عيد غزة الأول بعد "توقّف" الحرب عليها

تقول أسطورة صندوق باندورا في الميثولوجيا الإغريقية، إنّ المرأة باندورا التي أهداها زيوس صندوقاً أو جرّة، وأمرها بعدم فتحها، خالفت ذلك ففتحتها، فخرجت حينها معظم شرور العالم منها، بما فيها الحروب والشيخوخة والمعاناة والسرقات، إلّا شيئاً واحداً، أغلقت باندورا الصندوق قبل خروجه، وهو "فُقدان الأمل"، وهو ما تقوله إحدى الروايات – المتفائلة - عن الأسطورة، في حين تقول رواياتٌ أُخرى إن الأمل خرج من الصندوق، فعدّوهُ شراً.
2026-03-25

المقداد جميل مقداد

كاتب وباحث من غزة


شارك
ألعاب من ساحات العيد في غزة

يملك الغزّيون طقوسهم الخاصة وأجواءهم البسيطة لعيد الفطر، التي صنعوها على مدار السنوات. هذه الطقوس غابت في السنتيْن الأخيرتيْن، مع محاولاتٍ طويلة لإحيائها خلال الحرب الإسرائيلية الطاحنة، لكن كل ذلكَ فشل، فلا يتساوى الموت مع بهجة الحياة التي يُعبّر عنها العيد.

جاء عيد الفطر هذا العام استثنائياً، ولا شكّ في أن أهل غزة عاشوه، كالشخص الذي يمشي في حقلٍ من الألغام. مشيٌ محفوف بالمخاطر، الخوف، الألم، الذكريات، والقصف المقتطّع المستمر، الذي يتضارب مع أصوات الأطفال في الشوارع وهم يلعبون على المراجيح، ويمارسون هواياتهم بالجري في الطرقات.

مع منتصف شهر رمضان، قرّرتُ في أحد الأيام زيارة حي الرمال، أحد أشهر أحياء مدينة غزّة، والحي الأكثر اكتظاظاً عادةً في الموسم الرمضاني وما بعده، موسم عيد الفطر. فهو أشهر أسواق المدينة المركزية، التي يتواجد فيها كلّ ما يريده الشخص، ما بين مراكز تجارية ومحلات الملابس أو الطعام والحلويات. كنت أتوقع أن الحي وشوارعه معتمة، كئيبة، وحزينة. فهذه الطرقات مثل سائر مناطق المدينة، مليئة بالخيام ومزدحمة بالنازحين الذين اقتطع "الخط الأصفر" أراضيهم في المناطق الشرقيّة والشمالية.

إلّا أن المشهد كان مختلفاً، ليكسر كلّ توقعاتي. كانت شوارع الحي وأسواقه قد بدأت باستعادة أضوائها وزينتها الرمضانية، وبعضها بدأ بإطلاق تكبيرات العيد الاعتياديّة في أواخر أيام رمضان. المحلات والمراكز التجارية بدأت تتأهل لاستقبال العيد وزوّاره ممن يرغبون في شراء الملابس لأطفالهم، وهو حدث لم يجرِ في غزّة منذ ثلاثة أعوام، إلا باستثناءاتٍ قليلة لبعض الناس الذين كانوا يحاولون في قلب المعاناة الفصل بين المشهد العام وفرح الأطفال، فيقررون أن يلبس أطفالهم ملابس العيد على الرغم من الحرب، تحت مبدأ "ألا ذنب للأطفال بما يحدث".

مع بداية رمضان استعاد سكان غزّة معاناة رمضان الماضي، حينَ أغلقت إسرائيل المعابر كجزءٍ من العقاب على عدم قبول حركة حماس لـ"مقترح ويتكوف" حينها، ثم جرى إغلاق المعابر مرةً أخرى نتيجةً للحرب الإقليميّة الحالية تحت حجةٍ "أمنية"، قبل أن يُفتح المعبر لاحقًا بشكلٍ تدريجي وضيّق للغاية، ما انعكس بشكلٍ واضح على واقع الناس، وعودتهم إلى الدوامة نفسها: استغلال التجار، قلة البضائع، وغلاء الأسعار.

على الرغم من كلّ ذلك، أصرّ الناس على الاحتفال، فكانت الأسواق ممتلئة بأنواع الشوكولاتة التي كانت تزيّن البسطات في كلّ مكان مع كلّ عيد، وهو مشهد يستغرب منه البعض أحياناً، حين يجري ترويج واقع صعب في غزّة، فيستنكرون محاولة أن يعيش الناس ولو مرةً كالآخرين وككلّ عام، بحجة أنّ الحياة لم تعُد كما كانت.

