الحلوى الملاحَقة في مواجهة الفرح الشعبي

منذ بدء "الطوفان"، انطلقت قوات الاحتلال في حملة مسعورة في الضفة الغربية والقدس، في محاولة لاستعادة ما تبقى لها من "هيبة" أضاعتها في قطاع غزة. استشهد على إثر هذه الحملة أكثر من 240 شهيداً في الضفة الغربية، واعتقل ما يزيد عن 3300 فلسطيني. هذا بالطبع إلى جانب حملة تنكيل واسعة طالت الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال.
2023-12-07

أنمار رفيدي

باحثة من فلسطين


شارك
"بيتونيا" حيث استقبلت الاسيرات والاسرى المحررين

أتى اليوم التاسع والأربعين للعدوان الحالي على غزة بانتزاع "الطوفان" هدنة جزئية تقضي بالإفراج عن أسرى أطفال ونساء بنسبة ثلاث لكل "مدني إسرائيلي" محتجَز لدى المقاومة، لتُصبح "يوتوبيا" تبييض السجون الإسرائيلية أقرب خطوة للحقيقة منها إلى الحلم. حتى اليوم السابع من الهدنة بلغت حصيلة المفرج عنهم من سجون الاحتلال 71 أسيرة و169 من الأطفال. وبهذا يقترب الطوفان من تبييض أول سجون الاحتلال، سجن الدامون، الذي تقبع فيه الأسيرات الفلسطينيات.

في التعبيرات المسعورة عن الفشل

منذ بدء "الطوفان" كانت قوات الاحتلال قد انطلقت في حملة مسعورة في الضفة الغربية في محاولة لاستعادة ما تبقى لها من "هيبة" أضاعتها في قطاع غزة. استشهد على إثر الحملة هذه منذ بداية "طوفان الأقصى" أكثر من 293 شهيداً في الضفة الغربية، واعتقل ما يزيد عن 3300 فلسطيني. هذا بالطبع إلى جانب حملة تنكيل واسعة طالت الأسرى والأسيرات، عبّرت عنها شهادات المحررين، باستخدامهم جميعهم الأمثلة ذاتها لتوصيف ما حدث، ليكون ذلك دلالة على الحقيقة المروِّعة. على الرغم من أن هذه "طبيعة" لا مفرّ منها تحت الاحتلال - بل كان هذا أحد أكثر الأعوام التي سقط فيها شُهداء في الضفة الغربية - إلا أنه لا يجب النظر إلى هذه الحالة بمعزل عمّا يحدث في قطاع غزة.

إن المُتابع للإحاطات اليومية التي يُقدِّمها المتحدث باسم الجيش "الإسرائيلي" بمعزلٍ عن أيّة أخبارٍ أُخرى، يعتقد لوهلة أن هذا الجيش الذي لا يُقهر، هو فعلاً لم يُقْهر. وبينما قد لا يتعامل العدو مع ما يحدث معه على أنه فشل، بل يكرر مراراً نجاحاته "الكمية" في التدمير والقتل، وانتصاره على الأطفال الخدج في مستشفيات شمال قطاع غزة، إلا أن تنفيسه عن فشله في القضاء السريع على المقاومة، كبنية وكحاضنة شعبية، يظهر جلياً منذ بداية العدوان وحتى أيام الهدنة الأخيرة، عبر أكاذيب الناطق الرسمي الذي بزّ الجميع بقدراته على الكذب المفضوح.

حتى في سياق هذه الانتصارات "الكمية"، التي تُعقد على إثرها المقارنات الغريبة وغير المنطقية بين خسائر قطاع غزة من الشهداء والبنى التحتية والفوقية، وخسائر الاحتلال، يحضر هنا السؤال الأهم: هل يُعقل من ناحية سياسية عقد مقاربة كهذه بين مُستعمِر يمتلك عدداً لا يُحصى من الآليات العسكرية، والقوات البرية، والبحرية، والجويّة، والقدرات التكنولوجية والاستخبارية عالية الجودة والدعم الماديّ من العالم الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، بالمُستعمَر الذي لا يملك ولو جزءاً بسيطاً من هذه الإمكانيات؟ إن تسليم المحتجزين لدى حركة "حماس" في شمال غزة بالتحديد، المنطقة التي يتباهى الاحتلال بفرض السيطرة عليها، وتطهيرها من المقاومين، وتهجير سُكانها - علماً أن 800 ألف انسان ما زالوا مقيمين فيها وفي محافظة غزة، حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني-، وفي اليوم ذاته نشر خبر زيارة السنوار للمحتجزين في قطاع غزة، بما هو صفعة محسوبة دعائياً ومعنوياً في وجه هذا الكيان الذي يعتقد بأنه قد أجهز على شمال القطاع وهجّر سكانه وقضى على التواجد العسكري للمقاومة فيه.

