إعداد وتحرير: صباح جلّول
في 23 كانون الثاني/ يناير الماضي، شارك الطبيب وجراح الترميم والتجميل الفلسطيني غسان أبو ستة منشوراً شديد اللهجة على صفحته على انستغرام يقول فيه: "منظمة أطباء بلا حدود، بفروعها الأربعة، على وشك تسليم الحكومة الإسرائيلية لائحة بكامل أسماء موظفيها الفلسطينيين، واضعة حياتهم وحياة عائلاتهم في خطر، وفي خرق صريح للقوانين الأوروبية لحماية البيانات.
الحرية للأطباء الأنبل في هذا العالَم..
17-07-2025
"يأتي هذا المنشور بعد طلب، بل أوامر، من الحكومة الإسرائيلية لـِ37 منظمة دولية عاملة في غزة لتقديم وثائق وبيانات حول موظفيها المحليين والدوليين في القطاع، زاعِمة أن ذلك "إجراء ضروري" بغية منع "تسلّل عناصر إرهابية إلى الهياكل الإنسانية"، حسب تعبير الحكومة المشرِفة على إبادة الفلسطينيين.
الضغطُ النافع
كان الاحتلال قد أعلن في آخر عام 2025 نيّته إلغاء تراخيص منظمات دولية غير حكومية تعمل في غزة والضفة الغربية المحتلة، لـ"عدم استيفاء متطلبات التسجيل الجديدة" التي طلبها منهم.
في 24 كانون الثاني/ يناير، بعد منشور أبو ستة بيومٍ واحد، بدا أن المنظمة ما زالت عازمة على الانصياع للشرط الإسرائيلي، فصدر عنها بيان جاء فيه:
"أبلغت منظمة أطباء بلا حدود السلطات الإسرائيلية بأنها، وبصورة استثنائية، على استعداد لمشاركة قائمة محددة بأسماء الموظفين الفلسطينيين والدوليين وفق معايير واضحة تضع سلامة الموظفين في صميم أولوياتها".
في البيان نفسه، تبرر المنظمة قرارها بالقول إنها مجبرة عليه "لتجنب تعليق عملياتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة اعتباراً من 1 آذار/ مارس 2026"، الموعد الذي حدده الاحتلال قبل منعها من العمل تماماً. تضيف تبريراً لما سبق بان موقفها يأتي "عقب مناقشات مستفيضة مع زملائنا الفلسطينيين، علماً أنّه لن يُتخذ إلا بعد الحصول على موافقة صريحة من الأشخاص المعنيين".
قاد الدكتور غسان أبو ستة حملة واسعة على مدى الأسبوع الذى تلا البيان، وبعد التشاور مع أطباء فلسطينيين في غزة وفي المنظمة نفسها، فَنّد فيها الأسباب التي أعطتها المنظمة تبريراً لقرارها الذي كان وشيك الحدوث، ودعا إلى ضغط طبي وشعبي لرفض هذه التصرفات التي ترقى إلى التعاون مع الاحتلال. ويبدو أنّ الضغط الواسع قد أثمر تغييراً في موقف المنظمة التي أصدرت بياناً يوم 30 كانون الثاني/ يناير 2026:
"بعد عدّة أشهر من محاولات التواصل غير المثمرة مع السلطات الإسرائيلية، وفي ظل غياب أي ضمانات تكفل سلامة موظفينا أو تتيح لنا إدارة عملياتنا بشكل مستقل، خلصت منظمة أطباء بلا حدود إلى أنّها لن تشارك قائمة بأسماء موظفيها الفلسطينيين والدوليين مع السلطات الإسرائيلية في الظروف الحالية".
