استهداف الصحافة المستقلة في المنطقة العربية

تلك هي، من بين سواها، المواضيع التي تهم الصحافة المستقلة عن نفوذ السلطات في بلدانها: "مدى مصر" التي تناولت حالة السجون والموقوفين في مصر... فأوقفت تعسفاً، و"انكفاضة" التونسية التي تناولت حالة السجون والموقوفين في تونس!

موقع مدى مصر، 13 / 10 / 2026

موجة احتجاجات في السجون و«تغريب» بعد تأجيل «الإجراءات الجنائية»

مع تأجيل مفاجئ لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، وتبدُد فرصة كان ينتظرها العديد من المتهمين لإنهاء معاناتهم مع الحبس الاحتياطي المطوّل، شهد عدد من السجون منذ مطلع الشهر الجاري موجات احتجاجية، واجهتها قوات الأمن بإجراءات تفاوتت بحسب حدة الاحتجاجات، ووصلت إلى ترحيل بعض السجناء إلى سجون بعيدة، وهو ما يعرف بـالـ«تغريب»، حسبما قال عدد من المحامين لـ«مدى مصر». 

وبينما طالب المحامون ومنظمات حقوقية، بفتح تحقيقات مستقلة في أي انتهاكات محتملة بحق المحتجزين، أكد عضو في المجلس القومي لحقوق الإنسان أن المجلس يعتزم تنظيم زيارات لبعض السجون التي تلقى شكوى بشأنها، لافتًا إلى تلقيه «تطمينات» من النيابة العامة ووزارة الداخلية، بأن الأوضاع داخل السجون «طبيعية وعادية»، وهو ما أكدته وزارة الداخلية في بيانات نفي متكررة، بينما لم تُصدر النيابة أية بيانات حديثة تخص الأوضاع في السجون.

في سياق ما شهدته السجون، قالت المحامية ماهينور المصري لـ«مدى مصر» إن الصحفي والباحث إسماعيل الإسكندراني تم ترحيله «تغريبه» من سجن العاشر من رمضان إلى سجن وادي النطرون في نهاية سبتمبر الماضي، وهو ما تأكدت منه عبر أسرته بعد أيام من تقدمها بطلب إلى النائب العام، في 1 أكتوبر، للكشف عن مكان احتجازه، عقب تلقيها معلومات بشأن ترحيله ومحتجزين آخرين من السجن «بصورة عنيفة نتج عنها إصابة بعض المحتجزين»، مطالبة بفتح تحقيق عاجل في ملابسات عملية الترحيل، وفي ما قد يكون وقع على الإسكندراني أو غيره من المحتجزين من انتهاكات أو اعتداءات، بعرضهم على الطب الشرعي أو الجهة الطبية المختصة لإثبات حالاتهم.

محامٍ حقوقي يتولى الدفاع عن متهمين آخرين في قضايا سياسية، قال لـ«مدى مصر» إن عددًا من موكليه رُحّلوا في الفترة نفسها، من سجن العاشر «تأهيل 6» إلى سجن جمصة، بحسب ما أبلغه ذووهم، كاشفًا، بعدما اشترط عدم الإفصاح عن هويته أو هوية موكليه، أن ثلاث أسر أبلغته بترحيل ذويها، على خلفية احتجاجات شهدها السجن، اعتراضًا على أوضاع احتجازهم وللمطالبة بالإفراج عنهم.

وبحسب ما نقله المحامي عن الأسر، شهدت بعض العنابر احتجاجات ردد خلالها عدد كبير من السجناء هتافات اعتراضًا على أوضاع احتجازهم، فضلًا عن رفضهم العودة إلى الزنازين بعد انتهاء فترة التريض، وتعاملت معهم قوات فض الشغب في محاولة لفض التجمعات وإعادتهم إلى الزنازين، فيما بدأت الإدارة بعد ذلك في ترحيل عدد من المحتجزين إلى سجون أخرى. كما أُبلغ المحامي بواقعة نقل فيها مسجون إلى الحبس الانفرادي (التأديب) بعد إضرابه عن الطعام.

