الحكم الذاتي الفلسطيني يدخل حقبة جديدة مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"

مع التاريخ الطويل والتجربة المريرة من أشكال ونماذج الحكم الخارجي المعادي، المفروض على الشعب الفلسطيني، وتعاقبها، فإن الثابت كان مقاومة ذلك الشعب في كافة ساحات المواجهة، لسياسات الإبادة والحرمان والإقصاء، بطيف واسع من الوسائل، بحسب شروط وموازين كل معركة وجبهة. وكان أحياناً يتقدم وأحياناً يتراجع. هذا ربما أهم درس تاريخي في تقييمنا لمصير اللجنة الوطنية والمشروع الوطني نفسه في مواجهة ما هو قادم.
هذا النص محاولة لاستشراف ملامح حقبة جديدة يدخلها الحكم الذاتي الفلسطيني مع "اللجنة الوطنية لإدارة غزة."
2026-02-02

رجا الخالدي

باحث اقتصادي متخصص بالتنمية الفلسطينية


شارك
نبيل عناني - فلسطين

إنشاء "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، يسمح بإعلان انتهاء صامت لمرحلة أوسلو، التي مثّلت آخر نموذج من نماذج الحوكمة الذاتية (غير السيادية) الفلسطينية، خلال أكثر من قرن من تجارب الإدارة، تحت حكم امبريالي أو استعماري. في سياق اللا-نظام العالمي الذي يسهر عليه دونالد ترامب، متسلحاً بغطرسة القوة العسكرية الأميركية المفرِطة، فإن الشعب الفلسطيني ليس الوحيد أو الأقوى بين شعوب ودول العالم الذين أجبروا على الخضوع لإرادته، أو مزاجه. بينما وافقت حركة حماس على خطة ترامب على مضض، توقعت المنظمة/السلطة أن تحصد هي عودة لإدارتها للقطاع وكرسيّاً على طاولة القرار. وعلى الرغم من بقاء هاتين القوتين الرئيسيّتين كلاعبين في الساحة السياسية الفلسطينية، واحدة مهزومة عسكرياً في غزة، والثانية مهزومة سياسياً في الضفة الغربية، فإن باعهما لم يعد يصل أبعد من حق "عدم الممانعة" بخصوص تشكيل اللجنة الوطنية، ولا يصل إلى حد حق الإصرار على وقف حرب الإبادة، أو فتح معبر رفح الحيوي، أو مسائل حياتية أساسية كإدخال 200 ألف بيت متنقل لإغاثة شعب مكلوم.

الملعب الوحيد في البلد

على ضوء التواطؤ العربي (الإجباري أو الطوعي) مع سيادة مجلس السلام، وآليات إدارته العليا والمتوسطة، وعلى الرغم من تحفظ أوروبي وعالمي تجاه المجلس (خاصة في ميثاقه الذي يقر التخلي عن المنظومة الأممية القائمة منذ 75 سنة)، فقد بارك مجلس الأمن الدولي المشروع، وصار مجلس السلام وآلياته "الملعب الوحيد في البلد". استدركت منظمة التحرير مبكراً حتمية فرض صيغة ترامب المشوِّهة لكل المبادئ والشرعيات والأعراف بشأن قضية فلسطين، وحاولت بنجاح محدود إدخال صيغ ونصوص وتفضيلاتها على كل من خطة ترامب الأصلية وكذلك قرار مجلس الأمن وتشكيلة اللجنة الوطنية. كما حافظت المنظمة ولا تزال، على تنسيق وثيق مع الراعي المصري بخصوص الأمور السياسية الداخلية والأمنية، ومع العربية السعودية فيما يتعلق بالأفق السياسي الموعود في القرار الأممي (والمشروط، طبعاً). لكن يبقى المسار الأخير في الخطة الدولية بتلبية "رغبة" الشعب الفلسطيني "بتقرير المصير" (أي ليس بالضرورة لأنه "حق")، بمثابة سراب.

أما بالنسبة إلى حركة حماس، فهي تبحث عن أي مخرج للبقاء بشرياً وسياسياً، لتقلل الملامة الموجهة إليها وإلى إفرازات طوفان الأقصى، بينما أعلنت عن توجيهاتها لكوادرها بتسهيل عملية انتقال الإدارات الحكومية، الى إشراف اللجنة الوطنية عشية دخولها إلى القطاع لتسلم مهامها، وكذلك عن استعدادها لتسليم أسلحتها الهجومية.

