لم يكُن معبر رفح أبداً، في أي يومٍ من الأيام، مجرّد ممر برّي بين بلديْن. كان دائماً بالنسبة إلى أكثر من مليونيْ شخص، أنا منهُم، بوابة الحُريّة والطريق إلى الحياة. هذا ما شعرتُ به في المرة الأولى واليتيمة، التي سافرتُ فيها وخرجتُ من مكاني، بعد ثمانيةٍ وعشرين عاماً عشتها في قطاع غزّة.
كان ذلك قبل ثلاثة أعوامٍ من الآن، شعرتُ حينها أنني كنتُ غارقاً في بحرٍ كبير. وفي لحظةٍ، بدا لي وكأنما شخص أنقذني وأخرجني إلى الهواء، لأتنفس قليلاً. بعد ثلاثة أسابيع عدتُ إلى غزّة، لأتحدّث حتى الآن عمّا رأيتُ في سفرتي الوحيدة، وما شاهدت في تُركيا، ولأحتفظ بكثير من التفاصيل، فصنعتُ لكلٍ منها قصّة، بدءاً من لقائي أشخاصاً من جنسياتٍ مختلفة، تونسيين، جزائريين، مغاربة، سوريين، مصريين، أتراكاً، وروساً، وحتى معاملتي اليوميّة مع الناس في الباص والمترو، فكانت لكلٍ منها حكاية.
غزة 2026
02-01-2026
لا أعتقد أنّ الغزيين قد شهدوا وضعاً جيداً على معبر رفح، أفضل من الأعوام الثلاثة قبل الحرب، 2021 و2022 و2023. قبل ذلك كانت غزّة مخنوقة بشكلٍ لا يُصدّق، يُفتح المعبر كلّ شهريْن أو ثلاثة مرّة، يخرجُ أولئك المكتوب لهم النجاة، وفي معظمهم من الطلبة العالقين أو أصحاب الجنسيات الأجنبيّة، وبعض المرضى أو من كان له نصيبٌ للقاء أقاربه وأهله في الخارج، ويعود من بقي عالقاً بعد إنجاز حاجةٍ ما أو عمل في الخارج، وبعد انتظارٍ طويل لا حدودَ له.
بعد ثلاثة أسابيع من خروجي من غزة في العام 2023، عدتُ إلى غزّة، لأتحدّث حتى الآن عمّا رأيتُ في سفرتي الوحيدة، وما شاهدت في تُركيا، ولأحتفظ بكثير من التفاصيل، فصنعتُ لكلٍ منها قصّة، بدءاً من لقائي أشخاصاً من جنسياتٍ مختلفة، تونسيين، جزائريين، مغاربة، سوريين، مصريين، أتراكاً، وروساً، وحتى معاملتي اليوميّة مع الناس في الباص والمترو، فكانت لكلٍ منها حكاية.
كانت الرحلة شاقّة، فساعات الانتظار في معبر رفح في ذلك الوقت، على الرغم من أنهُ كان الأفضل، تطلّبتْ حوالي اثنتي عشرة ساعة، عدا عن إجراءات السفر والتفتيش داخل جمهورية مصر، وإجراءات الترحيل والانتظار عبرَ المطار، التي تتطلّب كثيراً من الوقت والتفاصيل، لا يُفهم منها شيء، ولا يستوعبها الفلسطيني...
على الرغم من ذلك، وبالنظر إلى تحسّن الوضع على معبر رفح في السنوات الثلاث المذكورة، إلّا أنهُ لم يصل أبداً إلى وضعٍ يعيش فيه الفلسطينيون حالة سفرٍ طبيعية، وسهلة وسلسة مثلّ سائر العالم. قابلتُ خلال وجودي في إسطنبول عام 2023 شاباً مغربياً، جاء مع عروسه بعد زواجهما بعدّة ساعات، ولم يفصل بين زواجه في الرباط ووصوله إلى الأراضي التركية سوى ثمان ساعات، فيما لم أستطع مقارنة ذلك مع نفسي ووضعي، فأنا حينها كنتُ ابن غزّة، الذي اضطرّ إلى الانتظار أكثر من ستٍّ وثلاثين ساعة، للوصول إلى وجهته، منذ انطلاقه من بيته في مدينة غزّة.
كانت الرحلة شاقّة، فساعات الانتظار في معبر رفح في ذلك الوقت، على الرغم من أنهُ كان الأفضل، تطلّبتْ حوالي اثنتي عشرة ساعة، عدا عن إجراءات السفر والتفتيش داخل جمهورية مصر، وإجراءات الترحيل والانتظار عبرَ المطار، التي تتطلّب كثيراً من الوقت والتفاصيل، لا يُفهم منها شيء، ولا يستوعبها الفلسطيني، الذي يقف في ظرفٍ صعب داخل المطارات، فيما يمرُ غيره من الأجانب بشكلٍ طبيعي في طابورٍ آخر، سريع!