المحاميان ومحامية أخرى ومصدر حقوقي أكدوا لـ«مدى مصر» تلقيهم شكاوى من أهالي محتجزين بشأن تعامل قوات الأمن مع ذويهم داخل السجن نفسه، على خلفية احتجاجات شهدتها بعض الزنازين خلال الأيام الماضية، بدءًا من الهتاف والطرق على الأبواب، ومرورًا بحجب كاميرات المراقبة في عدد منها، وصولًا إلى الامتناع عن الخروج للتريض، بينما شملت الإجراءات الأمنية عمليات تفتيش موسعة لمحتويات الزنازين، بحسب المحامين.

وبينما حذر المحامون في حديثهم مع «مدى مصر» من خطورة اتساع الاحتجاجات وزيادة وتيرة العنف في عدد من السجون، أكد مصدر حقوقي أنه وثّق، عبر محامين وذوي محتجزين، بعض الأحداث الاحتجاجية داخل سجون العاشر من رمضان والمنيا وبدر على مدار الأيام الماضية، تفاوتت من سجن لآخر، بل ومن عنبر لآخر داخل السجن نفسه، بين الإضراب عن الطعام أو الامتناع عن تسلّم وجبات التعيين، وإغلاق أبواب الزنازين والامتناع عن الخروج للتريض أو تلقي الزيارات، إلى جانب الطرق على الأبواب ومحاولات تغطية الكاميرات.

بدورها، اختلفت ردود أفعال إدارات تلك السجون، إذ لجأ بعضها إلى محاولة احتواء الموقف مع المحتجزين، فيما اتخذت إجراءات أكثر عنفًا في سجون أخرى، بحسب الحقوقي نفسه.

المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، وعدم نشر بعض التفاصيل حرصًا على سلامة المحتجزين، كشف أن الأسبوع الماضي شهد إضرابات مختلفة داخل سجن المنيا، رفض المحبوسون خلالها استلام التعيين، أو الخروج للتريض، ورفضت مجموعة منهم استقبال الزيارات، كما احتج المحبوسون بالهتافات و«التخبيط» على أبواب الزنازين.

وقال المصدر إنه تلقى شكاوى تخص التعامل بعنف مع مجموعة أضربت عن الطعام، ما دفع محتجزين آخرين إلى الطرق على أبواب الزنازين احتجاجًا على الاعتداء عليهم، ما أسفر عن زيادة وتيرة عنف قوات الأمن بحق المحتجزين، قبل ترحيل المجموعة المضربة إلى سجن آخر.

بدورها، أعلنت عشر منظمات حقوقية أنها رصدت وتلقت أنباء ومعلومات عن تحركات احتجاجية خلال الأسابيع الأخيرة، داخل عدة سجون، شملت المنيا والعاشر من رمضان وأبو زعبل وبدر والوادي الجديد، مع أنباء عن دخول قوات إلى أماكن الاحتجاز للسيطرة عليها في سجن العاشر و«تجريد محتجزين من متعلقاتهم الشخصية ونقل مشاركين في الاحتجاجات إلى زنازين أخرى في نفس السجون أو إلى سجون أخرى بعيدة عن أماكن احتجازهم الأصلية»، من بينهم الإسكندراني، وذلك في بيان صدر في 9 أكتوبر، أعربت فيه المنظمات، عن «قلقها البالغ» بعد تلقي ورصد احتجاجات شهدتها السجون.

المنظمات، ومنها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، والمفوضية المصرية للحقوق والحريات، ومركز النديم، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان، طالبت بالتحقيق في الانتهاكات المحتملة واستخدام القوة بحق المحتجزين، ووقف الإجراءات الانتقامية والنقل التعسفي وتقييد الزيارات والتواصل، وضمان الرعاية الطبية لهم.

من جانبها، أصدرت أسر محتجزين بيانًا أعربت فيه عن قلقها، خصوصًا في ظل عدم إمكانية التأكد من حقيقة ما جرى لذويهم، وهو التحرك الذي تضامن معه محامون وشخصيات عامة ومدافعون عن حقوق الإنسان وأحزاب سياسية.

بوادر تلك التطورات داخل السجون ظهرت في سبتمبر الماضي، مع قُرب تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، «كان الأمل في توفيق الأوضاع بخروج عدد كبير من المساجين اللي استنفدوا مدة الحبس» يقول أحد المحامين.

بحسب المصادر، وتحذيرات سابقة من محامين، كان آلاف المحبوسين احتياطيًا وذووهم يعلقون آمالًا على «انفراجة» مع بدء العمل بالقانون الجديد في أول أكتوبر، بإخلاء سبيل من تجاوزوا مدد حبسهم القانونية.