في مقابلة مع موقع "إلكترونيك إنتفاضة" (Electronic Intifada)، أجاب الدكتور غسان أبو ستة عن سؤال حول سبب تصديه للمسألة ومهاجمة قرار أطباء بلا حدود بشكلٍ علني عنيف، قائلاً إن الموضوع يتجاوز لائحة الأسماء المطلوبة فحسب، وهي أمر خطير بذاته. يقول إن الاحتلال يعرف على الأغلب مَن يعمل مع منظمة أطباء بلا حدود، وهو قد يطلب لوائح بمعلومات موجودة لديه بالفعل. لكنّ هذا الطلب يعني ما هو أبعد من ذلك. يعني بداية سلسلة من طلبات اللوائح والأسماء الأخرى التي ستلحق تلك اللائحة الأولى. على سبيل المثال، قد يطلب الاحتلال اللوائح القصيرة لموظفين محتمَلين في الوظائف المتاحة، مما يتيح له التدخل في طلب شطب أسماء أشخاص معينين من اللوائح، يليها بالتأكيد طلب لأسماء المرضى الذين يستفيدون من خدمات المنظمة، يليه تحديد لأسماء الأشخاص المقبول تقديم الرعاية لهم، وأسماء أخرى ممنوعة من التعامل مع المنظمة كلياً، وهكذا...
يسأل الدكتور أبو ستة كيف للمنظمات الدولية والإنسانية أن تتخذ قراراً بمنح كيان إباديّ، قتل 563 من عمال الإغاثة و1700 من الجسم الطبي الفلسطيني في حرب إبادة جنونية- 15 منهم كانوا عاملين مع أطباء بلا حدود، لائحة بأسماء عمال في منظمات صحية وإغاثية وإنسانية.
"ليس فقط أمراً خاطئاً ولا-أخلاقياً وخطيراً، يضع حيوات هؤلاء الموظفين في دائرة الخطر المباشر، لكنه أيضاً مخالِف للقوانين الأوروبية التي تضع مسألة حماية الموظف على صاحب العمل الأوروبي، كما هي خرق لقوانين حماية البيانات الأوروبية"، يفسّر أبو ستة، مستنتجاً أنه "كيفما نظر المرء إلى الأمر، يتبيّن أن هذا الخيار خاطئ".
الدور المطلوب
ينطلق الدكتور أبو ستة من الجدل حول هذا القرار بالذات للتحذير مما يرى أنه يُحاك خلف هذه القرارات. يتهم المنظمات الدولية التي تقبل بهذه الأوامر الإسرائيلية بأنها قد قبلت بدورها في ما يسمى بـ"غزة الجديدة"، خطة ترامب الطالعة من التقاليد الاستعمارية بالحرف، "كما تَصوَّرها المستعمِرون، على شكل "محميّات" للهنود الحمر بعد إبادتهم في شمال أميركا".
يعني الدكتور أبو ستة أنّ وظيفة المنظمات الدولية والإنسانية، تحت هذه الشروط وهذا التصور، تتحوّل تماماً. تصير في مكانٍ كغزّة كوظيفة كافيتيريا السجن. يقول إنّ خطة كوشنر هي تحويل غزة إلى سجن مفتوح من نوع آخر، لا يشبه سجنها المفتوح ما قبلَ الإبادة. هو سجنٌ حديث، تتمّ فيه مراقبة الأفراد (كنموذج برج المراقبة في البانوبتيكون)، حيث يتمكّن مديرو السجن من منع خدمات معينة عن أفراد معينين في حال لم يلتزموا بأدق التعليمات و"يسمعوا الكلام".

يرى الدكتور غسان أبو ستة أن هذا المنحى هو نتيجة قرار الدول المستعمِرة التخلّي عن نماذجها الليبرالية (بعلّاتها الكثيرة) والانتقال إلى أيديولوجية أكثر عنصرية وأقل استعداداً للتعاطف. من خلال هذه العدسات الاستعمارية الجديدة-القديمة، يرى هؤلاء أن الفلسطينيين هم مجرد كائنات صودِفَ وجودها على هذه الأرض، تمتلك بعض الحاجات البيولوجية، لكنهم لا يرقون لكونهم شعباً له قرار، يقاوم المحتلّ ويطالب بوطنه. "أفاقت المنظمات الإنسانية الدولية على عالم جديد لم تعد فيه هيَ الطفل المدلَّل للسياسات الليبرالية العالمية، وقبلت بالتالي بالدور التالي المتاح لها والمطلوب منها" - أن تكون ذراعاً استعمارية أخرى، وإلّا يتمّ الاستغناء عنها.