وليس الجدل ومن ثَمَّ المعاناة حول معبر رفح وفيه، بشيءٍ جديد، فهذا أمر ممُتد منذ سنوات، وقد تعاقب على السيطرة على المعبر عدّة جهات، بدءًا من السيطرة الإسرائيلية عليه قبل وجود السلطة الفلسطينية، وحتى وجودها وقبل عملية الانسحاب عام 2005 من قطاع غزّة، وكانت تلك هي الفترة الوحيدة التي تحوّل المعبر فيها إلى ممر فلسطيني بحت، بلا سيطرة من الاحتلال أو تحكّم كامل فيه.
لكن أحداث الانقسام عام 2007 وسيطرة حركة حماس على القطاع، قلبت المُعادلة، فتحوّل المعبر إلى بوابة مُقفلة كبيرة، وأدى انسحاب البعثة الأوروبية التي كانت تعمل على المعبر بموجب اتفاقية عام 2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، إلى تعطيل عمله، مع عدم وجود سُلطة شرعية معترف بها رسمياً لتُدير الممرّ.
ما بعد الثورة المصريّة في 2011، كان للفلسطينيين نصيبٌ من فتح المعبر عاميْ 2011 و2012، لكن ذلك تغيّر في السنوات اللاحقة، حين تعاقبت الأحداث الأمنية والأزمات في سيناء، التي كان يُرجَع سبب بعضها إلى قطاع غزّة وعمليات التهريب وخروج المُسلحين منه - وفق الادعاء المصري. في عام 2015 مثلاً، لم يُفتح معبر رفح إلّا ستَ مرّات توزعت على 19 يوماً، وهو ما يُشبه "الفورة" التي يخرج فيها السُجناء للهواء الطلق في المعتقلات.
أحداث الانقسام عام 2007 وسيطرة حركة حماس على القطاع، قلبت المُعادلة، فتحوّل المعبر إلى بوابة مُقفلة كبيرة، وأدى انسحاب البعثة الأوروبية التي كانت تعمل على المعبر بموجب اتفاقية عام 2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، إلى تعطيل عمله، مع عدم وجود سُلطة شرعية معترف بها رسمياً لتُدير الممرّ.
خلال سنوات الحرب الاخيرة، تحوّل المعبر إلى "حلّابة" بالوصف المحلّي، تقوم على حَلب أموال الناس واستنزافها. فقد وصلت الحال إلى أن يدفع المواطن الواحد مبالغ تفوق 7000 دولار، إلى أن قلّ ليكون 5000 دولار، وأقل قليلًا في بعض الأحيان، وذلك فيما يُشبه "صكّ حياة" يأخذه الشخص ليخرج من جحيم الحرب إلى الحياة في مصر، وباستخدام ما تُسمى "التنسيقات" التي يجري تنظيمها باستخدام شركات خاصة في مصر، وبالتعاون مع السلطات.
هذا التاريخ الطويل من المعاناة عبر "بوابة غزة الى العالم"، يدفعني إلى أن أصف الأعوام الثلاثة ما قبلَ الحرب، بالأعوام "الذهبيّة" للغزيين، فتلك هي التي عادَ فيها كثيرون، ممن يستقرون في الخارج، ليزوروا أهلهم وليستعيدوا ذكرياتهم، وهي تلك التي حظي فيها كثيرٌ من الناس – مثلي – بفرصة لرؤية العالم ولو مرّة، أو لزيارة أقاربهم، وأحياناً للحصول على فرصهم في العمل والهجرة، وكثيرون في إتمام حلم الناس: "العُمرة" في السعودية.
أمّا قصة معبر رفح في الحرب، فهي أُم القصص، ومن أشهرها سوءاً ومعاناةً. إذ تحوّل المعبر إلى "حلّابة" بالوصف المحلّي، تقوم على حَلب أموال الناس واستنزافها. فقد وصلت الحال إلى أن يدفع المواطن الواحد مبالغ تفوق 7000 دولار، إلى أن قلّ ليكون 5000 دولار، وأقل قليلًا في بعض الأحيان، وذلك فيما يُشبه "صكّ حياة" يأخذه الشخص ليخرج من جحيم الحرب إلى الحياة في مصر، وباستخدام ما تُسمى "التنسيقات" التي يجري تنظيمها باستخدام شركات خاصة في مصر، وبالتعاون مع السلطات.
أدت السيطرة الإسرائيلية على رفح و"محور فيلادلفيا"، الذي تمسّك نتنياهو به طويلاً، وحوّله مع الوقت إلى "شماعة" لتدمير ما تبقى من الجزء الجنوبي للقطاع، إلى إنهاء آخر أمل لنا كغزيين في مغادرة هذا المكان، وتحوّل أيضاً إلى ورقة ضغط كبيرة، نراها الآن حيث تُستخدم.
