رمضان في الأقصى: تصفية تجريبية؟

في ورقته البحثية، "الأقصى في رمضان: اختبار آلية التصفية"، الصادرة في 14 شباط / فبراير الحالي عن مؤسسة القدس الدولية، يستعرض زياد ابحيص المختص بالشؤون المقدسية تاريخ القمع الإسرائيلي في الأقصى على امتداد هبّات رمضانية منذ العام 2014 (الهبّة الشعبية بعيد استشهاد الطفل محمد أبو خضير الذي أحرقه المستوطنون) إلى يومنا هذا، وفي ظلّ الإبادة الوحشية لقطاع غزة وتمدّدها إلى سائر فلسطين. يخلص الباحث إلى أن الرؤية الإجمالية التي يحملها الاحتلال تجاه الأقصى اليوم، هي رؤية الإحلال التام والتهويد التام على مراحل.
2026-02-19

شارك
شرطة الاحتلال الإسرائيلي داخل حرم المسجد الأقصى (صورة أرشيفية – 2022. تصوير إياد الطويل - وكالة الأناضول).
إعداد وتحرير: صباح جلّول

"في القدس، نحن ممنوعون من تعليق زينتنا الرمضانية، ومجبورون على القبول بزينة بلدية الاحتلال الملوّنة بالأزرق والأبيض والذهبي – ألوان لها علاقة برموزهم وعلمهم"، كتبت الصحافية لمى أبو غوشة على صفحتها على انستغرام، بمعرض وصفها لبعض جوانب القمع الإسرائيلي للمدينة ومسجدها الأقصى هذا العام. والزينة الممنوعة وجهٌ واحدٌ من وجوه الطمس المتعددة التي تواجهها مدينة القدس الداخلة على موسمها الرمضاني القلق، فكيف هو المشهد على باب الشهر الفضيل؟

إجراءاتٌ مُشددة فاقت إجراءات كلّ عام، قيودٌ على المسجد الأقصى وعلى حركة المصلّين والزوار، قرارات إبعاد، وتقييد صارم للتنقل، وغيرها مما يتكشّف يوماً تلو الآخر. فقد أعلن المركز الفلسطيني للإعلام يوم الاثنين الماضي في 16 شباط / فبراير، اعتقال إمام المسجد الأقصى محمد علي العباسي، ليسلّمه الاحتلال قراراً بالإبعاد عن المسجد لمدة أسبوع قابل للتجديد. وإذا كان إمام المسجد مُبْعداً عنه في شهر رمضان، فلنا أن نتخيل كيف يكون الأمر مع الزوار والمصلين.

فقد سجّلت محافظة القدس أكثر من 250 قرار إبعاد عن المسجد منذ بداية العام الحالي 2026 فقط، كما سُجّلت أرقام أعلى من هذه بكثير من مؤسسات بحثية أخرى. تزداد قرارات الإبعاد كثافة وسهولة في التوزيع كلّما اقتربت أيام شهر رمضان. مِن ضمن هؤلاء المبعَدين نحو 25 شخصاً من دائرة الأوقاف الإسلامية، وقد اعتقل الاحتلال 4 منهم، حسب ما أعلنت محافظة القدس.

ليس ذلك عن عبث، فالاحتلال يُضعِف عمداً قدرة الهيئات التنظيمية على إدارة شؤون المسجد وتنظيم الأنشطة، ويمنع تركيب مظلات واقية من الشمس والمطر، كما يحظر تجهيز العيادات الميدانية وغيرها من التجهيزات اللوجيستية التي تنظم شؤون المسجد وزوّاره، وهي تجهيزات اعتادت دائرة الأوقاف على إقامتها كلّ عام.

عائلات فلسطينية تشارك في إفطار جماعي في باحات المسجد الأقصى خلال شهر رمضان (صورة أرشيفية. تصوير فايز أبو رملة - أ ف ب).

مَن إذاً "المسموح لهم" بالدخول إلى المسجد الأقصى تحت عين الاحتلال؟

يفرض الاحتلال على الزائِرين من الضفة الغربية قيوداً صارمة جداً. حسب محافظة القدس، بلّغ الاحتلال بأن سقف عدد المصلّين المسموح لهم الدخول للصلاة يوم الجمعة، أي أكثر الأيام أهمية وقداسة واكتظاظاً في شهر رمضان، وسواه من الشهور، لا يتجاوز حدّ 10 آلاف مصلٍّ. يستبعد منهم الرجال تحت سنّ 55 عاماً والنساء تحت سن 50 عاماً. وحتى بالنسبة لهؤلاء الذين تجاوزوا هذه الأعمار، فيتوجب الحصول على موافَقات مسبقة بالدخول حتى يُسمح لهم ذلك!

توصَف هذه القيود والإبعادات بأنها غير مسبوقة، رغم أنها ليست غريبة عن مدينة القدس والأقصى، وهي تطال أهل الضفة وأهل الداخل الفلسطيني والمقدسيين أبناء المدينة الذين أُبعد كثير منهم.

