الخط الأصفر وخطوط أخرى

صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً في حياتنا. وفيما بعد، صار الجيش الإسرائيلي يستخدمه للتقدّم أو الانسحاب من بعض المناطق، فتقدَّم الجيش مراراً في المناطق التي نتواجد فيها كسكان. بهذه الطريقة تستمر عملية التدجين، فالخطوط المختلفة، حمراء وصفراء وخضراء ورمادية، كلها، لا تتجاوز أن تكون مصطلحاتٍ تجري تهيئتها لتكون بديلاً من تغييرٍ واقعي على الأرض، يستمر من خلاله الاحتلال والقتل، وتستمر سرقة المنازل وتجريف ما تبقى من الأراضي.
2026-04-15

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
صورة لمكعبات الخط الأصفر في قلب غزة

كانت الأيام الماضية مليئة بأصوات القصف والانفجارات المتلاحقة. لا يهدأ الجو دقائق إلا وتخرج أصواتٌ أخرى، بينها إطلاق نار نعرف مباشرةً أنهُ من الطيران المروحي، أو من الدبابات. فكما نقول دائماً كغزيين، نحنُ "خبْرة حروب"، ولا يحق للغزي ألّا يعرف التفرقة بين الأصوات التي يسمعها. أحياناً يتحوّل الأمر إلى "اختبار جودة" أو اختبار كفاءة غزّاويّتك. فالذي يعرف أفضل من الذي لا يعرف، أو أن الذي يعرف شخصٌ مرّ بتجربة الحروب كلها، والذي لا يعرف إما كان مسافراً، ولم يحفظ تاريخ الحروب والتصعيدات العديدة، وإما أنهُ شخص غير نبيه لما حوله، فيسقط في "اختبار الجودة".

هذه الأصوات تتلاحق وتختلف عند من لا يعرفها، بين أصوات إطلاق نار من الآليات والدبابات، أو الزوارق الحربية البحريّة، أو الطيران المروحي أو طيران "كواد كابتر" المستحدث في حروبنا الأخيرة. عدا أصوات الانفجارات التي تتنوّع، بين أصوات النسف وتفجير "الروبوتات"، أو القذائف المدفعية، وغيرها من قصف الطيران المروحي، أو الحربي أو المسيّر الصغير، وهي كلها مع الوقت، تُكوِّن تلك "الخبرة".

لا يصل الإعلام إلى تفاصيل معظم الأصوات التي نسمعها، فقد امتهن الاحتلال الإسرائيلي منذ توقف الحرب، النسف والقصف فيما تُسمى منطقة "الخط الأصفر"، التي أقّرها اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في تشرين الاول/أكتوبر الماضي. يجري مع الوقت تدمير ما تبقى من أحلام وذكريات ومنازل الفلسطينيين هناك، من رفح جنوباً وحتى خانيونس والوسطى والشجاعية وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا شمالاً.

يمتلك والدي هناك ستة دونمات من الأراضي الزراعية المليئة بأشجار الزيتون، التي كانت تثمر في كلّ عام بمحصولٍ صار عنده ربما أعز من أولاده، وقد صارت الآن شبه مفقودة كونها ضمن الخط الذي أقرّ فصل قطاع غزّة إلى منطقتيْن، الأولى "آمنة" ويسكن فيها الناس الآن، وتشمل غرب طريق صلاح الدين الكبير والشهير، والثانية تشمل ما في شرقه وأكثر، بالإضافة إلى رفح جنوباً، وبيت لاهيا شمالاً.

لا يحق للغزي ألّا يعرف التفرقة بين الأصوات التي يسمعها. أحياناً يتحوّل الأمر إلى "اختبار جودة" أو اختبار كفاءة غزّاويّتك. فالذي يعرف أفضل من الذي لا يعرف، أو أن الذي يعرف شخصٌ مرّ بتجربة الحروب كلها، والذي لا يعرف إما كان مسافراً، ولم يحفظ تاريخ الحروب والتصعيدات العديدة، وإما أنهُ شخص غير نبيه لما حوله، فيسقط في "اختبار الجودة

ظهرَ الخط الأصفر في المرة الأولى ضمن خرائط قطاع غزّة، التي ضمها مقترح وقف إطلاق النار الذي

ناقش الخطة/ الخريطة الرئيس الأمريكي مع قادة الدول العربية والإسلامية في أيلول/ سبتمبر الماضي. وفي الخريطة نفسها، كان هناك خط أحمر ومنطقة رمادية، رُبما يمكن تسميتها بـ"الخط الرمادي".

فجأةً تحوّلت حياتنا إلى خطوط. لكنها ليست المرّة الأولى، فقد امتد مع وعينا طويلاً مصطلح "الخط الأخضر" الذي يفصل المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948، أو أراضي الداخل المحتل، والمُحدد بقرارات الأمم المتحدة بعد النكبة.

لاحقًا صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً في حياتنا. وفيما بعد، صار الجيش الإسرائيلي يستخدمه للتقدّم أو الانسحاب من بعض المناطق.