تجلت مظاهر هذه الهزيمة - إلى جانب حملة الاعتقالات والقتل الواسعة في الضفة الغربية -، بتعامل الاحتلال في الضفة الغربية مع حالة تحرير الأسرى التي تصفعهم في كل يوم، بحملة تضييقات واسعة على مظاهر انتزاع الحرية التي حققها "طوفان الأقصى". غطى سماء محيط سجن عوفر، الذي يشهد تحرر النساء الأسيرات والأشبال، غيمة رمادية خلّفتها قنابل الغاز المسيّلة للدموع، بينما استشهد شاب وأُصيب عشرات آخرين برصاص الاحتلال أثناء انتظار مشهد خروج المعتقَلات.

لا يتعامل العدو مع ما يحدث معه على أنه فشل، بل يكرر مراراً نجاحاته "الكمية" في التدمير والقتل، وانتصاره على الأطفال الخدج في مستشفيات شمال قطاع غزة. إلا أن تنفيسه عن فشله في القضاء السريع على المقاومة، كبنية وكحاضنة شعبية، يظهر جلياً منذ بداية العدوان وحتى أيام الهدنة الأخيرة، عبر أكاذيب الناطق الرسمي باسمه.

فشل الاحتلال في تنكيله بالفلسطينيين ومحاولة كسرهم واعتبار ذلك الحدث "انتصاره"، بينما يأتي الفرح الفلسطيني كدرس على وهم هذا "الانتصار"، والذي عبّرت عنه إحدى الأسيرات بشكل مكثف في تصريحها لحظة تحررها: "جميع هذا الألم يختفي عندما نرى كيف انتظَرَنا شعبنا على أحر من الجمر". 

في معرض قراراته الهستيرية، أوعز الوزير الفاشي "إيتمار بن غفير" للشرطة أيضاً بمنع الاحتفالات تماماً في القدس، وقمعها في حال حدوثها. وفي سلوك لافت وذي مغزًى، قامت قوات الشرطة في القدس بمداهمة بيوت أهالي الأسرى والأسيرات المحررين، واستدعاء ذويهم للتحقيق وتهديدهم بعدم إقامة أية مظاهر احتفالية، وتبع ذلك مصادرة الكراسي وطرد السكان الذين ينتظرون في البيوت وصول الأسرى. كما أمر "بن غفير" الشرطة بتعتيم الحافلات التي تنقل الأسرى والأسيرات لضمان إزالة صورة الفرح بانتصار المقاومة في انتزاع حرية هؤلاء الأسرى، وهددت مخابرات الاحتلال الأهالي بتعريضهم للمساءلة والاعتقال في حال إجراء مقابلات صحافية. وفي معرض سلسلة أوامره، أصدر امراً لافتاً، وللمرة الأولى في تاريخ الاستعمار: منع توزيع الحلوى! حتى في ظل أسوأ افتراضات السلوك الهستيري للصهاينة لم يعتقد أحداً أن تكون الحلوى إحدى مظاهر التعبيرات عن الفشل، لكن ومع اليوم الأول للإفراج عن الأسيرات، ضجت الأنباء بالأخبار حول "اعتقال علب الحلويات" التي جهّزها الأهالي لاستقبال أبنائهم، فأضحت الحلوى خطراً على "أمن الدولة".

"سنغني للفرح!"

محاولات باءت جميعها بالفشل. فتجمعاتٍ غفيرةٍ بعشرات الآلاف حضرت لاستقبال المُحررين من أمام سجن عوفر في اليوم الأول للهدنة، وتشبثت بالحافلة المعبِّرة رمزياً عن هذا الانتصار، وسارت إلى جانبها حتى نزول الأسرى والأسيرات، ما استغرق ما يُقارب ثلاث ساعات لتصل من بيتونيا حيث سجن عوفر، إلى مدينتي رام الله والبيرة التي تبعد فقط 15 دقيقة عن السجن. 

مقالات ذات صلة

تجمع الآلاف في ميادين مدينة رام الله العامة منتظرين استقبال الحافلة، ومن ثم في المدن الفلسطينية لاستقبال الأسرى والأسيرات، وسط محاولاتِ لإسكات الفرح الشعبي الذي هتف لـ "الطوفان" والمقاومين. وفي الظلام الحالك أضاءت السماء الألعاب النارية و"فلاشات" الهواتف النقالة. وحتى بعد الإفراج عن الدفعة السادسة بعد ساعاتٍ طويلة في منتصف الليل، ووصولها إلى المدينة قبل لحظاتٍ من بزوغ الفجر، احتفى المئات باستقبال المُحررين إذ حملوهم على الأكتاف وسط فرح ودموع لم ينهكها أو يمنعها تعب الانتظار وبرد خريف بارد.

