الحرب على غزة درسٌ مكثّف في النفاق الغربي.. وهو درسٌ لنْ يُنسى

سردية القادة السياسيين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للصراع خالية من الدماء والدموية. رواية تتجاهل الحقيقة الجليّة التي يفضحها عدد الوفيات، وتختار بدلاً منها اللجوء إلى لغة شبه-سريالية تدعو إلى "اتخاذ كلّ الإجراءات الاحترازية الممكنة لحماية حياة المدنيين". وصل الأمر إلى أن يفقد مسؤولو الأمم المتحدة أعصابهم، وهم المعروفون باتّزانهم، ليستخدموا أشدّ العبارات الممكنة لوصف ما يحدث، كنتيجة مباشرة لهذا الإصرار على عدم تسمية الأشياء بمسمّياتها.
"الأحياء منهم"، من فيسبوك.

نسرين مالِك*

تكاد صور الرهائن والسجناء الذين عادوا إلى عائلاتهم تبدو أكثر أمَلاً مما يمكن لنا استيعابه. حتى وإن كانت السلطات الإسرائيلية تحاول بشكل سافر قمع أشكال "التعبير عن الفرح" بعودة الأسرى الفلسطينيين، فإن حقيقة أنّهم أُطلقوا، وأن بعض الرهائن الإسرائيليين أصبحوا الآن آمنين ومع عائلاتهم، هي أمور تنمّ عن بعض الأمل. لكن، حتى وإنْ تحقق الأمل الأكبر المتمثّل في وقف دائم لإطلاق النار، فسيبقى من الصعب نسيان ما حدث بالفعل خلال الأيام الـ 52 الماضية.

ثمّة مقطع فيديو قصير انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي منذ بضعة أسابيع، لا أستطيع إخراجه من رأسي. يظهر في الفيديو رجل في غزة يحمل كيسَين بلاستيكيين يحتويان على أشلاء طفل، هو على الأغلب طفله. هناك تفاصيل أخرى. النظرة على وجه الرجل. طريقة تجنّب كلّ مَن حوله لأي تواصل بصري معه بمجرد إدراكهم لما يحمله. أرى هذه التفاصيل بكثرة الآن، وبشكلٍ مباغِت وغير محظور. إن الأثر العاطفي والنفسي للحرب على من هُم خارج غزة – ومهما بلغت حدّته - هو نوع من الامتياز، بحيث أنه يحدث على شاشاتنا فقط، كما هو الحال. غير أن هنالك شيء دائم الأثر في هذه الصور. آخرون مِن معارفي تطاردهم صوَر أخرى أيضاً. صورة الطبيبة التي صادفت جثة زوجها أثناء إسعافها لضحايا القصف. صورة أبٍ يداعب على صدره للمرة الأخيرة، ويهدهد طفلاً مغطى بالغبار...

في الحياة اليومية وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، أصادف أشخاصاً يقولون إنهم يشعرون بأنهم يفقدون عقولهم. أن هناك أشياء لن يستطيعوا محوها من ذاكرتهم أبداً. أنهم لا يستطيعون النوم، وأن تفاعلاتهم العادية مع الأطفال في حياتهم صار يشوبها نوع من الشعور المربِك بالذنب. يبدو لي بأنّ هذا الشعور هو أكثر مِن مجرّد حزن، ولعلّه ذهولٌ عميق من حقيقة استمرار كلّ هذا لفترة طويلة. لكنهم يواصلون المشاهدة. التوقف عن المتابعة يعني الاعتراف بالعجز. يعني أنك استسلمت لحقيقة أنه ما مِن شيءٍ يمكنك القيام به، وأنك سوف تستسلم في نهاية المطاف لعدوّ العدالة - وهو إرهاقٌ يبدو أنه قد بدأ يحلّ بالناسِ بالفعل.

بحسب صحيفة نيويورك تايمز: "يقول الخبراء إن وتيرة القتل خلال الحملة الإسرائيلية يندر أن نجد لها سوابق في القرن الحالي"، بينما علّق أحد الخبراء العسكريين بأن الأمر لا يشبه أي حدثٍ شهده خلال حياته المهنية بأسرها. غزة مساحة مكتظة بالسكان إلى الحد الذي يجعل عدد القتلى المدنيين مرتفعاً للغاية.

كانت الأسابيع القليلة الماضية بمثابة درس مكثّف في الطبيعة الوهمية للقانون الدولي. وخلافاً للعراق، لم يستغرق الأمر سنوات حتّى تتراكم الجثث، ومعها الأدلة التي تثبت أن المشروع الحربي لم يأتِ بالأمان لأيّ أحد، وأنه كان غاشِماً ومضلِّلاً، ولم يتسبب في نهاية المطاف سِوى بتلاشي الثقة في القيادة السياسية. تتكشّف أحداث غزة في الوقت الحقيقي، وأحياناً عبر البث المباشر.