وحدد القانون الجديد، في المادة 124، أنه «لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، وذلك بحد أقصى أربعة أشهر في الجنح، و12 شهرًا في الجنايات، و18 شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام».

ورغم أن القانون القديم نص بالفعل على حدود قصوى للحبس الاحتياطي لم يُلتزم بها، قُدّم القانون الجديد في التصريحات الحكومية، وقت مناقشته ثم إقراره في 2025، باعتباره خطوة لزيادة ضمانات حقوق المتهمين والحد من اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، فيما لفتت محامية ومصدران حقوقيان إلى تلقي محبوسين وأسر رسائل «تطمينية» من السلطات في هذا الشأن.

كان ثلاثة محامين تحدثوا لـ«مدى مصر»، في سبتمبر الماضي، عن دعوات للإضراب عن الطعام داخل السجون حُدد لها الأسبوع الأول من أكتوبر حال عدم تحقق تلك «الانفراجة» المنتظرة بتطبيق القانون، الذي تم تأجيله، في اللحظة الأخيرة، لعام إضافي.

نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، محمد أنور السادات، قال إن المجلس، من خلال لجانه وقياداته، «في تشاور مستمر» مع النيابة العامة وقطاع حقوق الإنسان بوزارة الداخلية وقطاع الحماية الاجتماعية المعني بمراكز الإصلاح والتأهيل، للوقوف على حقيقة ما يُنشر ويتردد بشأن اعتصامات أو إضرابات في بعض السجون.

وأوضح السادات لـ«مدى مصر» أن الردود التي تلقاها المجلس حتى الآن تتضمن تطمينات بأن الأوضاع «طبيعية وعادية» ولكنه أشار إلى أن المجلس يعتزم تنظيم زيارات جديدة لبعض السجون التي تلقى شكاوى بشأنها، تتعلق بعدم السماح بالتريض، ونقص الرعاية الصحية، والصعوبات التي تواجه أسر المحتجزين خلال الزيارات، بما في ذلك التفتيش والتأخير.

وبينما لا يُسمح للمنظمات الحقوقية المستقلة بزيارة السجون للتحقق من الأوضاع فيها، تقتصر الرقابة على أماكن الاحتجاز على زيارات من النيابة العامة و«القومي لحقوق الإنسان»، نادرًا ما تشير إلى وجود قصور أو مخالفات، فيما تتم زيارات أعضاء المجلس بتنسيق مسبق مع «الداخلية» وتحت إشرافها، رغم ما ينص عليه قانون المجلس من اختصاصه بـ«زيارة السجون وسائر أماكن الاحتجاز والمؤسسات العلاجية والإصلاحية، والاستماع للسجناء ونزلاء الأماكن والمؤسسات المذكورة».

وفيما لم تصدر النيابة العامة أية بيانات حديثة عن الأوضاع داخل السجون، كانت وفود من المجلس زارت سجنا العاشر من رمضان، في أغسطس، وبدر، في سبتمبر، بحسب بيانات أشارت إلى إجراء الوفود لقاءات مع نزلاء السجون، وجولات في الأقسام والمرافق، فيما لم تتطرق إلى وجود أي شكاوى من انتهاكات.

من جهتها، أكدت وزارة الداخلية، في 2 أكتوبر، أن «الأوضاع طبيعية داخل جميع مراكز الإصلاح والتأهيل، وإن النزلاء يستقبلون زياراتهم المقررة قانونًا»، حسبما قالت في بيان نفت فيه «وجود احتجاجات وإضرابات عن الطعام بأوساط نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل ومنع الزيارات عنهم والتعامل معهم بإستخدام الغاز ومحاولة بعضهم الإنتحار»، والتي اعتبرتها ادعاءات عارية تمامًا عن الصحة، تأتي في إطار «المحاولات اليائسة والمستمرة لجماعة الإخوان الإرهابية لإثارة البلبلة من خلال اختلاق الأكاذيب وتحريف الحقائق للحصول على مزايا غير مستحقة قانوناً لعناصرها داخل مراكز الإصلاح والتأهيل».

