منذ انهيار نظام العقيد الراحل معمر القذافي إلى الآن، توالى على الملفّ الليبي عشرة مبعوثين أمميين، لم ينجحوا في اختراق جدار الأزمة التي باتت فعلياً عصيّة على الحلّ بحكم خضوعها لتوازنات داخلية وإقليمية مُعقّدة. من عبد الإله الخطيب، مروراً بغسان سلامة وستيفاني ويليامز، وصولاً إلى المبعوثة الأممية الحاليّة، هانا تيتيه، يتكرّر المشهد نفسه: دبلوماسيون يأتون بتفاؤل سرعان ما تُبدّده الحقائق الميدانية التي تُقيِّد أي تحرّك جدّي للحلّ، ثُمّ يُغادرون دون أي مكسب يُذكَر.
انقسامٌ حاد
لا يمكن فهم وتفكيك أسباب إخفاق المبعوثين الأمميين إلى ليبيا دون التوقّف عند حقيقةٍ تَحْكُم المشهد السياسي والعسكري في البلاد منذ نحو عقد من الزّمن، وهي غياب سلطة مُوحّدة ومؤسسات أمنية وعسكريّة قادرة على فرض القرار وتنفيذه. ففي آب/ أغسطس الماضي، وبينما كانت المبعوثة الأمميّة، هانا تيتيه، تستعدّ لتقديم إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي لعرض خريطة طريق الحلّ، أحبطت السلطات محاولة لقصف مقرّ البعثة في طرابلس بالصواريخ.
لا يعكس الانقسام الحكومي خلافاً سياسياً فحسب، بل يُمثِّل صراعاً على الشّرعيّة والموارد، من مؤسسة النفط وصولاً إلى المصرف المركزي، وهو صراع تتمّ إدارته عبر ميليشيات تتناحر على النفوذ بشكل روتيني.
منذ 2011، تشكّلت نخبة سياسية وعسكريّة واقتصاديّة جديدة لم تنبثق عن مسار سياسي أو انتخابي أو مؤسسات شرعيّة راسخة، بل عن توازنات عسكريّة. وهذه النخبة تسعى إلى تعطيل الحلول بدل دعمها، من أجل الحفاظ على مواقع النفوذ الخاصّة بها.
لم يكن الأمر مجرّد حادث أمني، إذ يحمل دلالات سياسية مُهمّة، أبرزها أنّ البعثة تعمل في بيئة تخضع لمنطق القوّة، وكذلك أن المبادرات الأممية تُقرأ من زاوية المصالح الضيّقة للميليشيات والأطراف السياسية المتمرسة خلفها. فرئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، كان يخشى أن تتبنّى تيتيه مقترحات خصومه الراميّة إلى استبعاده من الحكم لتوحيد السلطة التنفيذية. فليبيا تعيش على وقع انقسام حكومي مع حكومتَين: الأولى في الغرب، مُعترف بها دولياً، برئاسة الدبيبة، والثانية حكومة الاستقرار الوطني، برئاسة أسامة حماد، المدعومة من البرلمان و"الجيش"، والتي تسيطر فعلياً على شرق البلاد وأجزاء من الجنوب.
لا يعكس هذا الانقسام الخلاف السياسي فحسب، بل يُمثِّل صراعاً على الشّرعيّة والموارد، من مؤسسة النفط وصولاً إلى المصرف المركزي، وهو صراع تتمّ إدارته عبر ميليشيات تتناحر على النفوذ بشكل روتيني. تشكّلت منذ 2011 نخبة سياسية وعسكريّة واقتصاديّة جديدة لم تنبثق عن مسار سياسي أو انتخابي أو مؤسسات شرعيّة راسخة، بل عن توازنات عسكريّة. وهذه النخبة تسعى إلى تعطيل الحلول بدل دعمها، من أجل الحفاظ على مواقع النفوذ الخاصّة بها. هكذا تصير أيّ محاولة للوصول إلى مخرج للأزمة تعني إقصاءً لهذا الطرف أو ذاك من المشهد، أو فقدانه للامتيازات التي كان يتمتّع بها. لذلك يسعى كل طرف إلى إرباك البعثة الأمميّة واتّهامها بالانحياز لخصومه.
لذلك غاب الإجماع على الحوار المُهيكل الذي أطلقته تيتيه في كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، بعد ترقّب وانتظار دام لأكثر من ثلاثة أشهر، حيث يتحفّظ حفتر بشكل كبير عليه. تَجلّى هذا التحفّظ في لقاءات عقدها مع القبائل الليبية، استبق بها إطلاق الحوار المهيكل، ودعا خلالها إلى "انتفاضة" من الشعب ضدّ التدخلات الخارجية، وإلى تكريس حلّ ليبي-ليبي للأزمة. يتجسّد التحفّظ أيضاً في مطالبة حكومة الاستقرار الوطني، التي تحظى بدعم من حفتر، بمغادرة البعثة الأممية لليبيا، وهو ما جعل عدة أطراف تمتنع عن المشاركة في الحوار الذي انطلق يوم 13 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بمشاركة 124 عضواً.
بهذا المنطق، تتحوّل الوساطة الأممية من إطار محايد لتقريب وجهات النّظر إلى ساحة جديدة للصراع، يسعى من خلاله الفرقاء إلى إعادة ترتيب موازين القوى. فكلّ مبادرة يطرحها المبعوث الأممي تُقاس بقدرتها على ترجيح كفّة طرف على حساب آخر.