نص اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 على فتح معبر رفح في المرحلة الأولى من الاتفاق، التي بدأت مع فترة التوقيع. لكن المعبر لم يُفتح إلّا قبل أيامٍ قليلة، وقد حوّله الاحتلال إلى ورقة ابتزاز وضغط، على الرغم من وجود أكثر من 18 ألف مريض وجريح بحاجة إلى السفر الطارئ من القطاع.
فُتح المعبر أخيراً، لكن على طريقة الاتفاق الذي تَحوّل إلى "وقف إطلاق نار شكلي وإعلامي". صارَ فتح المعبر فتحاً "شكلياً وإعلامياً". ففي حين يُفترض سفر أعداد كبيرة من الناس، وعودة أعداد أقل قليلاً إلى قطاع غزّة يومياً، إلا أن عدد الخارجين من القطاع لا يزيد على 50 إلى 70 شخصاً يومياً، فيما يعود من 20 إلى 40 شخصاً إلى القطاع.
ليس ذلك فقط، فالطريقة التي تجري فيها آلية عمل المعبر كارثية ، ولم يعشها الفلسطينيون في السابق، على الرغم من سوء عمل المعبر طوال السنوات السالفة، إلّا أن الحالة الحاليّة هي الأكثر مأساويّة في التاريخ الفلسطيني في هذه البُقعة.
يتعرّض العائدون إلى غزّة لعمليات إذلال غير مسبوقة، فتخضع النساء وكذلك الأطفال للتحقيق والتفتيش والتقييد، ويبقون ساعاتٍ طويلة قبل السماح لهم بالدخول إلى قطاع غزّة. كما يوبِّخ الجنود السيدات العائدات إلى غزّة ويهينوهنّ، بسبب "العودة"! فيما يحثّ الجنود بعض العائدين على البقاء في الخارج ويشجّعونهم على ذلك.
أما الخارجون من القطاع فيتعرض بعضهم إلى المنع من العبور على الرغم من حصولهم على موافقة أمنية إسرائيلية مُسبقة. فالاتفاقية التي يجري فيها عمل المعبر حالياً، تنص على موافقات مصرية وإسرائيلية وأوروبية. والفلسطينيون؟ مُهمتهم فقط - كما قال نتنياهو - ختم الجوازات الخارجة والداخلة، فهذه بطبيعة الحال ضرورة قانونيّة ودولية ولا يُمكن تجاوزها.
نص اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 على فتح معبر رفح في المرحلة الأولى من الاتفاق، التي بدأت مع فترة التوقيع. لكن المعبر لم يُفتح إلّا قبل أيامٍ قليلة، وقد حوّله الاحتلال إلى ورقة ابتزاز وضغط، على الرغم من وجود أكثر من 18 ألف مريض وجريح بحاجة إلى السفر الطارئ من القطاع.
يتعرّض العائدون إلى غزّة لعمليات إذلال غير مسبوقة، فتخضع النساء وكذلك الأطفال للتحقيق والتفتيش والتقييد، ويبقون ساعاتٍ طويلة قبل السماح لهم بالدخول إلى قطاع غزّة. كما يوبِّخ الجنود السيدات العائدات إلى غزّة ويهينوهنّ، بسبب "العودة"! فيما يحثّ الجنود بعض العائدين على البقاء في الخارج ويشجّعونهم على ذلك.
كتبَ المؤرخ والمفكّر الإسرائيلي إيلان بابيه كتاباً عنوانه "أكبر سجن على وجه الأرض"، كنتُ قد قرأته في خيمتي وسط قطاع غزّة سنة 2024، حين كنُا في سجونٍ ضيّقة، نعيش في خيم وفي مناطق محددة، ولم تكن العودة إلى مدينة غزّة – شمالاً – مسموحٌ بها. يتحدّث الكتاب عن الضفة الغربية وقطاع غزّة، لكنهُ يركّز على القطاع خاصة، ويصف تحوّله عبر سنوات إلى سجنٍ كبير، بدءاً من الاحتلال وحتى التضييق والحصار، وصولاً إلى حروب غزة الطويلة، وإغلاق المعابر.
ليس الأمر جديداً حقاً، فمعبر رفح كان ولا يزال لعنة أبدية، عانى وسيُعاني منها الغزيون.
أعتقد أنهم يجب أن يكتبوا عنوان الكتاب على بوابة المعبر، بدلاً من عبارة "أهلاً بكم في فلسطين" التي دمّرتها الآليات الإسرائيلية، وبدلاً من عبارة "غزة ترحب بكم" الشهيرة، التي كانت تظهر لكل من يدخل المدينة...






