إعداد وتحرير: صباح جلّول
تتوزع الفعاليات بين مساحة "مرسح" ومواقع أخرى في الميناء وطرابلس، وتلتقي فيها الأعمال على محاولة الاستجابة على أسئلة حول المكان والذاكرة والانتماء والفقد، وحول معنى الاستمرار في ظلّ حروب وأزماتٍ تبدو مقيمة.
في قلب هذا البرنامج يأتي المعرض الرئيسي، "جغرافيا الوِصال"، ويقام في مقرّ "مرسح"، بمشاركة فنانين ومصوِّرين ومؤرشفين (فرح برّو، رباب شمس الدين، أديب فرحات، سما بيضون، فاطمة جمعة، كارولين حاتم، منى أيوب)، مانِحاً مساحة خاصة لأعمال من جنوب لبنان أو عنه، وفارداً مجالاً للتفكير في العلاقة مع الأرض والانتماء، وفي آثار الفقد وتفتت الذاكرة والسرديات، ومحاولات إعادة وصل ما انقطع منها.
عبر تجهيزاتٍ وتركيبات بصرية ،وأعمال فيديو، وجداريات نسيجية، يقترح معرض "جغرافيا الوصال" قراءة للأرض لا بوصفها مساحة جغرافية فقط، بل بوصفها حاملة للذاكرة والعلاقات والحكايات. ويتجاوز المعرض مدة الأيام العشرة المخصصة لعروض "أسبوع مرسح الفني"، مستمراً حتى 31 تشرين الأول/أكتوبر، ومفتوحاً لعمومِ الناس بشكلٍ مجاني.
هل تعود دار السينما إلى طرابلس؟
03-02-2022
إلى جانبه، يضمّ البرنامج معرضاً مجانياً آخر بعنوان "في البدء كان الماء"، من تنظيم أحمد نابلسي وريبيكا طوق، يقام في "حمّام عزّالدين" الأثري في طرابلس، وهو أوّل حمّام بناه المماليك في المدينة، ويعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي. كما يقيم "مرسّح" سلسلة من العروض الحية، وورش العمل، والمنتديات، التي تتوزع على أيام المهرجان.

يفتتح الأسبوع الفني يوم التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري مع معرض "جغرافيا الوصال"، يليه عرض مسرحي أدائي بعنوان "أربعون حجراً من رُكام الضاحية"، من إخراج هاشم هاشم وبترا سرحال. ينطلق العمل من سؤالين يبدوان بسيطين ومعقّدَين في الوقت نفسه: "كيف نفهم كل ما حدث؟ ثم ماذا نفعل بكل ما حدث؟" وبين محاولة الفهم والحاجة إلى الحداد، يظهر سؤال آخر، لعلّه أكثر صعوبة: "نريد أن نحزن، لكن كيف؟".
"عايشين.." عمل أدائي لفرقة "السراب" للرقص، قد يكون تنويعاً على الأسئلة ذاتها. يعود بنسخة جديدة عن عملٍ سابق مستوحى من جوابٍ لبناني مألوف على سؤال: "كيفك؟"، وجواب: "عايشين". يُعلن العمل في تقديمه لذاته أنّ "في هذا الجواب طمأنة واستسلام وسخرية، وورائه مفارقة عبثية. البقاء بحدّ ذاته صار شيئاً يستحق إعلانه".
من خلال عوالم حرَكيّة متقاطعة، يستكشف العرض الراقص مواضيع البقاء والطموح والصراع الداخلي والذاكرة والإرهاق، وعلاقتنا بالمكان الذي نسمّيه بيتاً، لا في الأماكن الملموسة فحسب، بل داخل الجسد والذهن أيضاً، سائلاً: ماذا يحدث عندما تصبح الأزمات روتينية، والفوضى مريحة ومعتادة، والراحة غريبة؟"..

من الحفلات الموسيقية التي يتضمّنها البرنامج حفلٌ تُغنّي فيه ساندي شمعون أعمال الشيخ إمام بإعادة توزيع معاصِرة، وحفل موسيقي لحازم شاهين (الذي اشتهر بأعماله مع فرقة "اسكندريلا" المصرية خلال وبعد ثورة "25 يناير"). ومن العروض المسرحية الإضافية مسرحية "جوغينغ" للممثلة والمخرجة اللبنانية حنان الحاج علي.

