الطفولة وثقافة الحرب في اليمن

لعلّ الأثر الأكثر فاعلية في إحلال ثقافة الحرب محل ثقافة الطفولة، هو إسقاطها على واقع الطفولة، من خلال انحسار اهتمام الأطفال بالالعاب الإلكترونية، التي كانوا معتادين عليها، كألعاب للتسلية: "الأنمي"، و"المزرعة السعيدة"، و"سباق الحيوانات"، وألعاب "سباق السيارات". بمقابل ذلك، برز اهتمامهم البالغ بألعاب الحرب الإلكترونية، من مثل: "حرب القارات"، و"البيجي"، و"الفتوح"، و"حروب النار"، و"حرب الشوارع".
2025-04-03

عبده منصور المحمودي

استاذ جامعي وشاعر وناقد، اليمن


شارك
اللعب وسط الأبنية التي هدمتها الحرب، اليمن.

ظلّت ثقافة الطفولة في اليمن منزويةً في الهامش من الاهتمامات الرسمية والاجتماعية. ثم زادت حالها سوءاً بعد اندلاع الحرب في آذار/ مارس 2015، إذ حلّت محلها ثقافة الحرب، التي تداعت معها ذهنية الأطفال، وصارت الشغل الشاغل لتفكيرهم، وانعكست في طباعهم وسلوكياتهم، فصاروا أكثر انجذاباً إلى ألعاب القتال المتسقة مع واقع الحرب والصراع المحتدم.

تحوير ثقافة الطفولة

اعتاد الأطفال في اليمن على معايشة مشاهد الحرب والدمار، وعلى سماع أصوات القذائف والانفجارات، وأخبار المعارك، وأحوال أطرافها بين النصر والهزيمة. وعرفوا كثيراً من مصطلحات الحرب وأسماء الأسلحة فيها. وبذلك كله، أعادت ثقافة الحرب تشكيل ثقافة الطفولة في اليمن، ومن ثم تحوير سلوكياتهم وميولهم إلى الحرب، فتنامى اهتمامهم بأدواتها وأساليبها وتمثّلوا كثيراً من أحوالها.

تفاصيل لعبة الحرب

لعلّ الأثر الأكثر فاعلية في إحلال ثقافة الحرب محل ثقافة الطفولة، هو إسقاطها على واقع الطفولة، من خلال انحسار اهتمام الأطفال بالالعاب الإلكترونية، التي كانوا معتادين عليها، كألعاب للتسلية: "الأنمي"، و"المزرعة السعيدة"، و"سباق الحيوانات"، وألعاب "سباق السيارات". بمقابل ذلك، برز اهتمامهم البالغ بألعاب الحرب الإلكترونية، من مثل: "حرب القارات"، و"البيجي"، و"الفتوح"، و"حروب النار"، و"حرب الشوارع"، وغير ذلك من ألعاب الحرب االمختلفة.

لم يقف الأمر عند الألعاب الإلكترونية، وإنما امتد إلى السياق الواقعي بشكل أكثر تأثيراً وفاعلية. إذ انتشر تسلّح الأطفال بكل ما من شأنه أن يمكّنهم من محاكاة الحرب الحقيقية، من خلال استخدامهم لمجسّمات أسلحة ذات أشكالٍ مختلفة، تشبه قطع السلاح الحقيقية وآليات المواجهات العسكرية.

مقالات ذات صلة

يصنع أطفال اليمن مجسمات أسلحتهم في ألعاب حروبهم من مواد البيئة المحلية، كالأخشاب، والورق المقوى، والعصي، والعلب الفارغة سواء المعدنية منها أو المصنوعة من الورق المقوى. كما يتخذ بعضهم سلاحه من قطع حديدٍ ذات أشكال متناسبة مع نوعية بعض الأسلحة، التي يرغب في امتلاك مجسمات شبيهة بها.

كذلك هو الأمر، في ما يصنعونه بأنفسهم من سلاحٍ أشبه ما يكون بقنبلة يدوية، يتم إعدادُها من خلال استخدام كمية مناسبة، من بعض مواد تنظيف دورات المياه، التي تدخل في صناعتها مواد حمضية. توضع هذه المواد في علبة مياهٍ غازيّة بلاستيكية، ومعها توضع قطعٌ صغيرة من مادة "القصدير". بعدها، يتم رجُّ العلبة ثوانيَ معدودة، ثم تُقذف في الهواء، ويفضي التفاعل بين المادة الحمضية وشظايا "القصدير"، إلى إحداث انفجارٍ كبير، يمكن أن يتسبب في إصاباتٍ خطيرة، فيما لو وقع على مقربة من شخصٍ ما.

وفي السياق نفسه، يأتي ما يستخدمه أطفال اليمن، من أسلحة بلاستيكية ذات ذخائر خاصة بها، غالباً ما يستوردها تجار ألعاب الحرب من الصين.