بالتالي فإن الطرفين الفلسطينيين المنهكين من سنتي حرب دامية وصراع وجودي مع مشروع استعماري إبادي، من جهة وشرعيتهما التاريخية من جهة ثانية، صارا جاهزين لقبول أية صيغة لا تقصيهم عن الملعب، على الرغم من محدودية الحيز المتاح للمطالبة، أو حتى للتذمر.

مجلس السلام – الأمر الواقع الجديد

أترك للمحللين والباحثين من مختلف الجهات إعداد لائحة الاتهام ضد مجلس السلام (وهي بالتأكيد ستكون طويلة)، ولمسائلة القائمين على كل من أوسلو وطوفان الأقصى. وهذه عمليات نقدية طبيعية بعد التحولات الكبرى التي عاشتها المنطقة. لكن يبدو لي اليوم أنه لا بد من التعامل مع الأمر الواقع الجديد، الذي قبلته الأطراف الفلسطينية والعربية كافة - بعضها إكراهاً - لانتداب أميركي مؤقت في جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، بل لسيادة أمريكية فعلية في قطاع غزة تحل محل الاحتلال الإسرائيلي المباشر والتفرد الإسرائيلي بالشأن الفلسطيني. ينطوي ذلك على انتقال إدارة القطاع من سلطة "حكومة الأمر الواقع" إلى حكومة أمر واقع جديد، بإشراف مجلس السلام، وبواسطة فلسطينيين مهنيين لا ينتمون إلى أي فصيل سياسي (حتى ولو لديهم ماضيهم الوطني وعلاقاتهم هنا وهناك، فلسطينياً وعربياً). في الوقت نفسه، يتم إبعاد أو تقييد نفوذ السلطة الفلسطينية المباشرة في القطاع (وفي الضفة المحتلة كذلك)، بعدما كانت قد عملت منذ سنتين على تجهيز نفسها لتعبئة فراغ الحكم والأمن.

هذا هو الأمر الواقع الجديد، وعلى الشعب الفلسطيني استدراك كيفية التعامل معه وتفادي أسوأ عواقبه، بل ربما كيف يقاومها بذكاء وليس فقط بالتنديد.

ففعلاً، لم تعد أهداف وقوانين وهياكل أوسلو، أو حتى تلك التي كانت سائدة في مرحلة الثورة الفلسطينية المعاصرة، هي التي تحكم المشهد. صار النضال الوطني الفلسطيني الأكبر لنيل الحرية والاستقلال أمام معضلة من التشتت وواقع الهزيمة البشرية والمادية جديداً، ربما أصعب مما واجهه في مراحل سابقة، لكنها كانت مليئة باحتمالات، لم تكن واردة قبل هذه المرحلة. لذلك أسعى هنا للتوصل إلى فهم واقعي أولي لما قد يتمخض عن تجربة إنشاء وتشغيل وتمكين اللجنة الوطنية، على ضوء تجارب سابقها ودروسها إن وُجدت، وأيضاً على ضوء حجم ومستوى مسؤولية اللجنة المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن، والمحدَّدة بالإشراف على "الخدمة المدنية والإدارة" في القطاع المنكوب. هناك عدد من المفارقات والدلائل المهمة في تكوين هذه الإدارة الجديدة، المفوضة من قبل قوى عالمية كبرى، وفي حدود صلاحياتها وقدراتها، وفي شرعيتها، وإمكانية خروجها عن مسار التبعية للقوة الانتدابية/الاحتلالية القائمة، والتي كانت السمة الغالبة لتجارب الحكم الذاتي السابقة.