البيان كان الثالث خلال أسبوع، بعد نفي الوزارة، في 28 سبتمبر، وجود رسائل منسوبة لبعض النزلاء تتضمن الزعم بوجود احتجاجات وإضراب عن الطعام بعدد من السجون، وذلك عقب نفيها، في 26 سبتمبر، إضراب سجناء عن الطعام نتيجة تعرضهم لانتهاكات في «أحد مراكز الإصلاح والتأهيل بالمنيا».

لكن الاحتجاجات كانت قد بدأت بالفعل حتى قبل تأجيل تطبيق القانون، في ظل استياء متراكم من ظروف الاحتجاز، زاد من حالة الاحتقان واليأس، حسبما أوضح المحامون.

أحد المحامين أشار إلى واقعة شهدتها محكمة جنايات بدر في 26 سبتمبر، حين رفضت هيئة المحكمة طلب أحد المتهمين خلال الجلسة التواصل مع ذويه، ليتضامن معه محتجزون آخرون بدأوا في الهتاف داخل القفص الزجاجي، ما أكد المصدر أنه كان رد فعل عفويًا.

عقب تلك الجلسة، توالت في الأيام التالية احتجاجات مماثلة في محكمة بدر، تضمنت هتافات وطرقًا عنيفًا على القفص الزجاجي، ضمن مطالبات جماعية من المتهمين بإنهاء تمديد حبسهم الاحتياطي، وصلت ذروتها في جلسة 28 سبتمبر، التي طلب خلالها رئيس المحكمة من المحبوسين ومحامين إنهاء الاحتجاجات التي عرقلت سير الجلسة، انتهاء إلى إصداره حكمًا بالسجن ثلاث سنوات لأحد المحبوسين، بتهمة إهانة القضاء، خُفضت لاحقًا إلى سنة، بحسب محامٍ حضر الجلسة.

وفي حين أشار المحامي إلى أن تلك الجلسات كانت تضم متهمين تجاوزت مدد حبسهم الاحتياطي سبع سنوات، أكد عدد من المحامين الذين حضروا جلسات «بدر» في ذلك الأسبوع أن موجة الاحتجاجات كانت غير مسبوقة وتكررت في أكثر من جلسة، ما نتج عنه تقليل عدد المتهمين المعروضين في جلسات الأسبوع التالي.

أحد المحامين قال لـ«مدى مصر» إن «اللي شوفناه من احتجاجات في المحكمة كان من محبوسين من أكتر من سجن، عندهم أمل كبير جدًا ومستنيين من فترة طويلة. والناس كانت بتبعت رسائل مع أهاليهم يطلبوا مني: ما تترافعش عشان ناخد تأجيل، ولما ييجي شهر 10 نخرج. دي موجة عالية وحقيقية، لأنها مبنية على أمل من ساعة ما القانون كان بيتناقش».

محامٍ آخر أشار إلى أنه «حصل إحباط من ورا التأجيل. كان الأمل في الخروج كبير، وتوفيق الأوضاع بخروج عدد كبير من المساجين اللي استنفدوا مدة الحبس. وفي إرادة مش عايزة تتعاطى أو تتعامل مع ملف الحبس الاحتياطي».

***

موقع إنكفاضة، 05 / 10 / 2026

وفيات السجون في صائفة 2026: حرارة قياسية وتعتيم على الأسباب

شهدت تونس خلال شهري جويلية وأوت 2026 ارتفاعًا قياسيًا في درجات الحرارة، لامست في بعض المناطق 50 درجة مئوية، وفق معطيات المعهد الوطني للرصد الجوي. وصنّف المعهد شهر جويلية 2026 في المرتبة الثانية من حيث ارتفاع درجات الحرارة بين أشهر جويلية المسجلة منذ سنة 1950، بعد جويلية 2023. وفي 26 جويلية، سجّلت مدينة القيروان 49.8 درجة مئوية، وهي ثاني أعلى درجة حرارة في العالم في ذلك اليوم، وفق الباحث المختص في المناخ عامر بحبة.

وفي السجون، لم تكن آثار موجة الحر بمعزل عن الظروف التي يعيشها المساجين أصلًا. فقد زادت درجات الحرارة المرتفعة من وطأة الاكتظاظ وغياب التهوية وانقطاع الكهرباء، في وقت تعاني فيه الخدمات الصحية من نقائص سبق أن وثّقتها منظمات حقوقية، ما جعل تداعيات موجة الحر أكثر حدّة داخل المؤسسات السجنية.

