روح هذا العارف الكبير:

قَهَرَتْ زِمام النفس عن سُبل الهوى      وبنارِها الشيطانَ صارت تُحرقُ

قَرَحَتْ عزايِمُها خنادقَ بِرِّهَا          وجنودها بهم تُحيطُ وتُحدِقُ

أما قصيدة "قاف بوادي الملك" فتتجلى فيها عبقرية أخرى إذ يردُ في تقديمها "هذه القصيدة تكتب دائرة وهي على قافية القاف، ويوضع القاف وسطها ومنه المبدى واليه الرجعى على كل بيت". ولحرف القاف مكانة خاصة عند أهل التصوف، فهو الحرف المعطوف على القرآن في الكتاب "ق والقران المجيد"، قاف إشارة إلى جبل يُحيط بالعالم. قال ابن عربي في الفتوحات "جبل قاف جبل عظيم طوق الله به الأرض..".


اقرأ أيضاً: أن تكون صوفيا في محيط سلفي


وهنا يجدر التنبه إلى الوصل الوجداني والتخاطر الروحاني الذي تميزت به أشعار الشيخ الرئيس أبي نبهان مع عيون الإرث الصوفي الإسلامي، وهو الإنسان المعتزل في مسكنه البسيط في قرية العليا من جوف وادي بني خروص، المحاط بالسلاسل العظيمة لجبال الحجر الغربي، والقصي عن حواضر المدن الإسلامية الكبرى بجامعاتها وجوامعها الزاخرة بحلقات العلم وحضرات المريدين وجلسات العلماء وزوايا الأوتاد. كيف لهذه الأنوار من "شموس العارفين" و"حياة الأرواح" و"أراضي الحقيقة" و"مناهج الله" و"عدل العذل وحق الهوى" و"حجر الفلاسفة" أن تواصل المسير في السُبلٍ الصوفية ذاتها التي سبقه إليها متصوفة كبار كابن الفارض وابن عربي.. بل ويُضيف عليها، ويشق طريقاً لم يشّقُّه أحدٌ من قبله في عُمان"، دونما دليل من غير الإيمان الواحد، والحب الأوحد، والُمراد الأعلى.

الشيخ الرئيس أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي (1734-1822) عاصر اضطرابات سياسية واجتماعية كبيرة، كنهاية دولة اليعاربة وبداية دولة جديدة هي دولة البوسعيديين. له نتاج علمي وفقهي ولغوي وطبي واسع، كما أن له رسائل وآراء وجوابات متقدمة على أهل عصره وزمانه في الحرب والسلم والأخلاق. من الأمثلة على ذلك: رسالة في حكم القهوة الذي عارض فيها تحريمها كما ذهب إلى ذلك من سبقه من الفقهاء، لذلك تدين القهوة وانتشارها الواسع والجذري في عُمان إلى هذا الشيخ!

أما إبراهيم بن سعيد فهو شاعر عُماني له صوته الخاص، ومثقف فاعل في محيطه الاجتماعي والثقافي والفكري، يتسم انتاجه بالتنوع والثراء، له العديد من الأعمال الشعرية والسردية والدراسات والمقالات، منها: "سحر الكلام" (كتاب مجلة نزوى الثقافية)، "موسيقى الشمس، أغاني الجنة" (عن دار فضاءات/الأردن)، "قهوة الله" (عن دار مسعى/البحرين)، "الحمدي الأعمى الشعري" (عن دار سؤال/ لبنان). 

وأخيراً تجدر الاشارة إلى أنّ العنوان "نفائس العقيان" له ارتباط بالذهب "الذي ينبت نباتاً وليس مما يُذاب من الحجارة"، أما لمن يرغب في معرفة المزيد عن هذا الذهب فليس عليه أكثر من أن يقترب من هذه النبتة الطيبة.


اقرأ أيضاً: الصوفية المصريّة.. طرائق المنبت وقشرة الحاضر


مقالات من عمان

الإنسان: المسافة بين الذَّات والمعنى

محمود حمد 2019-07-04

اقتراب من رواية "تَعويبَة الظِلّ" لسعيد سلطان الهاشمي.. الرابط التاريخي الإنساني بين ماضٍ غائب وحاضر تائه. تحاكم الرواية التبعية وتقف ضد خطاب الطاعة.. تعري التبعية ودورها في تفتيت كيان الإنسان.

للكاتب نفسه