لكن لماذا كان تقبُّل مناقشة هذا الطلب الإسرائيلي سهلاً وبلا مقاومة بالنسبة لمنظمة مثل أطباء بلا حدود؟ يجيب الدكتور أبو ستة: "السبب هو مفهوم الحياد الطبي"، كأنّ على الأطباء أن يتواجدوا في مساحة عياديّة ("كلينيكية") معقّمة من أي مؤثرات وترضى بشروط المكان دون دور مبدأي، مع أن الطبّ بالأساس هو مسألة أخلاقية أولاً!

عندما تختبئ المنظمة في بيانها الأوّل خلف كلمات مثل أن القرار سيتّخذ "عقب مناقشات مستفيضة مع زملائنا الفلسطينيين، علماً أنّه لن يُتخذ إلا بعد الحصول على موافقة صريحة من الأشخاص المعنيين"، فهذا يفترض خياراً عند الأشخاص المعنيين. بالنسبة للدكتور أبو ستة، فهؤلاء الأطباء الذين يحاولون إعالة عائلاتهم، وعائلاتهم الممتدة، بالأجر الذي يتقاضونه من منظمة أطباء بلا حدود، كيف لنا أن نصدّق أنهم أحرارٌ فعلاً وبدون ضغط للموافقة أو عدمها على التوقيع على ورقة يقبلون بها بمشاركة بياناتهم؟
ما معنى الطوعية في سياقٍ كهذا، تحكمه ضرورات الحياة القصوى؟ وكيف تكون تداعيات التطبيع مع هذه الإجبارات والممارَسات؟
عالَم الوحوش
يعود الدكتور أبو ستّة، بعد استعراض حالة منظمة أطباء بلا حدود في تعاملها مع حكومة الاحتلال، إلى رسم صورة أكبر عمّا يحدث في عالمنا. يرى أن ملامح هذا العالم يتضح، فأصحاب النفوذ في مراكز الرأسمال العالمي والغرب يسارعون إلى سحب هامش الحرية والتعبير الذي شعَر من قبل بأن منحه لن يؤثر عليه. إذ يشعر هذا المركز بالتهديد، يبدأ بالفعل بتضييق الهوامش، وهو ما يرى أنه يحدث اليوم.
علامات العصر الجديد
08-01-2026
الحكم الذاتي الفلسطيني يدخل حقبة جديدة مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"
02-02-2026
يعطي الطبيب أبو ستة شاهداً في ما حلّ بالمجلس الطبي العام(GMC) في المملكة المتحدة، ويقول إنه "بات يشبه نقابة أطبّاء بَعثية"، تقوم بقمع آراء الأطباء السياسية تحت تهديد سحب رخصتهم لممارسة مهنة الطبّ. مثال آخر هو ما يحدث في مؤسسات إعلامية كبيرة، تفصل موظفيها من العمل بناء على سحب منشورات قديمة لهم عن تويتر نشروها في العام 2014، وغيرها الكثير من الأمثلة عن استنفار كبير لخنق مساحات الحرية، التي صار جليّاً أنها لم تكن يوماً "حقاً غير مشروط" بالنسبة لهؤلاء، بل منحة يعطونها ويمنعونها حسب الحاجة، وبالحدود التي لا تمس نفوذهم.
****
في أثناء كتابة هذه السطور، نُشر خبر يقدّم دليلاً إضافياً على ما يصفه الدكتور أبو ستة. مفاد الخبر أن "مدير هيومن رايتش ووتش في إسرائيل وفلسطين، الحقوقي عمر شاكر، استقال من المنظمة بسبب منع الإدارة الجديدة إصدار تقرير مُنجَز وموافَق عليه حول تهجير الشعب الفلسطيني وحقّ العودة". حسب عبد الرحمن عياش، الذي عمل باحثاً في المنظمة، فإنّ القرار "فجّر غضباً عارماً داخل المنظمة، تجسّد في رسالة وقّع عليها 200 موظف (من أصل 500) لرفض موقف الإدارة الجديدة التي تنحدر لمستوى غير مسبوق".
واحدة تلو الأخرى، تنفض المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية التي تعمل وفق مبادئ حقوق الإنسان المتفق عليها أثوابها القديمة، وتَقبل، أو تُقبل لنفسها، بدور مفصلات في آلة الأقوياء والوحوش.