تعاقب حقب الحكم الذاتي الفلسطيني

منذ إعلان ميثاق مجلس السلام وتشكيل اللجنة الوطنية، تنهال التقييمات المتشائمة، بعضها بسبب تولي دونالد ترامب مقاليد إدارة شؤون القضية الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من امتداد لسيطرة امبريالية-ملَكية على مصير القضية، وبعضها لأنها متخوفة من مرحلة انتقالية جديدة، (يفترض أنها سنتان) تبعد القضية أكثر عن السيادة والعدالة، وتجدد وتطيل معاناة شعب أنهكه النضال ضد الاستعمار والحروب الإبادية. ما يغفله كثيرون في هذا النقد، أن ما يتبلور اليوم من صيغة جديدة للحكم الذاتي الإداري الفلسطيني لا يختلف كثيراً من حيث الصلاحيات والدور المتوقَع منه عن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولو تحت مسميات ومرجعيات سياسية مختلفة. بالتالي ليست صيغة لجنة غزة كما يصوِّرها البعض مختلفة عما تبقى من نفوذ للسلطة في الضفة، حيث تشرف على و/أو تبارك منظمة التحرير كل منهما، بينما تحتفظ المنظمة بالصفة التمثيلية الدولية الرسمية للشعب الفلسطيني. أي أن اللجنة الوطنية لا ولن تُشكِّل كياناً سياسيّاً مستقلّاً، كما قد يحلو لترامب وكوشنير ونتنياهو أن يفترضوا، مثلما لا تعبِّر السلطة الفلسطينية عن كيان سياسي منفصل عن منظمة التحرير.

لم تعد أهداف وقوانين وهياكل أوسلو، أو حتى تلك التي كانت سائدة في مرحلة الثورة الفلسطينية المعاصرة، هي التي تحكم المشهد. صار النضال الوطني الفلسطيني الأكبر لنيل الحرية والاستقلال أمام معضلة من التشتت وواقع الهزيمة البشرية والمادية جديداً، ربما أصعب مما واجهه في مراحل سابقة، كانت مليئة باحتمالات. هذا هو الأمر الواقع الجديد، وعلى الشعب الفلسطيني استدراك كيفية التعامل معه وتفادي أسوأ عواقبه، بل ربما كيف يقاومها بذكاء وليس فقط بالتنديد.

ستكون مهمة اللجنة إظهار الرؤية الفلسطينية المفضَّلة والحل التقني المعقول فلسطينياً، والخبرة الأصيلة المتاحة، بخصوص القرارات أو المخططات أو التعليمات في الشأن الإنساني والاقتصادي والأمني الداخلي. وهذا سيتطلب حنكة استثنائية في التعامل مع العدو الإسرائيلي، ومطالبة حثيثة للراعي الأمريكي للاحتكام للمنطق وللحق الفلسطيني، والتسلح بالرعاية العربية في ذلك، بالإضافة إلى مسايرة منظمة التحرير حتى لا ترى في اللجنة كياناً منفصلاً أو متمرداً عليها وعلى المشروع الوطني.

بغض النظر عن الجدل القانوني حول الشرعية الفلسطينية، فمن الأهمية بمكان الإقرار بأن هذه ليست المرة الأولى التي يرزح فيها الشعب الفلسطيني تحت هيمنة قوة خارجية، امبريالية، انتدابية، احتلالية، استعمارية، ولو أننا نأمل أن تكون الأخيرة. من دون الخوض هنا في دراسة تاريخية، نلاحظ أنه لأكثر من قرن، وحتى قبل بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية المميَّزة، فإن الشعب العربي في فلسطين واجه سلسلة من أشكال الحكم الذاتي المحكوم من المركز إلى هذا الحد أو ذاك، وناضل بمختلف الأشكال وبمشاركة جميع الطبقات الاجتماعية، من أجل التحرر وثم الاستقلال. طبعاً فإن موازين القوى العالمية المتحالفة مع الحركة الصهيونية لم تكن عبر التاريخ لصالح الحق الفلسطيني الوطني، واكتفى الأخير بسياسة التكيف والبقاء ومنع التهجير، إلى أن تحقق في 2025 التوازن الديموغرافي العربي اليهودي في فلسطين.

إبان الحكم العثماني الإمبريالي، كانت ولايات فلسطين تدار بالأساس على أيدي أهلها (المنتمين سياسياً إلى العثمانية)، وبواسطة إدارات خدمية ومالية وقضائية وعسكرية محلية. ثم خلال 30 سنة من الانتداب البريطاني، كان للعرب وكذلك لليهود مكانهم الرئيسي (لكن ليس القيادي) في جميع إدارات الحاكم (المندوب السامي). تعاملت السلطة الانتدابية مع الممثلين السياسيين لكل طرف بحسب سياستها المحابية للمشروع الصهيوني، أي بتعاون متواصل مع الوكالة اليهودية والمؤسسات الصهيونية التمثيلية، وبإبعاد وحظر اللجنة العربية العليا. بينما خضع الشعب الفلسطيني منذ 1948 للحكم الإسرائيلي المباشر (داخل إسرائيل حتى اليوم، ومنذ 1967 في الأرض المحتلة). كانت هناك "إدارة مدنية" تابعة للجيش الإسرائيلي تدير شؤون الشعب الفلسطيني، بواسطة 20 ألف موظف مدني وخدمي (تم استيعابهم لاحقاً في وزارات السلطة). ثم مع إطار أوسلو بعد 1995، أقيمت، بصلاحيات مقيدة وظيفياً وجغرافياً، "سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية"، (الذي يبقى الاسم القانوني المنصوص عليه، على الرغم من إعادة تسميتها "بالسلطة الوطنية الفلسطينية").