شخصياً، حظيت باكتفاءٍ من معظم أنواع الحلوى منذ انتهاء الحرب، وكنت قد قرّرتُ التخفيف منها لأسبابٍ صحية، لكنني أردت القيام بجولةٍ للأسواق وشراء بعضها، كإحياءٍ لطقسٍ جميل، بعث في داخلي شعوراً مختلفاً. استحضرت المحل التجاري الذي كان يبيع الشوكولاتة، استحضرت كلّ الذكريات الجميلة، الاكتظاظ، والتدافع والانتظار الطويل لشراء بعض الأشياء من محلات غزّة الشهيرة ومولاتها الكبيرة... دُمّرأغلبها، وتحوّلت أماكنها إما إلى رُكام أو إلى أراضٍ تحوي مخيماتٍ للنازحين، بينما حلّ بدلاً منها محلاتٌ أخرى ومراكز جديدة نشأت تجارتها ما بعد الحرب.

في الشوارع لم يختلف الأمر كثيراً، كأنّ الجميع كان يسعى إلى استحضار الفرح. ففي العديد من بقايا الشوارع التي لا تزال مهيأة أو صالحة للحياة، بدأ الناس بإنشاء ألعاب الأطفال الصغيرة والشعبية، فأُقيمت أرجوحة أطفال حديدية كبيرة في المكان المقابل لمنزلنا، ووضع آخرون لعبة قفز كبيرة للأطفال ("ترامبولين")، وقد صارا من أشهر ألعاب الأطفال اليوميّة في شوارع غزّة، والمتنفس الضعيف والصغير لمعظم أطفالها اليوم، كمهرب من أسى الخيمة ومعاناة البحث عن المياه.

كانت غزة قبل الحرب،  وفي سنواتها الأخيرة، مليئة بمراكز لعب الأطفال والملاهي الصغيرة والمتنزهات التي توصف بأنها "ع قد الحال"، متناسبة مع طبيعة سُكانها، على الرغم من أنها لم تكن بالمعنى الحقيقي والأصلي للمتنزهات والحدائق المجانية الموجودة في العديد من دول العالم.

ضمّت مراكز "كابيتال مول" و"فلوريا" و"سب واي" و"مترو" كثيراً من الألعاب التي كان يقصدها الأطفال وعائلاتهم مقابل مبلغٍ مالي، وقد انتشرت هذه المنظومة من اللعب في السنوات الماضية. مررتُ يوم العيد خلال زياراتي العائلية من مفترق "الأمن العام" الشهير بمدينة غزّة، وهناك كان يقف مركز "سب واي" الخاص بلعب الأطفال، وقد تحوّل إلى رُكام. أذكر معظم أبناء إخواني وأخواتي، وقد كان هذا المكان نقطة زيارة رئيسية لهم في ثاني وثالث أيام العيد، والآن صار ذكرى ولم يعُد متاحاً لهم ممارسة هذا الطقس.

الجانب الآخر من ألعاب الأطفال، وهي الألعاب الشعبية التي لا تزال تنتشر الآن، وقد كانت منتشرة بكثرة في شوارع غزّة وخاصة في الأعياد، فهي الطريقة السريعة لأي طفل يأخذ عيديته البسيطة شيكلاً أو اثنين من أحد أقاربه، فيصرفها في مكان اللعب القريب من بيته. وكان في غزّة طريقة أخرى أيضاً شهيرة للعب في العيد، تتمثل في أن يُسيِّر أصحاب الخيل، خيولهم، في أماكن المتنزهات وتجمعات الأطفال، ليركبوا عليها لعدة دقائق، بمقابل مالي معيّن، وهي طريقة لم أرها في أول عيدٍ غزّي بعدَ الحرب.

لم أشترٍ ملابس العيد. لم أقتنع بها هذه المرة، ولا أظن أنني بالمطلق سأقتنع بها في أية لحظة سأبقى فيها في غزّة لاحقاً. وحتى في السابق، لم تكن ملابس العيد أو شراؤها سوى فرصة لي لأشتري ما ينقصني من ملابس، ذلك أنني لا أُحب زيارة السوق، فتعوّدت طويلاً على تأجيله للعيد، كي يظهر سببٌ مُلحٌ لذلك. كثيرون أصروا على إحياء هذه العادة، فعاد المشهد في الشوارع جميلاً.. ربما لمحاولاتهم أن يفرحوا.

أمّا صلاة العيد، فعلى الرغم من تدمير معظم مساجد غزّة، إلّا أن بعضها قد عادَ خلال شهر رمضان خاصة، كمساجد صغيرة أنشئت من الخيام والشوادر البسيطة، وبجهودٍ قليلة، ومحاولاتٍ لإعادة طقسٍ من طقوس الناس الرمضانيّة والموسميّة، وأُجريت في معظمها صلاة العيد، إلى جانب استغلال بعض المساحات الفارغة والأراضي التي لم تحظَ بنصيبها من الخيام، في أن تكون مصلى العيد في العراء.