وفيات متواترة داخل السجون

بتاريخ 28 أوت 2026، توجهت عائلة سامي العربي العيادي إلى سجن المرناقية لزيارته كعادتها. كان سامي، البالغ من العمر 52 سنة، موقوفًا على ذمة قضية تتعلق بجنحة مصرفية وخطية مالية، وينتظر جلسة المحاكمة وعرض الصلح بعد انتهاء العطلة القضائية.

لكن العائلة لم تتمكن من رؤيته. تقول شقيقته فاتن العيادي لـ"إنكفاضة" إن الأعوان أعلموهم بأنه "تعب قليلا" وإنه يتعذر عليهم مقابلته، وطلبوا منهم العودة في الأسبوع الموالي. في ذلك الوقت، كان سامي قد فقد وعيه ونُقل إلى مستشفى شارل نيكول بالعاصمة، حيث وصل متوفيا، وفق إفادتها.

تقول فاتن إن شقيقها لم يكن يعاني من أمراض سابقة، لكنه كان يعيش ظروف احتجاز صعبة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ داخل الغرف. وخلال الزيارات، كان، بحسب روايتها، يشير بيده إلى شعوره بالاختناق وصعوبة التنفس داخل الزنزانة، دون أن يشتكي صراحة حتى لا يقلق عائلته.

في اليوم الموالي، 29 أوت، أصدرت المنظمة التونسية للأطباء الشبان بلاغا تحدثت فيه عن ارتفاع "غير مسبوق" في الوفيات وحالات الإيواء بأقسام الاستعجالي جراء ضربات الشمس وارتفاع درجات الحرارة، مشيرة أيضا إلى تسجيل وفيات لسجناء داخل عدد من أقسام الاستعجالي.

لم يكن ذلك البلاغ المعطى الوحيد الذي صدر في اليوم نفسه. فقد أعلنت وزارة الصحة تسجيل 633 حالة استشارة وتكفل صحي مرتبطة بتداعيات موجة الحر بين 1 جويلية و29 أوت 2026. وقالت الوزارة إنها لم تسجل تعطلا في استمرارية الخدمات الصحية، وإنها فعّلت آليات التنسيق والمتابعة وتعبئة الموارد الضرورية، لكنها لم تنشر رقما رسميا إجماليا للوفيات المرتبطة بموجة الحر.

وبينما كانت المؤسسات الرسمية تتحدث عن تداعيات موجة الحر على المنظومة الصحية، كانت عائلات ومحامون ينقلون أخبار وفيات من داخل السجون.

في اليوم نفسه، نشرت المحامية سكينة الجمني تدوينة أعلنت فيها وفاة منوّبها سامي العيادي، وربطت وفاته، وفق ما نقلته، بارتفاع درجات الحرارة والاكتظاظ في سجن المرناقية. وكانت الجمني قد تقدمت سابقا بمطلب للإفراج عنه في قضية تتعلق بتهمة تبييض الأموال، قبل أن يُرفض المطلب رغم اعتبار دائرة الاتهام وجود شبهة جنحية ديوانية، وفق تدوينتها. وفي منشور لاحق، قالت إن الديوانة أرسلت لها عرض صلح وإن موكلها "عمرو تقصف على 6 ملاين"، بحسب تعبيرها.

لكن وفاة سامي لم تكن، وفق ما توفر من شهادات ومعطيات، حالة منفردة.

في قفصة، كان الوضع داخل السجن يثير بدوره مخاوف حقوقية. ففي 26 أوت، أعلن فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بقفصة وفاة أحد المودعين بالسجن إثر سكتة قلبية، رابطا الوفاة بظروف الاحتجاز الصعبة التي تفاقمت خلال موجة الحر والاكتظاظ.

وتقول عفاف زروق، رئيسة فرع الرابطة بقفصة، لـ"إنكفاضة" إن السجن تجاوز طاقة استيعابه بنسبة 200%، إذ يضم نحو 700 سجين مقابل طاقة استيعاب لا تتجاوز 400. وبحسب شهادات نقلتها عن عائلات سجناء، تزامن الاكتظاظ مع نقص المياه وتدهور البنية التحتية وارتفاع درجات الحرارة، ما تسبب، وفق هذه الشهادات، في معاناة سجناء من الإجهاد الحراري وصعوبات في التنفس وطفح جلدي.