مع التاريخ الطويل والتجربة المريرة من أشكال ونماذج الحكم الخارجي المعادي، المفروض على الشعب الفلسطيني، وتعاقبها، فإن الثابت كان مقاومة ذلك الشعب، في كافة ساحات المواجهة، لسياسات الإبادة والحرمان والإقصاء، بطيف واسع من الوسائل، بحسب شروط وموازين كل معركة وجبهة. وكان أحياناً يتقدم وأحياناً يتراجع. هذا ربما أهم درس تاريخي في تقييمنا لمصير اللجنة الوطنية والمشروع الوطني نفسه في مواجهة ما هو قادم.

مخاطر الانفصال المبالغ فيها

كذلك نجد بعض الجهات، وخاصة تلك الموالية لرؤية منظمة التحرير، تنظر بتحفظ الى الصيغة المُميَّزة الممنوحة للجنة الوطنية من قبل راعيها الأول، مجلس السلام، بدلاً من عودة السلطة الوطنية الإدارية والأمنية والسياسية الكاملة، وهي الصيغة التي خططت لها تلك الجهات وناورت مع مختلف الأطراف لإنجازها. على الرغم من ذلك، فإن تشكيلة اللجنة لا تظهر لوناً سياسيّاً معادياً للمنظمة أو لحركة فتح على الإطلاق (بل ربما كان العكس صحيحاً)، متضمنة طيفاً واسعاً من الطبقات المهنية الخبيرة التي اُقصيت إلى حد كبير من هياكل سلطات غزة ورام الله. وعلى الرغم من عدم انتمائهم الفصائلي، فإن الجميع من أبناء قطاع غزة الغيورين على البلاد، يعرفون أكثر من غيرهم هموم أهلهم ومجتمعاتهم وتقاليدهم وسياساتهم. من المؤكد أن أخطر تحدٍّ سياسي قد يواجه اللجنة سيأتي من المستويات القيادية العليا: المجلس التنفيذي المكوَّن من جماعة الرئيس المحبّة لإسرائيل، بواسطة الممثل السامي ملادينوف، وهو الأكثر تعاطفاً مع الموقف الفلسطيني. ستكون مهمة اللجنة إظهار الرؤية الفلسطينية المفضَّلة والحل التقني المعقول فلسطينياً، والخبرة الأصيلة المتاحة، بخصوص القرارات أو المخططات أو التعليمات في الشأن الإنساني والاقتصادي والأمني الداخلي.

وهذا سيتطلب حنكة استثنائية في التعامل مع العدو الإسرائيلي، ومطالبة حثيثة للراعي الأمريكي للاحتكام للمنطق وللحق الفلسطيني، والتسلح بالرعاية العربية في ذلك، بالإضافة إلى مسايرة منظمة التحرير حتى لا ترى في اللجنة كياناً منفصلاً أو متمرداً عليها وعلى المشروع الوطني. قبل كل شيء، فإن اللجنة تبقى مسؤولة ليس فقط أمام ضميرها، بل أمام مليوني فلسطيني يحتاجون إلى إدارة مهنية وأمينة في معالجة كارثتهم. مع العلم أن اللجنة لا تمتلك موارد أو مؤسسات أو أنظمة مستقلة عن تلك المتاحة (تحت شعار "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد").

مهمة المجلس وأجهزته تنحصر فقط في مساعدة الفلسطينيين على إدارة أمورهم وإعادة بناء ما كان قائماً قبل الحرب، في اطار القوانين السائدة والإدارات الفلسطينية القائمة، وليس بناء نظام فلسطيني غزّي جديد منفصل عن وحدة المشروع الوطني.

الرؤية السائدة لدى ترامب ومن يحيط به تنْصبُّ على مشروع استثماري عقاري، بما يزيد على 115 مليار دولار (مع 55 مليار دولار عائد على الاستثمارات خلال 10 سنوات). يتم من خلال هذه الخطة استملاك قطاع غزة و"تطويره" عقارياً واقتصادياً، بحسب تصميم معماري غربي غريب، وعقيدة استثمارية استحواذيه، لا مكان فيها للإنسان أو للشعب الفلسطيني. 