 تقدَّم الجيش مراراً في المناطق التي نتواجد فيها كسكان، وقدّم "المكعبات الصفراء" التي تمثل الخط المذكور، ما زاد مساحة سيطرته على المناطق داخل القطاع بسهولة وبسرعة، وبقرارٍ ربما لا يتخذه سوى قائد ميداني في المكان، رأى يومه مملًا فقررَ أن يُحدِث تغييراً جديداً.. وبسرعة يتحوّل هذا التغيير إلى تدمير حياة أخرى بالطبع.

في الأيام الأخيرة وفي كثيرٍ من الأيام أيضاً، التي تُسمع فيها الانفجارات وعمليات إطلاق النار والقصف اليوميّة، يتساءل الناس عن السبب والحدث، ويجري دائماً التهوين من الأمر، خاصة من صحافيين ونشطاء، يطلقون كلمتهم المعهودة: "كله داخل الخط الأصفر"، وهو ما يُشير بشكلٍ ما إلى أن الأمر لا يستحق عناء الاهتمام أو السؤال أو التغطية الإعلامية حتى.

يجري مع الوقت تدجين الناس وتطبيع المعاناة بشكلٍ ما، وأوّل من يقع في هذا الخطأ صحافيون ومفكِّرون وأشخاص يُفترض أنهم نخبة المجتمع. فالخط الأصفر المذكور هو مناطق مُحتلة، لم يكد يغب عنها أهلها لأكثر من سنتيْن ونصف، وبعضهم عاد إليها قبل عامٍ، في هدنة كانون الثاني / يناير 2025، ورأوها وعاشوا فيها، وغادروها لاحقاً في نزوحهم الثاني.

لا يصل الإعلام إلى تفاصيل معظم الأصوات التي نسمعها، فقد امتهن الاحتلال الإسرائيلي منذ توقف الحرب، النسف والقصف فيما تُسمى منطقة "الخط الأصفر"، التي أقّرها اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في تشرين الاول/أكتوبر الماضي. يجري مع الوقت تدمير ما تبقى من أحلام وذكريات ومنازل الفلسطينيين هناك، من رفح جنوباً وحتى خانيونس والوسطى والشجاعية وجباليا وبيت حانون وبيت لاهيا شمالاً.

ما لا يدركه هؤلاء من ممتهني تهوين الأخبار، أنّ أرض والدي هناك ليست "مجرّد خط أصفر"، إنما هي منطقة الذكريات التي كان يهرب من ضجيج العالم وإرهاقه إليها. يستمتع بين أشجار الرمان والزيتون ومحاصيل الخضار البسيطة التي يسعد بقطفها وأخذها معهُ إلى البيت، وبعد الاعتناء بدجاجاته الصغيرة والبحث عمّا أنتجت من البيض كلّ مرة.

كذلك تبقى هذه المنطقة ليست مجرّد شيء عابر، بل هي حيوات وأيام وتفاصيل كثيرٍ من أصدقائي، من سكان حي الشجاعية، أو بلدة بيت حانون، ومدينة رفح، الذين يشتاقون إلى لحظة واحدة يرتاحون فيها في "البيت"، أو على سريرٍ في إحدى غرفه. 

بهذه الطريقة تستمر عملية التدجين، فالخطوط المختلفة، حمراء وصفراء وخضراء ورمادية، كلها، لا تتجاوز أن تكون مصطلحاتٍ تجري تهيئتها لتكون بديلاً من تغييرٍ واقعي على الأرض، يستمر من خلاله الاحتلال والقتل، وتستمر سرقة المنازل وتجريف ما تبقى من الأراضي. بل صارت إسرائيل نفسها تصرّح بأن هذه المنطقة ستكون حدودها الجديدة، وهو الشيء الذي تسعى الآن إلى تطبيقه في جنوب لبنان.

مقالات ذات صلة

أتذكر ناجي العلي، حين قال كلماته الشهيرة: "كلما ذكروا لي الخطوط الحمراء طار صوابي، أنا أعرِف خطاً أحمر واحداً.. أنه ليس من حق أكبر رأس أن يوّقع وثيقة اعتراف واستسلام لإسرائيل". الآن صار لا يطير صوابنا، لا من الأحمر ولا من الأصفر ولا من الأخضر، والأدهى أنهم شكّلوا ونوّعوا فيها، فمن لا يُعجبه الأحمر، رُبما يعجبه الأصفر. ومع الوقت، وحتى هذا التغيير، تحول الخطّ الأحمر في أذهان الناس من "رفض وثيقة الاعتراف"، إلى "رفض المجاعة" فقط لا غير.

هذا ما أوقعنا وترَكنا فيه العالم. فليسَ اللوم على الناس أبداً.

مقالات من فلسطين

من يحمل عبء الذاكرة يا غزة؟

الذاكرة انتقائية، فهي تتمسّك بالتفاصيل الصغيرة، وتعلّقنا بها، وهي سرعان ما تُهاجمني. ينزلُ المطر، وعلى الرغم من غرقنا وانهيار كلّ شيء من حولنا، من شبابيك المنزل المتهرئة والمرقّعة، وجرينا السريع...

للكاتب/ة

من يحمل عبء الذاكرة يا غزة؟

الذاكرة انتقائية، فهي تتمسّك بالتفاصيل الصغيرة، وتعلّقنا بها، وهي سرعان ما تُهاجمني. ينزلُ المطر، وعلى الرغم من غرقنا وانهيار كلّ شيء من حولنا، من شبابيك المنزل المتهرئة والمرقّعة، وجرينا السريع...