تدخّلات دوليّة مُربكة
أزمة المبعوثين الأمميين إلى ليبيا ليست نتاج التعقيدات الداخليّة فحسب، بل تعود أيضاً إلى تشابك المصالح الدوليّة، حيث تخضع عملية تعيين المبعوث في مجلس الأمن الدولي إلى توازنات دقيقة بين القوى الكبرى. كان تعيين ستيفاني ويليامز قد كشف عن هذا الخلل، فبحكم جنسيّتها الأميركية كانت تُصنّف من قبل الأطراف المتناحرة على أنها أقرب إلى خيارات واشنطن وتصوّرِها للحلّ في ليبيا. وسواء كان هذا التصنيف دقيقاً أم لا، فإنّ عواقبه على عمل ويليامز كانت وخيمة، حيث أربك خططها للحلّ وحوّلها من مجرّد وسيط يقف على مسافة واحدة من الفرقاء إلى طرفٍ يتمّ تقييمه من خلال جملة من المعطيات، كالجنسيّة والخلفيّة السياسية، قبل الاطّلاع حتى على مقترحاته.
تتحوّل الوساطة الأممية من إطار محايد لتقريب وجهات النّظر إلى ساحة جديدة للصراع، يسعى من خلاله الفرقاء إلى إعادة ترتيب موازين القوى، فكلّ مبادرة يطرحها المبعوث الأممي تُقاس بقدرتها على ترجيح كفّة طرف على حساب آخر.
يستخدم الفرقاء الكثير من الأدوات لعرقلة عمل المبعوثين، ومن أبرزها التجاذب حول القوانين الانتخابية. فكلّ طرف يريد قواعد "على المقاس"، تضمن له الاستمرارية في المشهد. لكن الأداة الأهمّ للتعطيل تبقى السلاح الذي يُستخدَم لإفشال أي مسار سياسي.
تُواجه المبعوثة الحاليّة، هانا تيتيه، المعضلة نفسها، فعلى الرغم من أنّها غانيّة، إلا أنّ تعيينها لم يكن خطوة تقنيّة فحسب من مجلس الأمن الدولي، حيث دفعت روسيا نحو اختيار مبعوث أممي إفريقي إلى ليبيا، باعتباره أقدر على إدراك تعقيدات هذا الملفّ. وفي ظلّ نجاح الأطراف المحليّة والدولية في ترسيخ المعادلة المعطِّلة للحلّ، فإن مهمّة تيتيه تتجّه إلى تكرار الفشل، إذ يصعب إحداث اختراق حقيقي في خضمّ انقسام داخلي عميق وتنافس دولي محموم على بلد غنيّ بثروته النفطيّة.
أدوات للعرقلة
عند تعيين أيّ مبعوث أممي جديد إلى ليبيا، تُطرح مسألة الانتخابات البرلمانية والرئاسية كإحدى أبرز الأولويات - وهذا منطقي بالنظر إلى ضرورة تجديد شرعية المؤسسات السياسية والسيادية في البلاد - إلا أنّ الفرقاء يستخدمون الكثير من الأدوات لعرقلة عمل المبعوثين. من أبرز هذه الأدوات التجاذب حول القوانين الانتخابية. فكلّ طرف يريد قواعد "على المقاس"، تضمن له الاستمرارية في المشهد. عندما طُرحت هذه الأزمة، تمسّكت جماعة "الإخوان" بضرورة استبعاد العسكريين من السباق، وهو أمر رفضه حفتر، ما قوَّض الاستحقاق الرئاسي والبرلماني في العام 2021.
كل أدوات التعطيل هذه مدعومة من قوى أجنبية. فكلّ طرف ليبي له داعمه الخارجي الذي يتحرّك في المحافل الأممية، وفي مجلس الأمن الدولي، لتعطيل أي قرار يستهدف حليفه المحليّ، لذلك يبقى الوفاق هدفاً صعبَ المنال في البلاد..
إضافة إلى ذلك، باتت المؤسسات السيادية، على غرار المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط وديوان المحاسبة، ساحةً للتنافس السياسي، ما أفرغ عمل هذه المؤسسات من مضمونها وجعلها رهينة حسابات سياسية واقتصادية، حيث يسعى كل طرف إلى استغلال مواردها.
لكن الأداة الأهمّ للتعطيل تبقى السلاح الذي يُستخدم لإفشال أي مسار سياسي، سواء بتصعيد ميداني علني، أو بالتهديد باستخدام القوّة، كما من خلال تعزيز أنشطة غير مشروعة مثل التهريب والاتجار بالبشر، وهو ما يجعل الميليشيات الموجودة نفسها مستفيدة من استمرار الفوضى السياسية والأمنية، وتسعى هي الأخرى لمنع الحلّ. وباتت مناطق برمتها في غرب ليبيا أو شرقها معروفة بكونها معقلاً لتهريب الوقود والمخدرات والاتجار بالبشر.
فن الحرب: تفكيك أوصال ليبيا
12-02-2014
كل أدوات التعطيل هذه مدعومة من قوى أجنبية. فكلّ طرف ليبي له داعمه الخارجي الذي يتحرّك في المحافل الأممية وفي مجلس الأمن الدولي لتعطيل أي قرار يستهدف حليفه المحليّ. لذلك يبقى الوفاق هدفاً صعبَ المنال في البلاد، في ظلّ تقاطع مصالح الأطراف المحليّة مع المتدخّلين الدوليين.
وفي المُحصّلة، لا يعود الفشل الأممي في ليبيا إلى محدودية الخبرة والكفاءة الدبلوماسية للمبعوثين فحسب، بل أيضاً إلى وفرة أدوات التعطيل لدى الفرقاء المحليين، بالإضافة إلى التنافس الدولي على ثروات البلد.