ربما كانت أقوى حجة يمكن للجنة التمسك بها للتصدي للضغوطات التي ستتعرض لها من المجلس التنفيذي لغزة، أن مكانتها القانونية تضعها تحت إدارة مجلس السلام، لكن ذلك فقط رهن أمرين. الأول أن تفويض مجلس السلام من قبل مجلس الأمن الدولي هو أساس "شرعية" اللجنة السياسية، بغض النظر عن الأنظمة الداخلية التي يصيغها فريق ترامب كميثاق المجلس وقراره الأول المرتقب. ثم أن قرار مجلس الأمن يربط إنشاء اللجنة بالجامعة العربية، التي عملت على إقامة اللجنة قبل مجيء ترامب للحكم. بالإضافة الى ذلك، لا بد من تذكير المجلس أن مهمة اللجنة لا تنطوي على "تغيير النظام" الفلسطيني (ومثل تلك السياسة لا تفضِّلها إدارة ترامب، رغم تصرفاتها الامبريالية). مهمة المجلس وأجهزته تنحصر فقط في مساعدة الفلسطينيين على إدارة أمورهم وإعادة بناء ما كان قائماً قبل الحرب في اطار القوانين السائدة والإدارات الفلسطينية القائمة، وليس بناء نظام فلسطيني غزي جديد منفصل عن وحدة المشروع الوطني.

ربما كان هناك سببٌ وجيهٌ قبل 2023 للمخاوف من أن قطاع غزة المعزول تحت حكم حماس والمحاصَر من إسرائيل، وبعد 15 سنة من مسار مختلف عن بقية الوطن، صار مشروعاً انفصالياً، وأن الوحدة الجغرافية للأرض المحتلة لم تعد حتمية. لكن من كان يحذِّر من مشروع "الإمارة في غزة" يستطيع الآن التريث، حيث لم يعد ذلك المشروع قائماً - إن كان يوماً فعلاً قائماً - ولم تعد حركة حماس تحلم بمسودتها الخيالية التفصيلية لما بعد هزيمة الكيان ("وعد الآخرة" المنشورة في العام 2021)، خاصة بعد أن زارت الآخرة وبناتها ال2.2 مليون غزي لمدة سنتين.

مخاطر رأسمالية الكوارث

كثيراً ما يُغفَل أن مرحلة "الإعمار" لا تزال بعيدة لأشهر عديدة، من حيث أولويات معالجة احتياجات مراحل الإغاثة والإيواء، ثم مرحلة البدء بإزالة الركام، ثم إعادة تأهيل وتشغيل المرافق الخدمية... كل ذلك قبل مراحل التعافي الاقتصادي أو الإعمار الدائم والشامل. على الرغم من تلك الحقيقة، فإن الرؤية السائدة لدى ترامب ومن يحيط به تنْصبُّ على مشروع استثماري عقاري بما يزيد على 115 مليار دولار (مع 55 مليار دولار عائد على الاستثمارات خلال 10 سنوات). يتم من خلال هذه الخطة استملاك قطاع غزة و"تطويره" عقارياً واقتصادياً، بحسب تصميم معماري غربي غريب، وعقيدة استثمارية استحواذيه، لا مكان فيها للإنسان أو للشعب الفلسطيني لتقرير مصيره أو لرسم خارطة مستقبله. هكذا شاهدنا في حفل إطلاق مجلس السلام الفجوة بين الصيغة المحدثة "لرأسمالية الكوارث"، التي قدمها جاريد كوشنير بخرائط وصور لامعة (تلك السياسة التي انتهجها المال الأميركي والأوروبي في عدد من حالات ما بعد النزاعات، أبرزها العراق، والقائمة تطول)، من جهة، والرؤية الإنسانية الفلسطينية المتواضعة من جهة ثانية، التي تضمنتها كلمة المفوض العام للجنة الوطنية، د. علي شعث، مركِّزاً على حجم الكارثة التي ستعمل اللجنة ما بوسعها على التخفيف من وطأتها على "شعب غزة المكلوم".