وأكدت محافظة القدس أن هذه الإجراءات تُمثل حلقة جديدة في سياسة التضييق الممنهَجة، داعية أبناء الشعب الفلسطيني، لا سيما فلسطينيي أراضي 48، إلى مواصلة شدّ الرحال والرباط وإعمار المسجد الأقصى، دعما لصمود القدس وأهلها في مواجهة محاولات التفريغ والتهويد.

باب الأسباط، إحدى بوابات مدينة القدس.

ما تصفه المحافظة بـ"التضييق الممنهج"، يصفه الباحث زياد ابحيص، المختص في شؤون القدس، بـ"اختبار آلية التصفية". في مقابلة له مع منصّة "ساحات"، أكّد الباحث أن شهر رمضان هو "موسم اختبار الاحتلال لقدرته على فرض وقائع جديدة على المسجد الأقصى"، من منطلق أن "ما يمكن فرضه في شهر رمضان يمكن أن يُفرَض أضعافه في غيره"، محذّراً من أن ما يحصل يكشف نيّة الاحتلال شنّ عدوان كبير على المسجد الأقصى في شهر رمضان وبعده.

____________
من دفاتر السفير العربي
القدس: المدينة التي وقعت عن سكة الوقت
____________

أمّا الإبعاد، فوصفة جاهزة يستخدمها الاحتلال بوفرة. وآلية الإبعاد الإسرائيلية باتت أسهل من تحرير ضبط مروري لسيارة مخالِفة، فيقف الشرطي مع مجموعة من الأوراق المختومة الجاهزة عند بوابات المسجد، ويكفي أن يشير لأحد الداخلين بعينه فيأخذ اسمه ورقم هويته، يضيفهما إلى الورقة ويسلمه ورقة قرار الإبعاد. بل أنّ شرطة الاحتلال باتت تدخل إلى داخل المسجد لتسلم المصلّين في الصف الأول بعد الصلاة قرارات الإبعاد، حسب شهادات عدة من الأقصى، وكما أكّد ابحيص.

في هذا السياق، أصدرت مؤسسة القدس الدولية بياناً جاء فيه أن الاحتلال استبق شهر رمضان بأكثر من ألف إبعاد عن المسجد الأقصى حتى تاريخ 10 شباط/ فبراير، وأنه "يستسهل الإبعادات حتى باتت تُرسل برسائل نصية وعبر تطبيقات التواصل".

شرطيات الاحتلال تعتقلن امرأة فلسطينية وتدفعنها بعيداً على المسجد الأقصى في القدس.
(صورة أرشيفية (2022) - وكالة وفا).

في ورقته البحثية، "الأقصى في رمضان: اختبار آلية التصفية"، الصادرة في 14 شباط / فبراير الحالي عن مؤسسة القدس الدولية، يستعرض زياد ابحيص المختص بالشؤون المقدسية تاريخ القمع الإسرائيلي في الأقصى على امتداد هبّات رمضانية منذ العام 2014 (الهبّة الشعبية بعيد استشهاد الطفل محمد أبو خضير الذي أحرقه المستوطنون) إلى يومنا هذا، وفي ظلّ الإبادة الوحشية لقطاع غزة وتمدّدها إلى سائر فلسطين. يخلص الباحث إلى أن الرؤية الإجمالية التي يحملها الاحتلال تجاه الأقصى اليوم، هي رؤية الإحلال التام والتهويد التام على مراحل.

من هنا، فإن شهر رمضان هو موسم اختبار قدرة الاحتلال على فرض وقائع تهويدية، وهو ما حوّل الشهر من طقس عبادي درج الناس على الاعتكاف فيه في المسجد الأقصى، إلى موسم مواجهة فلسطينية وعدوان إسرائيلي، خصوصاً مع "حرص وزير الأمن القومي الصهيوني على تعيين شريكه في تيار الصهيونية الدينية، أفشالوم بيليد، قائداً لشرطة الاحتلال في القدس"، حسب الورقة البحثة، وتعجيله بتسليم بيليد – الآتي من خلفية عسكرية والمؤمن بتحويل الأقصى إلى هيكل - المنصب في أوائل العام الحالي، ليتعامل بنفسه مع خطة شهر رمضان والأقصى لهذا العام.

وبالفعل، كانت أولى قرارات قائد الشرطة الجديد تقضي بالسماح للمقتحِمين للأقصى من المستوطنين إدخال أوراق الصلاة التوراتية إلىه، وتمكينهم من تعديل مسارات اقتحاماتهم ليتسنى لهم الوصول إلى صحن الصخرة في قلب المسجد الأقصى. وفي القادم من الأيام، مع تزامن عيد المساخر العبري في أيام شهر رمضان (بين 12 و14 رمضان الحالي)، يُتوقّع تجدد الاقتحامات الكبيرة لحرم الأقصى، وبالتالي قمع وعدوان أكبر لتشجيع طقوس المستوطنين، في إطار عيد يعتبر ثانوياً جداً، إلا أنه يستخدم ذريعة متكررة للاقتحام داخل شهر رمضان.

مقالات من فلسطين

تحية إلى ليلى شهيد

تلك هي ليلى شهيد، لمن عرفها عن قرب، كما لمن كان يعرفها عبر الأدوار بالغة الأهمية التي كانت تجيد الانتصار فيها. وسواء أكانت الصلة بين مأساة فلسطين المتجددة، وبين مأساتها...