بالإضافة إلى ما سبق، تُعرض يوم الأحد في 18 تشرين الأول/أكتوبر مجموعة أفلام قصيرة تحت عنوان شامل "الأرض امرأة"، مع مؤسسة "ريف"، وهي أفلام صنعتها مخرجات عن العلاقة بالأرض. ثمّ يُختَتم البرنامج بما يسمّي "جلسات القبّة"، مع عروض سمعية-بصرية وحفلة موسيقية.
من هو "مرسَح"؟
تأسس "مرسح" رسمياً أواخر عام 2023، امتداداً لمشروعٍ ثقافي سابق تحت اسم "الورشة 13"، وفتح أبوابه للعموم عام 2024. اسمه يعني "المساحة المخصّصة للأداء"، أي ما نعرفه بشكل شائع باسم "المسْرَح". والـ"مَرسَح" أصل الكلمة العربية التي تكاد تُنسى.
يعرّف "مرسح" نفسه على أنّه "مساحة للفنون والمعرفة في طرابلس. تحتضن وتدعم الفنانين المكرّسين والناشئين على حدّ سواء، وتبني شبكات مبتكَرة للإنتاج الفني وتبادل المعرفة في طرابلس ومحيطها". ينقل موقع "راستد رادشز" عن المؤسسة أنها تسعى "إلى تفعيل عملية إبداعية متعددة التخصصات، تعيد للمدينة حقها في الثقافة، وتفتح آفاقاً جديدة لإعادة التفكير في العلاقة بين المكان وأهله".
مدينة طرابلس: من يقوى على الحلم؟
07-05-2020
موزاييك طرابلس لبنان والحدود الوهمية للمقاهي
02-03-2020
ضمن كتاب "وجوه بحريّة"، للكاتب والمؤرخ جان توما، نجد نبذة عن تاريخ المبنى الذي بات مقرّ "مرسح" اليوم. يقول: "هو مبنى لوقف سيدة البلمند منذ أن كان البحر يقف هنا، في أوّل القرن العشرين، ليغسل قاعدات أعمدته المرتفعة، وكان القمر يسهر على هذه "السطيحة"، وكم غفا تاركاً الليل بلا ضوء (..) في هذا المبنى كان فؤاد نادر ببذلته الأنيقة وحذائه الأبيض وعصاه يقف في محله "مال القبّان" حيث الصابون والزيت والحبوب. وفي الطابق الأول كان"نزل البحر"، الفندق الذي أسسه مصطفى خاروطة، والذي كان قبل ذلك مركزاً للبريد والبرق، في أواخر الخمسينيات، يوم كانت الرسائل تمهر بحمرة شفتَي الحبيبة وتغتسل بدمع الغربة المر"ّ.
يرسم النص صورة شعرية، لكن واقعية، عن مكان يرتبط بشكلٍ مباشر بأهل المدينة وأحوالهم، يعرف قصصهم ويحتويهم، ويصل بين أهل العالَم وبينهم، عبر البحر والميناء، فيضيف: "في أوائل الستينيات، سرق العاشقون رسائل السلام والكلام وصار مركز البريد "نزل البحر"، ينزل فيه بحارة سفن اليونان والسودان وأهل مصر في استراحة لأيام قبيل معاودة الرحيل. وكانت عجقة المعلّم أنطون حصني، الذي كانت مأكولاته تزيّن طاولات شرفة "نزل البحر"، تملأ المكان، مع حكايات المسافرين كالبحار المصري "نعمان" الذي أمضى أواخر أيامه في "نزل البحر" يمارس فنّ الرسم وحفر الخشب."
وقد يسرّ المرء بالأقدار التي سمحت للمكان نفسه بالحفاظ على شيءٍ من دوره القديم، مساحةً للّقاء والفنون وتبادل الأفكار والرسائل، إن في هذا الأسبوع الفني، أو في سواه.
-
للاطلاع على دليل المهرجان كاملاً:
https://ugc.production.linktr.ee/58f23bf3-fab7-4812-8d05-2a249416a79e_--2.pdf