وتتنوع هذه الألعاب البلاستيكية، إذ تشمل: بنادق الكلاشينكوف الرشاشة، والبنادق القناصة، والمسدسات بأنواعها: المائية، والنارية، والعادية، ومسدسات "الخرز". كما تشمل: نماذج مصغرة لأنواع من الدبابات والطائرات الحربية، التي يتم التحَكُّم بها عَن بُعْد بـ "الريموت"، وأنواعاً من القنابل الصوتية والمفرقعات، التي ينتج عنها صوتٌ انفجاريّ، يقترب في قوته من القنابِل الحقيقيّة.

انتشر تسلّح الأطفال بكل ما من شأنه أن يمكِّنهم من محاكاة الحرب الحقيقية، من خلال استخدامهم لمجسّمات أسلحة ذات أشكالٍ مختلفة، تشبه قطع السلاح الحقيقية وآليات المواجهات العسكرية. يصنع الأطفال مجسمات "أسلحتهم" من مواد البيئة المحلية، كالأخشاب، والورق المقوى، والعصي، والعلب الفارغة... كما يتخذ بعضهم "سلاحه" من قطع حديدٍ ذات أشكال متناسبة مع نوعية بعض الأسلحة...

وأهم ما يميّز أسلحة الحرب البلاستيكية عن المحلية، أن نماذجها تتشابه تشابهاً كبيراً مع قطع الأسلحة الحقيقية التي تحاكيها، حتى في آلية عملها، إذ يتم حشوها بذخائرها، بطريقة تشبه حشو الذخائر الحية.

وبذلك، وصلت ثقافة الحرب، في تحويرها لميول الأطفال وأنشطتهم، إلى أن يتمثّلوا تفاصيلها، في مشاهد حرب، يتوزعون فيها على مجموعات تحاكي أطراف الحرب، فيتقمصوا مواقفهم، وتكتيكات معاركهم، من مثل: نصب الكمائن، وإقامة الحواجز، ونقاط التفتيش، والقفز، والتصويب. ومحاولات التربص، والرصد، والتواري خلف الجدران وبين الأزقة، والاحتماء بإطارات السيارات المستعملة. كما يجسدون ذلك، في عمليات الاقتحامات العسكرية، والهجوم، وفرض السيطرة على مواقع العدو، وأسر جنوده، وترديد الفريق المنتصر هتافات نصره على خصمه.

المحاكاة والثقافة الاجتماعية

عادةً ما يميل الطفل إلى تقليد النماذج السائدة في حياته، وتطبيقها في ألعابه، بحسب ما تشير إليه نظرية التقليد والمحاكاة. واستضاءةً بذلك، فإن أطفال اليمن يميلون إلى تقليد أحوال الصراع السائد في محيطهم الاجتماعي، إذ يعملون على دمجه في ألعابهم، فيضفي عليها نسقاً من الرعب والعنف والإثارة. كما أنهم، من زاوية أخرى، يحاولون من خلال هذه المحاكاة التعبير عن شخصياتهم، ولفت الانتباه إليهم، كما يحاولون بذلك تجاوز ما يشعرون به من الإحباط والعجز، في واقعٍ تَحول تفاصيله دون تحقيق رغباتهم.

يصنع الاطفال بأنفسهم أشبه ما يكون بقنبلة يدوية، من خلال استخدام كمية مناسبة من بعض مواد التنظيف التي تدخل في صناعتها مواد حمضية. توضع هذه المواد في علبة مياهٍ غازيّة بلاستيكية، ومعها قطعٌ صغيرة من مادة "القصدير"، ويتم رجُّ العلبة ثم تُقذف في الهواء... فتحدث صوت انفجارٍ كبير، يمكن أن يتسبب في إصاباتٍ خطيرة، فيما لو وقع على مقربة من شخصٍ ما.

يفتقر أكثر من 17.8 مليون يمني إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، بينهم ما يقارب 9.2 مليون طفل. كما أسفر العنف إلى نزوح ما تقدر نسبته بـ 14 في المئة من السكان. كما سُجِّل وجود قرابة 4.5 مليون طفل خارج المدرسة. فارتفع مؤشر الأمية الأبجدية إلى حوالي 65 في المئة، بعد أن كان 45 في المئة قبل اندلاع الحرب الأخيرة.

ولأن المجتمع اليمني معتادٌ على تمجيد ثقافة السلاح، والتباهي به، والحرص على حمله؛ بوصفه جزءاً من الهوية اليمنية، فيميل الطفل إلى التماهي في هذه الثقافة، والتواؤم معها، رغبةً منه في تعزيز "مكانته الاجتماعية"، بدءاً من تجسيده لها في ألعاب الحرب في مرحلة الطفولة، وانتهاءً بتمثّله لها ثقافةً وهوية في مراحل حياته القادمة.

الحرب تاريخ ومأساة راهنة

من أهم خصائص التاريخ اليمني القديم والحديث، أنه تاريخ مثخن بالحروب والصراعات، التي تُحيل على دورها الفاعل في إحلال ثقافة الحرب محل ثقافة الطفولة.