وتعود إحدى الحالات التي نقلتها منظمات حقوقية إلى 22 جويلية 2026، حين توفي حمزة الدريدي، البالغ من العمر 33 سنة، بعد أكثر من سنة وتسعة أشهر من الإيقاف دون صدور حكم قضائي في حقه. كان ينتظر جلسة محاكمته المقررة في 21 أكتوبر، حسب جمعية تقاطع للحقوق والحريات.

وتنقل الجمعية عن عائلته أن حالته تدهورت قبيل وفاته، وأن انقطاع المياه عن زنزانته لمدة أربعة أيام متتالية، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، صعّب عليه القيام بحاجياته اليومية. وكانت العائلة قد تلقت منه شكاوى بشأن هذه الظروف قبل وفاته.

وتأتي هذه الحالات في سياق صحي أوسع عاشته البلاد خلال صيف 2026. ففي 23 جويلية، تحدث رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان وجيه ذكار، في تصريح لإذاعة "إكسبراس أف أم"، عن تقديرات للمنظمة تتراوح بين 150 و200 وفاة ناجمة عن ضربات الشمس، استنادا إلى معطيات جمعتها من أكثر من 30 مستشفى جامعيا وجهويا.

وأوضح ذكار أن ضربة الشمس لا تعني بالضرورة التعرض المباشر لأشعة الشمس، بل قد تحدث عندما تتجاوز حرارة الجسم 40 درجة مئوية ويفقد قدرته على تبريد نفسه. وقد تصيب هذه الحالة أشخاصا بقوا داخل منازلهم في ظل غياب التكييف والماء وانقطاع الكهرباء.

داخل السجون، كانت الحرارة تتقاطع مع عوامل أخرى: الاكتظاظ، نقص المياه، وظروف الرعاية الصحية. وتظهر حالة محمد علي بن خميس، البالغ من العمر 31 سنة، جانبا آخر من هذه الأزمة.

كان محمد علي يعاني، منذ سنة 2018، من نوبات نفسية حادة، وتلقى العلاج في مستشفى الرازي وأقام فيه أكثر من مرة. وفي 14 أوت 2026، أُودع بالسجن المدني بالمرناقية. وتقول عائلته إنه لم يتلق العلاج والأدوية التي كان يحتاج إليها رغم وضعه الصحي.

وخلال إحدى الزيارات، وجدته عائلته، وفق إفادتها، في حالة نفسية وصحية متدهورة. كان يبكي ويطلب دواءه، قبل أن يفقد وعيه أثناء الزيارة.

وفي 26 أوت، توجهت العائلة مجددا إلى السجن لزيارته، فأُعلمت بأنه نُقل إلى مستشفى شارل نيكول في حالة صحية حرجة. وعند وصول أفرادها إلى المستشفى، لم يعثروا عليه في البداية، قبل أن تعلمهم إدارة السجن لاحقا بوفاته، وتطلب منهم التوجه إلى غرفة الأموات.

بعد تسلم الجثمان، تقول العائلة إنها لاحظت آثارا تشتبه في كونها آثار عنف، ما أثار لديها تساؤلات حول ظروف الوفاة، خاصة في ظل ما وصفته بتدهور حالته الصحية والنفسية خلال فترة الاحتجاز. كما أفادت بأن عدل تنفيذ حضر يوم الدفن لمعاينة الجثة، لكنه لم يمكّن العائلة أو المحامي من محضر المعاينة.

وأُبلغت العائلة بأن سبب الوفاة هو ضربة شمس، لكنها، إلى تاريخ توثيق هذه المعطيات، لم تتحصل على تقرير الطب الشرعي، ما يمنعها من التحقق بصورة مستقلة من سبب الوفاة والظروف المحيطة بها.

تتجاوز هذه الحالات قصص أفراد متفرقة. فبحسب الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، سُجلت أكثر من 20 حالة وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، فيما تعهد قاضي التحقيق بالمكتب 11 بالمحكمة الابتدائية بتونس بـ16 ملفا في هذا الخصوص.

وخلال فترة لا تتجاوز شهري جويلية وأوت، تكررت شهادات عن وفيات وتعكرات صحية داخل سجون مختلفة، في وقت ظلت فيه المعطيات الرسمية حول عدد الوفيات وأسبابها محدودة. وبينما تربط عائلات ومحامون ومنظمات حقوقية عددا من هذه الحالات بالحرارة والاكتظاظ ونقص الرعاية الصحية، يبقى تحديد الأسباب الطبية والقانونية لكل وفاة رهين نتائج التحقيقات والتقارير الطبية الشرعية.