كان مشهد الصلاة لافتاً ومكتظًا، وهو مفهوم لسببيْن: الأول أن المناطق السكنية القليلة الباقية في غزة، مكتظة بشكل كبير، ففي المدينة يعيش سكان جباليا وجزء من بيت لاهيا وكل سكان بيت حانون، إضافةً إلى سكان الشجاعية ومعظم المناطق الشرقية. وكذلك في مواصي خانيونس ودير البلح، اللتين تحويان سكان شرقي خانيونس ورفح ومعظم المناطق الشرقية هناك. لذا فإن مساحة كلّ شيء تظهر مكتظة.

والثاني والأهم، أن الناس لأوّل مرة اشتاقوا لهذه الطقوس، التي قد يملّها البعض أحياناً، لكن المشهد كان يقول بوضوح إنهم الآن يحجّون أفواجاً لممارسة طقوسهم، وربما ليس السبب إيمانيّاً فحسب، وإنما اجتماعياً، ومحاولةً فريدة لاستعادة شيءٍ من حياة قديمة مسلوبة قرّرت الحرب قضمها من ذاكرتهم.

تقول أسطورة صندوق باندورا في الميثولوجيا الإغريقية، إنّ المرأة باندورا التي أهداها زيوس صندوقاً أو جرّة، وأمرها بعدم فتحها، إلّا أنها خالفت ذلك ففتحتها، فخرجت حينها معظم شرور العالم منها، بما فيها الحروب والشيخوخة والمعاناة والسرقات، إلّا شيئاً واحداً، أغلقت باندورا الصندوق قبل خروجه، وهو "فُقدان الأمل"، وهو ما تقوله إحدى الروايات – المتفائلة - عن الأسطورة، في حين تقول رواياتٌ أُخرى إن الأمل خرج من الصندوق، فعدّوهُ شراً.

بقي "فقدان الأمل" أو انعدامه، شراً مغلقاً وكامناً داخل ذلك الصندوق، ولم ينتشر بيننا وفي عالمنا. ولولا ذلك، فلرُبما كنّا ضحايا لفقدان الأمل، كواحد من شرور العالم التي تفتكُ بنا. وهو ما يشعر به الناس في غزّة. فعلى الرغم من كلّ الشرور التي لحقت بهم وقتلتهُم، وبين أكثر الآلام التي يعدّون ألاّ مثيل لها في هذا القرن، إلا أنهم وبكل بساطة، يستيقظون كلّ يوم ليكملوا طريقهم.

هذا الأمل يظهر كلّ يوم في غزة، حين يحاول رجلٌ دمّرت العاصفة خيمته، إصلاحها في الصباح التالي، وحين يستيقظ الناس صباح العيد ليضحكوا في وجوه بعضهم، ويسلِّموا ويهلِّلوا، مستذكرين حياتهم وذكرياتها، كأنّهم يقلبون الدفاتر ويلّونون ما فيها من تفاصيل.

أحيانًا لا تبدو هذه الأسطورة مجرّد عملٍ أدبي، أو خرافة كما يَعدّها البعض، لأننا لولا الأمل لكُنّا اليوم ضحايا الذاكرة.

مقالات من فلسطين

إلى وليد الخالدي.. وإلى ذكراه الطيبة

استطاعت أعمال وليد الخالدي البحثية المبكرة الكشف عن الحقائق المتعلقة بمخطط الحركة الصهيونية المسمّى "خطة دالِت"، التي هدفت إلى تهجير الشعب الفلسطيني جماعياً... واستمر على هذا المنوال. كان رجلاً لا...

تحية إلى ليلى شهيد

تلك هي ليلى شهيد، لمن عرفها عن قرب، كما لمن كان يعرفها عبر الأدوار بالغة الأهمية التي كانت تجيد الانتصار فيها. وسواء أكانت الصلة بين مأساة فلسطين المتجددة، وبين مأساتها...

للكاتب/ة

غزة 2026

كانوا ينتظرون طوالَ عاميْن نهاية الحرب، وصاروا الآن ينتظرونَ عودتها، كأنّ الزمن بالنسبة إليهم عالقٌ في هذه الأبجدية، أبجدية "الحرب"، ولا يُفارقها.

عن الأمل والخرافة في واقع غزّة

عملية إعادة الإعمار المطلوبة غزياً، ليست مجرد إعادة للبناء، بقدر ما هي حاجة إلى إعادة تأسيس للوجود البشري. فقد انهارت الخدمات الحيوية بالكامل، بدءاً من المنظومتيْن الصحيّة والتعليمية، وحتى كلّ...