فقد أفضت الحروب والصراعات اليمنية ــ وبوجهٍ خاص الحديثة منها ــ إلى حال من الفقر المدقع، الذي عزز من انتشار ثقافة الحرب وألعابه على حساب ثقافة الطفولة، إذ لا يستطيع أغلب الناس الشراء لأطفالهم ألعاباً ذات أثر إيجابي في ثقافتهم، كألعاب التعليم، والألعاب الكهربائية، لعدم تناسب أسعارها مع قدراتهم المالية. بينما يكون الأمر مختلفاً مع ألعاب الحرب، فأسعارها معقولة، تغريهم في الإقبال عليها وشرائها. وهو ما يفضي إلى نموٍّ متسارعٍ لأنشطة استيرادها بأشكال متعددة، لا سيما وأن الرقابة التي يمكن أن تحد منها تكاد أن تكون منعدمة.

وارتباطًا بتأثير الحرب على وسائل الإعلام، وتجييرها لاستيعاب رؤى أطراف الصراع، تأتي الإشكالية الإعلامية المتمثلّة في محدودية الدور الإعلامي المتعاطي مع ثقافة الطفولة والحفاظ عليها. إذ يغلب على الأفلام والمسلسلات ــ المحلية وغير المحلية ــ أن تأتي محاكاة لكثير من أبعاد الحرب والصراع، كالعنف والرعب والاقتتال. كما لا يمكن إغفال ما أحدثتْه ــ وتحدِثُه ــ الحرب من آثار مباشرة في حياة الأطفال، فهم من ضحايا الحرب، إذ قُتل وجُرح فيها كثيرٌ منهم، كما آلت بنسبة كبيرة منهم إلى التجنيد، أو العمل. وإلى ذلك، فقد شملتهم بتداعياتها المأساوية. فبحسب إحصائيات دولية، يفتقر أكثر من 17.8 مليون يمني إلى خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة، بينهم ما يقارب 9.2 مليون طفل.

كذلك، أسفر الصراع والعنف، إلى نزوح ما تقدر نسبته بـ 14 في المئة من السكان. كما سجلت أحدث التقديرات الإحصائية، وجود قرابة 4.5 مليون طفل خارج المدرسة. وبذلك ارتفع مؤشر الأمية الأبجدية في اليمن إلى حوالي 65 في المئة، بعد أن كان 45 في المئة قبل اندلاع الحرب الأخيرة. وهو ما ينذر بتفاقم إشكالية التعليم، وتداعياتها المستقبلية.

مخاطر وتداعيات

كلما زاد انحسار ثقافة الطفولة وسيادة ثقافة الحرب، زادت المخاطر والتداعيات السلبية، إذ يعرّض الأطفال أنفسهم لمخاطر جسدية، أثناء ممارستهم ألعاب الحرب، كما أنهم يؤذون بها بعضهم بعضاً، من مثل ما يحدث من إصابات خطيرة للعيون، نتيجة استخدام الأطفال للأسلحة البلاستيكية في ألعابهم، أو تراشقهم بالألعاب النارية المختلفة.

أمّا المخاطر النفسية والاجتماعية والأخلاقية، فتأتي في صدارتها تنمية عددٍ من السلوكيات السلبية لدى الأطفال، كالتنمر، والميل إلى العنف والعدوانية، التي سرعان ما تنتقل من سياق ألعاب الحرب إلى الواقع، إذ يتمثّلون هذه الثقافة في حياتهم اليومية، ثم تلازمهم في المراحل القادمة من حياتهم.

تنمية ثقافة الطفولة

لا يمكن أن تبدأ تنمية ثقافة الطفولة والحد من ثقافة الحرب إلّا مِن تجاوز الحرب إلى السلام، الذي يفضي إلى استقرارٍ، يمكن من خلاله الانتقال إلى مراحل تالية، من العمل على تنقية الطفولة من ثقافة الصراع وتداعياتها. وذلك من خلال منظومة حلول متعددة، يتكامل فيها المساران الرسمي والاجتماعي. منها ما يتعلق بالعمل على رفع مستوى الوعي بتلك المخاطر والتداعيات السلبية، والعمل على تعزيز الأنشطة المناهضة للعنف، وخلق بيئة مناسبة لممارسة ألعاب ذات طبيعة إيجابية، وإيجاد الحلول الناجعة لإشكالية التعليم، التي تمخضت عنها دورات الحرب والصراع. واتخاذ تدابير تشريعية وتنفيذية، متمثلة في صياغة قوانين صارمة، تنظم استيراد ألعاب الأطفال، وتفعيل هذه القوانين، من خلال دور رقابي حيوي، بدءاً من منافذ دخول هذه الألعاب إلى البلد، وانتهاءً بمراكز بيعها في الأسواق...

مقالات من اليمن

للكاتب نفسه