تساؤلات حول المسؤولية

كشفت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن تسجيل أكثر من 20 حالة وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة وقد تعهد قاضي التحقيق بالمكتب 11 بالمحكمة الابتدائية بتونس بـ 16 ملف في هذا الخصوص.

اثارت أعداد الوفيات داخل السجون خلال فترة وجيزة ارتبطت بشهري جويلية وأوت 2026، مخاوف بشأن مدى احترام الدولة التزاماتها تُجاه حقوق المساجين في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية وحماية كرامتهم الإنسانية.

وفي هذا الاطار، أفاد الناشط الحقوقي وعضو جمعية تقاطع للحقوق والحريات، غيلان الجلاصي، في تصريح لـ ،انكفاضة، بأن "العدد التقريبي للوفيات المُسترابة داخل السجون التونسية بلغ قرابة 30 حالة وتتركز أغلبها في سجن المرناقية مع تسجيل حالات في سجون المنستير وقابس وصفاقس "، وهي نفس السجون التي تعاني نسب اكتظاظ مرتفعة بلغ البعض منها أكثر من 200 بالمائة وفق تقارير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان ومنظمات حقوقية أخرى.

كما وثقت جمعية تقاطع للحقوق والحريات حالات تدهور الوضع الصحي لعشرات المساجين بسبب الاختناق جرّاء نقص التهوية وارتفاع الحرارة "وتعود أساسا الى حالة الاكتظاظ التي تعيشها السجون مع الظروف الأخرى المحيطة بعملية السًّجن"، وفق الجلاصي.

جمعت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب في تونس ووثقت في إطار برنامج "سند"، شهادات لعائلات سجناء تُفيد بـحدوث انقطاعات في الماء و الكهرباء وحالات توعك صحي وصعوبات في التنفس ونقل سجناء إلى المستشفيات. وازدادت خطورة الوضع وفق المنظمة مع تتالي حالات الوفاة أثناء الاحتجاز في ظروف لا تزال ملابسات عدد منها غير واضحة بما يكفي، منتقدة غياب بيانات رسميّة موحدة تتيح تقدير حجم الوفيات التي وقعت أثناء الاحتجاز مطالبة بنشر بيانات دقيقة حول الوفيات، وظروفها، وأسبابها الطبية المثبتة، أمرا ضروريا لضمان رقابة فعلية على ظروف الاحتجاز ولمنع تكرار أوضاع من شأنها تعريض حياة السجناء وسلامتهم الشخصية للخطر.

و قد عبرت المنظمة عن قلقها إزاء تدهور ظروف الاحتجاز المسجل في عدد من المؤسسات السجنية التونسية خلال أشهر صيف 2026، في سياق اتسم بموجات حر شديدة وصعوبات في الوصول إلى الماء والكهرباء والاكتظاظ فضلا عن نقص الرعاية الصحية.

يقول بسام الطريفي رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان: " تبلغ طاقة استيعاب بعض السجون نسبة 300% و فاقم ارتفاع درجات الحرارة معاناة السجناء وهي ظروف غير عادية ترتقي الى المعاملة المهينة والقاسية والتي ترتقي بدورها الى تعريف التعذيب".

تعتيم عن أسباب الوفاة

رافقت أخبار الوفيات داخل السجون المتزامنة مع موجة الحر غموضا بشأن حقيقة المساجين وظروف احتجازهم في غياب تفاعل رسمي من الجهات المسؤولة على غرار الإدارة العامة للسجون والإصلاح و وزارة العدل.

تؤكد فاتن العيادي شقيقة الضحية "سامي العيادي"، أن العائلة لم تتحصل الى غاية نشر التقرير على ملف طبي أو تقرير الطب الشرعي لمعرفة الأسباب الحقيقية لوفاة إبنهاّ. وهو ما أكدته رئيسة فرع الرابطة التونسية لحقوق الانسان بقفصة ،عفاف زروق، في حديثها لـ ،انكفاضة، التي أفادت بحجب التقارير الطبية عن الرّابطة والعائلات دون التّمكين من نسخ منها وإكتفاء السلطات بتعليل الوفاة بـ "سكتة قلبية" أو "وفاة طبيعية"، قائلة:"وتضيف "أن ملف الوفيات يظل لغزا غامضا في ظل الصمت الرسمي لوزارة العدل وعدم تعاطيها بجدية مع الأزمة او تقديم أسباب رسمية وشفافة".