تسليم المحتجَزين لدى حركة "حماس" في شمال غزة بالتحديد، المنطقة التي يتباهى الاحتلال بفرض السيطرة عليها وتطهيرها من المقاومين، وتهجير سُكانها - علماً أن 800 ألف إنسان ما زالوا مقيمين فيها وفي محافظة غزة، حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني -، ونشر خبر زيارة السنوار للمحتجزين في القطاع، هي صفعات محسوبة دعائياً ومعنوياً في وجه هذا الكيان.

لم تغب غزة وتضحياتها للحظة عن صور الاحتفال هذه. لم يتأخر الأسرى والأسيرات المحررين وذويهم عن التعبير عن الفرح الممزوج بالحزن من الحجم الهائل للتضحيات الذي قدمته غزة ومقاومتها لإرغام الاحتلال على فتح أبواب سجونه.

حتى في القدس، حيث محاصرة الاحتلال للفرحة واعتقال الحلوى، استقبل الأهالي أبناءهم وبناتهم وسط غيومٍ من الغاز أحدثتها قنابل الاحتلال، فلم يكترثوا لذلك على الرغم من كل محاولات التنغيص. وفي كلِ يومٍ إضافيّ لمجموعة تبادل جديدة، يأتي العاجل على القنوات الفضائية ليعلن "شرطة الاحتلال تقتحم منازل عدد من عائلات الأسرى الفلسطينيين في القدس"، ليبقى النبأ تعبيراً مجازياً يومياً عن الفشل الذي يرفض الاحتلال الاعتراف به.

التحية لغزة ولتضحياتها

لم تغب غزة ولا تضحياتها للحظة عن صور الاحتفال هذه. لم يتأخر الأسرى والأسيرات المحررون وذويهم عن التعبير عن الفرح الممزوج بالحزن على الحجم الهائل من التضحيات الذي قدمته غزة ومقاومتها لإرغام الاحتلال على فتح أبواب سجونه، فيما اعتبر العديد أن تحرير الأسرى بداية التتويج لتضحياتِ المقاومين وأهالي غزة، مدرِكين الظرف الصعب، والذي راح نتيجته ما يزيد عن 20 ألف شهيد ودمار شامل، فعبّرت بكلماتها الأسيرة المحررة إسراء الجعابيص، المُعتقلة منذ عام 2015 عن الفرحة الممزوجة بالحزن، بينما كثّفت الأسيرة ربى عاصي العلاقة الجدلية هذه بقولها أن حريتهم من السجون تتوّج بحرية فلسطين.

أوعز الوزير الفاشي "إيتمار بن غفير" للشرطة بمنع الاحتفالات تماماً في القدس، وقمعها في حال حدوثها. وفي سلوك لافت وذي مغزًى، قامت قوات الشرطة في القدس بمداهمة بيوت أهالي الأسرى والأسيرات المحررين، واستدعاء ذويهم للتحقيق وتهديدهم لمنعهم من إقامة أية مظاهر احتفالية، وتبع ذلك مصادرة الكراسي وطرد السكان الذين ينتظرون في البيوت وصول الأسرى. ثم أصدر أمراً بمنع توزيع الحلوى! 

تجمعات بعشرات الآلاف حضرت لاستقبال المُحررَين من أمام سجن عوفر في اليوم الأول للهدنة، وتشبثت بالحافلة، وسارت إلى جانبها حتى نزول الأسرى والأسيرات، ما استغرق ما يُقارب ثلاث ساعات لتصل من بيتونيا حيث سجن عوفر، إلى مدينتي رام الله والبيرة اللواتي تبعدان 15 دقيقة فقط عن السجن. وتجمع الآلاف في ميادين مدينة رام الله العامة منتظرين استقبال الحافلة. 

عاد الناس ليكرروا كلمات الشاعر المصري الراحل زين العابدين فؤاد "أنا الشعب ماشي وعارف طريقي"، كلمات مغناة بصوت الشيخ إمام عيسى، فهتفت الجماهير المنتظِرة والأسرى والأسيرات على حد سواء، محيين من منحهم الحرية من أهالي غزة والمقاوِمين، وملأت صورة الأسرى الأطفال يرفعون الأعلام الفلسطينية والرايات الخضراء سماء فلسطين. فشل الاحتلال في تنكيله بالفلسطينيين ومحاولة كسرهم واعتبار ذلك الحدث "انتصاره"، بينما يأتي الفرح الفلسطيني كدرس على وهم هذا "الانتصار"، والذي عبّرت عنه إحدى الأسيرات بشكل مكثف في تصريحها لحظة تحررها "جميع هذا الألم يختفي عندما نرى كيف انتظَرنا شعبنا على أحر من الجمر".

مقالات من فلسطين