إعداد وتحرير: صباح جلّول
"هذا ما جنته أمريكا. هذا ما جنته إسرائيل"، يردد أحد الرجال بصوتٍ كالنواح بين ركام مدرسة "شجرة طيبة" في منطقة ميناب جنوبي إيران. على الحيطان، رسوم ملوّنة لدفتر وقلم وحروفٍ أبجدية. في مكانٍ ما في غرفة صفٍّ ابتدائي، رسمٌ لشمسٍ كبيرة، زهورٌ مصنوعة من الأوراق الملونة ومعلقة على الحيطان. هل صنعتها الطالبات الصغيرات بمساعدة معلّماتهنّ؟...
168 قتلوا هناك في ثوانٍ فقط (حتى إحصاء لحظة كتابة هذه السطور)، صباح السبت في 28 شباط/ فبراير، معظمهم طفلات طالبات. هذه علامة لا نخطؤها، حفظها كلّ من في هذه المنطقة المنكوبة عن ظهر قلب. يدُ الشرّير مرّت من هنا.
علامات العصر الجديد
08-01-2026
بنات إيران وأطفالها هم نفسهم أطفال فلسطين، أطفال غزة، لبنان، اليمن، العراق، سوريا، مصر وغيرهم، الذين قتلتهم امبراطورية الإبادة المتحدة الأميركية والكيان الصهيوني الإبادي. وجوه الأطفال واحدة في كلّ هذه الأماكن.
من العامرية بغداد إلى قانا جنوب لبنان إلى مستشفى المعمداني غزّة...
ومن بحر البقر مصر إلى مدرسة إيران...
إنها بصمة الشرير نفسه. لا نخطؤها ولا يخطؤنا قتله المتجدد المتمدد.
لنتوقف لحظة لتخيل عويل الأمهات وصراخ الآباء الباحثين عن يد طفلتهم؟ لحظة فقط كافية لسحق القلب، وقد سُحق آلاف المرات إذا شهدنا الأهوال مرأى العين في غزّة المكلومة.
كل هذا، والشرير يزداد حبوراً وفخراً بعمله.
كل هذا، والكوكب يدور، والرأس يدور، حتى الغثيان..


كلّ هذا، والدنيا "تستمر"؟! حتّى أن موت كل تلك الطفلات لم يستأهل حيزاً أكبر من الصدمة والاعتراض، أو مساحة أكبر في نشرات الأخبار التي شغلتها تطورات توسع الحرب سريعاً، من اغتيال المرشد إلى تصريحات ترامب وافتتاح جبهات جديدة.
168 روحاً بريئة قضت كأنها تفصيلٌ، كأننا لا نعرف ما تعني الحرب فعلاً، في تفاصيلها البشعة، في يومياتها، في رعبها الذي يفوق خيال من لم يختبر لحظات كتلك.


ما هي الحرب؟ سوى الأهداف والاستراتيجيا والنصر والخسارة والاقتصاد والنووي؟ ما هي فعلاً؟ ربما يستفيق مذعوراً مَن يقرأ شهادات الناس تحت القصف العنيف في طهران.
"الإبادة من المسافة صفر" .. الآن!
06-03-2025
قاعدة بيانات "أول إبادة بالبث المباشر".. من كاميراتهم
24-04-2025
"كنا جالسين هنا حوالي الساعة الثامنة أو الثامنة والنصف مساء. فجأة، سمعنا ضجيجاً وانفجاراً. نهضنا وهرب بعضنا. التفتنا للملمة بعض أغراضنا فلاحظنا الدم يطرش كل مكان. كانت يدُ أحدهم على الأرض، كان هناك رأسٌ واقعُ على الأرض"....قال أحد روّاد مقهى في طهران، شهد على لحظة قصف حيّه السكني. "أول ضربة لم تكن بذلك السوء، لكن عندما أتت الضربة الثانية، انفجر كل شيء. تطاير زجاج النوافذ ونراجيل الشيشية التي كان يدخنها البعض. أحد الأشخاص الذين أعرفهم كان أنبوب نرجيلته في يده حتى لحظاته الأخيرة، كان مشطوراً إلى نصفين، وقد وقع نصفه. حاولت جمعه في مكانه. كان جزء من دماغه على الأرض".
كان ذلك قصفاً مزدوجاً، نعرفه جيداً في غزة ولبنان. ضربة أولى يتجمع بعدها الناس لإنقاذ من يمكن إنقاذه، ليباغتهم صاروخ ثانٍ أشدّ عنفاً. يصف الرجل لموقع "دروب سايت" الإخباري العدوان المزدوج الذي طال مقهى قرب ساحة نيلوفر في طهران، في حي سكني، بعد وقت الإفطار، عندما كان الناس يشربون الشاي والقهوة وينفثون دخان النراجيل، ليلتفتوا فيجدوا 20 جثة بينهم، من المدنيين.
يوماً ما، شهد ناجٍ من مجزرة ملجأ العامرية في بغداد (1991)، حين قُصف الناس في ملجأ أرادوه وقاية من الموت: "كانت الانفجارات قوية وشديدة السخونة، لدرجة أننا رأينا آثار أقدام وأيدٍ محروقة على الجدران والأسقف... كما دمرت الانفجارات خزانين ضخمين للمياه في الطابق السفلي من الملجأ، حيث كان ينام الأطباء وغيرهم ممن يقدمون الخدمات للأطفال... لقد تم غلي السكان في مترين من المياه التي غزت ملاجئهم. ولا تزال أجزاء من جلودهم وشعورهم ملتصقة بالجدران، شاهِدةً على الرعب الذي حدث هنا"...
لم نسمع شهادات من نجوا من قصف المدرسة في ميناب، لكن أؤكد لكم، كلها تشبه روايات الرعب من غزّة إلى لبنان ومن بغداد إلى اليمن. لم نسمع شهاداتهم، لكننا رأينا أكثر من 160 حفرة قبر تُحفر في الأرض. رأينا وجوه الأهل والمعزّين وأفواههم الفاغرة صدمةً. صراخٌ صامت لآلاف القلوب المفجوعة، ونذير بالسواد القادم.
كلهم واحد. أطفالنا، قتلانا، أجسامنا الممزقة.