اضافة الى التعتيم على الأسباب الحقيقية للوفيات، فإن اعلام العائلات بوفاة أبنائها يكون متأخرا وهو ما حصل مع عائلة ، سامي، الذي تم اعلامها رسميا بعد يوم من دفنه. تقول شقيقته ،فاتن، "عقب استكمال الإجراءات واستلام الجثمان ودفنه رسميا يوم الأحد تلقيتُ اتصالا من إدارة السجون والإصلاح يوم الاثنين لتخبرنا رسميا بوفاة أخي".

يؤكد غيلان الجلاصي عضو جمعية تقاطع نقلا عن شهادات عائلات المساجين بأن عملية الإعلام بوفاة أبنائها يتم بشكل متأخر أو يتم منعهم من الزيارات العادية ليعلموا بعد فترة بأن أبناءهم قد فارقوا الحياة.

انقطاع الكهرباء عمّق الأزمة

تواترت خلال الفترة الأخيرة أخبار عن تسجيل وفيات داخل السجون التونسية، في سياق يتسم بنقص الرعاية الصحية والاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة. وتزامن ذلك مع انقطاعات دورية للتيار الكهربائي، زادت من حدة التداعيات الصحية والنفسية على حاملي الأمراض والفئات الهشة من المودعين·ات بالسجون.

رغم نشر الشركة التونسية للكهرباء والغاز بلاغات تحدد المناطق المعنية بالانقطاعات، فإن انقطاعات أخرى مفاجئة وغير معلنة تسببت في تداعيات حادة على المواطنين، لا سيما بالتزامن مع موجات الحر القياسية التي شهدتها البلاد. 

وفي تفسيره لهذه الانقطاعات، أفاد المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز، فيصل طريفة، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، أن ما تشهده البلاد من اضطرابات في التزود بالكهرباء يعود أساسا الى الاستعمال المكثف لمكيفات الهواء مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة.

وأضاف أن استهلاك الكهرباء بلغ خلال فترة الذروة، الممتدة بين الساعة الثانية ظهرا والرابعة مساء، نحو 5 آلاف ميغاواط يوميا، بزيادة تقارب 30% مقارنة بالاستهلاك العادي، مشيرا الى أن الشركة تلجأ، عند الضرورة، إلى تخفيض الأحمال عبر قطع مبرمج ومؤقت للتيار الكهربائي بهدف المحافظة على التوازن بين الإنتاج والاستهلاك ومنع انهيار الشبكة الوطنية، مشيرا إلى أن مدة الانقطاع لا تتجاوز ساعة واحدة، مع استثناء المؤسسات الحساسة والإستراتيجية. وأكد أن هذا الإجراء يهدف إلى تفادي انقطاع شامل للكهرباء على مستوى البلاد.

مقالات من العالم العربي

حكومة المونديال المغربية: صعودُ امرأةٍ وانكفاءُ جيلٍ

تتولى الحكومة الجديدة مرحلة متقدمة من الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2030، بما يشمل تطوير السكك الحديدية والطرق والمطارات والملاعب والبنية السياحية والحضرية. وقد قدّر صندوق النقد الدولي الاستثمارات المرتبطة بتطوير...

محكومون بالمجاعة

في الأسبوعيْن الماضيين، أعلن المنسق الإسرائيلي عن أزمة جديدة. فوفق قوله، أجبرت حركة حماس التُجار الغزيين على دفع ضريبة تزيد على 10 آلاف شيكل على كُل شاحنة تجارية تعبُر إلى...

للكاتب/ة

صحفيو «متصدقش» أمام «أمن الدولة»: تعرضنا للتعذيب وأُجبرنا على تسجيل اعترافات ملفقة في «الأمن الوطني»

مدى مصر 2026-10-08

تعرض غالبية صحفيّي «متصدقش» المقبوض عليهم للتعذيب وسوء المعاملة خلال احتجازهم بمقار الأمن الوطني، في الأيام التي تلت القبض عليهم، مع إجبارهم على تسجيل اعترافات ملفقة، وذلك قبل ظهورهم أمام...