هذا الصراع حول الرؤى والأولويات التخطيطية، المكانية والإعمارية، ليس جديداً، بل يعكس تعددية مهنية وعلمية فلسطينية في مسألة التخطيط، والقدرة الذاتية على تقرير المستقبل. في دراسة فلسطينية حديثة العهد، تمّ حصر ما لا يقل عن ست مخططات مكانية فلسطينية "أصيلة"، تتناول فيما بينها جميع التصورات الممكنة لقطاع غزة المستقبلي، وقد أنجز عدد منها قبل 2023. أما منذ الحرب، فقد عملت معاهد وشركات دولية عديدة على صياغة عدد مماثل من الخطط لفلسطين، تعكس مصالحها، بالإضافة إلى عدد إضافي من الخطط الدولية "الخبيرة" في مستقبل حوكمة غزة وفلسطين فيما يسمى "باليوم التالي".

لذلك، طالما يبقى ويصر الجانب الفلسطيني (المنظمة واللجنة والرعاة العرب) على اعتماد نماذجهم التخطيطية، وليس تلك الخيالية التي تطرحها أطراف طامعة وغريبة، سيمكِن مواجهة إغراءات رأسمال الكوارث، خاصة وأن نجاحه يشكل خطراً كبيراً على الموارد الفلسطينية، وعلى الحقوق الفردية والجمعية الفلسطينية، وذلك لن يمر مر الكرام.

إدامة انقسام عقائدي سلطوي بعيد عن هموم الناس، أم وحدة النضال تحت مظلة دولة فلسطين؟

بعد أكثر من عامين على إطلاق الحرب الإبادية الإسرائيلية التي طالت ولا تزال الكل الفلسطيني: شعباً وأرضاً وهوية وعقيدة، توقعت غالبية الشعب الفلسطيني، إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية سياسياً ونضالياً وحكومياً، وأُرْهِقت بالمطالبة المتكررة بها. للأسف أخفقت جميع الأطراف الفلسطينية، من فتح وفصائل المنظمة، إلى حماس وفصائل المقاومة، مروراً بالفصائل اليسارية المحتارة بين القطبين، بالإضافة إلى النخب المالية والليبرالية التي اعتادت على الانقسام وتأقلمت معه، وأسهمت عن قصد أو بدونه في إدامته. في نهاية المطاف، لقد فات قطار إعادة توحيد المنظمة أو تأهيل السلطة لحوكمة محدثة. ومع مرور الوقت، فإن تجربة الانقسام ستصبح بمثابة موضوع دراسة تاريخية، وذكرى مريرة، لدى غالبية أهل غزة الذين ينظرون إلى المستقبل ويحاولون طي صفحة الماضي المخيف قدر الامكان.

يجب أن تستوعب جميع الأطراف الفلسطينية الوازنة أن فقدانها لشرعيتها السابقة وغياب التمثيل الفلسطيني الموحَّد عالمياً، ووجود اللجنة الوطنية لإدارة غزة، تشكِّل عناصر دافعة قوية لإعادة توجيه بوصلة مسار العمل السياسي الفلسطيني، لضمان انتقال سلس إلى المرحلة القادمة، ولحشد جميع عناصر القوة الفلسطينية في الداخل والشتات. هذا يتطلب الشجاعة في بلورة أجندات تحررية، ومطالب وطنية تتعامل مع الواقع الميداني الجديد للفصل العنصري في كل فلسطين، وبرامج اجتماعية عادلة تعيد إلى الناس ولو جزءاً من حقوقها التي حرمت منها، وتمثيل سياسي عصري من خلال قيادات ووجوه شابة مهنية، حُرِمت من مسؤوليات إدارة شؤون الشعب الفلسطيني، وغير مرتبطة بنظر عموم الشعب بمآسي السنوات الماضية.

مثل هذا الطرح ليس انقلابياً أو ثورياً، بل هو استنتاج صريح لتداعيات ما آلت إليه حالة الحوكمة الفلسطينية المترهلة، وحتمية التخلص من إرث كل من أوسلو غير التحرري، والمشاريع الانفصالية غير الوطنية. بالتالي فإن تجربة الحكم الذاتي القادم في سياق لجنة إدارة غزة واستيعابها لكوادر كل من حكومتي حماس والسلطة، يمكن أن تُنتَهز فلسطينياً ليس فقط للدفاع عن المشروع الأكبر، وعملية إعادة تكوينه، بل لأنه الثمن الغالي الذي يجب دفعه مقابل وقف الزحف الإبادي الإسرائيلي في غزة وردعه، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة والأمل لأهلها.

بعد أكثر من عامين على إطلاق الحرب الإبادية الإسرائيلية، التي طالت ولا تزال الكل الفلسطيني، أخفقت جميع الأطراف في تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، سياسياً ونضالياً وحكومياً، من فتح وفصائل المنظمة، إلى حماس وفصائل المقاومة، مروراً بالفصائل اليسارية المحتارة بين القطبين، بالإضافة إلى النخب المالية والليبرالية، التي اعتادت على الانقسام وتأقلمت معه، وأسهمت عن قصد أو بدونه في إدامته.

قد يبدو اليوم أن النظام السياسي الفلسطيني في نهاية طريق مسدود، على الأقل لسنتين، من دون أفق موعود أو ملتزم بالتحرر وتقرير المصير. لكن ما لا يتم احتسابه عند النظر إلى المشهد السياسي الفلسطيني المشتت، أن لجنة غزة تستمد شرعية وظيفية ضمن حدود صلاحياتها الإدارية والخدمية والأمنية، وتتمتع بإجماع فلسطيني وعربي ودولي ربما كان غير مسبوق لكيان سياسي فلسطيني. وسيتم تفويضها وتمكينها من تأدية مهمتها الإنسانية من أكبر قوة عالمية. وعلى ذلك فإنها قد تجد شرعيتها الوطنية الفعلية (حيث أنها ليست "لجنة محلية" كما يقلل البعض من شأنها)، ليس في كونها تابعة للمنظمة أو مرضي عنها من حماس، بل لأنها مؤسسة وطنية مسؤولة أمام شعبها، أي أنها مؤسسة دولة انتقالية، أو المولود الإداري الأول لدولة فلسطين العتيدة.

مقالات ذات صلة

حتى ولو كانت تلك الإدارة تقع تحت الوصاية الأميركية والدولية في غزة، فإن المنظمة أطلقت قبل أشهر عملية الانتقال من كينونة السلطة الوطنية إلى كيان دولة فلسطين، من خلال صياغة وثيقة دستورية، ووضع برنامج لإجراء انتخابات لمؤسساتها خلال سنة. هذه عملية جارية لا يبدو أن فيها رجعة، بغض النظر عن تحكم قيادة منظمة التحرير بدفّتها. وستتوصل هذه العملية اذا سُمح لها بالمواصلة، إلى حالة الحوكمة الفلسطينية، إلى وحدة معلنة أو ربما أكثر جوهرية، في إطار دولة فلسطين غير السيادية، تُمثِّل أداة تنظيمية وتعبوية لكافة الفلسطينيين أينما وجدوا، في مواجهة مشروع إنهاء قضيتهم عالمياً، ومشروعهم التحرري على الأرض.

ليس هناك مخرج آخر.

مقالات من فلسطين

أطباء.. بحدود؟

2026-02-05

"بعد عدّة أشهر من محاولات التواصل غير المثمرة مع السلطات الإسرائيلية، وفي ظل غياب أي ضمانات تكفل سلامة موظفينا أو تتيح لنا إدارة عملياتنا بشكل مستقل، خلصت منظمة أطباء بلا...

أمناء مكتبة غزّة: كي لا تضيع الكتب

2026-01-22

"هناك لحظات في التاريخ يصبح فيها إنشاء مكتبة فعلاً من أفعال التحرّر بحدّ ذاته.. هنا في غزة، بعد الإبادة الجماعية، أدركنا أن الأحلام التي تحميها الكتب لا تنكسر، وأن للمعرفة...

للكاتب/ة

هل من مخرج لفلسطين من الإبادة نحو السيادة؟

فلسطين في مرحلة حرجة ومصيرية، تتطلب تكاتف الجهود والمبادرة الخلاقة والجريئة، وليس الاختباء والانتظار. قد يتيح توسيع المبادرة الاقتصادية الفلسطينية، وربط تدويل مصالح الاقتصاد الفلسطيني (حتى ولو بالارتهان للاقتصاد العالمي)...

سلام "ترامب" الاقتصادي الجديد: من إدارة الصراع إلى تصفية القضية الفلسطينية

ليس الأمريكان الوحيدين الذين لديهم خطط استثمارية وعقارية لقطاع غزة، بعد إعادة احتلاله وتطهيره من حماس، والاستيلاء عليه، حيث بادرت مجموعة عقارية استثمارية إماراتية إلى طرح رؤية أكثر تفصيلية للفكرة...