غير أن الحقيقة التي يصعب تقبّلها هي أنه لا يوجد شيء يمكن لكَ القيام به. يمكنك أن توجّه رسائل احتجاج إلى ممثل منطقتك في مجلس الشعب، أو أن تشارك في المسيرات، أو أن تحتجّ. لكنّ القتل يستمرّ. وبينما هو دائر، يقدِّم القادة السياسيون في دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة سردية للصراع خالية من الدماء والدموية. رواية يبدو أنها تتجاهل الحقيقة الجليّة التي يفضحها عدد الوفيات، وتختار بدلاً منها اللجوء إلى لغة شبه-سريالية تدعو إلى "اتخاذ كلّ الإجراءات الاحترازية الممكنة لحماية حياة المدنيين". وصل الأمر إلى أن يفقد مسؤولو الأمم المتحدة رباطة جأشهم، وهم المعروفون باتّزانهم، ليستخدموا أشدّ العبارات الممكنة لوصف ما يحدث، ويبدو ذلك نتيجةً مباشرة لهذا الإصرار الغريب على عدم تسمية الأشياء بمسمّياتها. هذا فيما وصلت تقديرات السلطات في غزة لعدد القتلى، حتى اليوم السابق للهدنة، إلى 14.532.

من هنا بالذات ينبع ذلك الشعور بأنك تفقد عقلك: مِن حقيقة أنه، وبشكل غير مسبوق حسب معرفتي، يبدو أن قوى الغرب غير قادرة على التظاهر بشكلٍ مقنِع بوجود منظومة قواعد عالمية تلتزم بها. بل يبدو أن هذه القوى تقول ببساطة: هناك استثناءات، وهذا هو واقع الحال. لا، لا يمكننا تفسير ذلك، ونعم، سيستمرّ هذا الوضع إلى أن ينتهي في مرحلة ما، وتلك المرحلة ستأتي عندما تقرر السلطات الإسرائيلية ذلك.

أدّى تصاعد الأحداث بسرعة رهيبة إلى انعدام القدرة على تشكيل سرديّات مقنِعة حول الأسباب التي يموت من أجلها هذا العدد الهائل من الأبرياء. لم يكن هناك وقت لتحديد وتيرة للهجمات على غزة وتهيئة المبرّرات لها، وبالتالي التعويل على الوقت وقصر الانتباه للتغطية على أرقام الضحايا في نهاية المطاف، عندما ينتهي كلّ شيء. لقد مثّلت غزة صراعاً مكثفاً فريداً ومزعِجاً. بحسب صحيفة نيويورك تايمز: "يقول الخبراء إن وتيرة القتل خلال الحملة الإسرائيلية يندر أن نجد لها سوابق في القرن الحالي"، بينما علّق أحد الخبراء العسكريين بأن الأمر لا يشبه أي حدثٍ شهده خلال حياته المهنية بأسرها. غزة مساحة مكتظة بالسكان إلى الحد الذي يجعل عدد القتلى المدنيين مرتفعاً للغاية، فيما تبدو الأدلة المتوافرة حول ضرب قدرات حماس (وهو ما يُستخدَم مبرراً وحيداً للقتل) منخفضة للغاية.

هكذا كانت الأسابيع القليلة الماضية بمثابة درس مكثّف في الطبيعة الوهمية للقانون الدولي.

 وخلافاً للعراق، لم يستغرق الأمر سنوات حتّى تتراكم الجثث، ومعها الأدلة التي تثبت أن المشروع الحربي لم يأتِ بالأمان لأيّ أحد، وأنه كان غاشِماً ومضلِّلاً، ولم يتسبب في نهاية المطاف سِوى في تلاشي الثقة في القيادة السياسية. تتكشّف أحداث غزة في الوقت الحقيقي، وأحياناً عبر البث المباشر. لا هوادة في عمليات القصف، وهي مركّزة لدرجة أنها قضت على عائلات بأكملها. وقد نزح الآلاف وجرّوا أطفالهم في مزالج مرتجَلة طوال الطريق (وذلك مشهد مروع آخر). هناك أيضاً السؤال الأخلاقي العنيف المتعلّق بالأطفال. ليس فقط بموتهم، الذي يقدَّر بنحو 6000 طفل في غضون أقل من شهرين، ولكن أيضاً بحقيقة تيتيمهم وتشريدهم وحرمانهم من الغذاء والماء في قطاع غزة المحاصَر الذي أصبح الآن، وفقاً لليونيسف، "أخطر مكان يمكن أن يعيش فيه طفلٌ في العالم".

يبدو أن قوى الغرب غير قادرة على التظاهر بشكلٍ مقنِع بوجود منظومة قواعد عالمية تلتزم بها. بل يبدو أن هذه القوى تقول ببساطة: هناك استثناءات، وهذا هو واقع الحال. لا، لا يمكننا تفسير ذلك، ونعم، سيستمرّ هذا الوضع إلى أن ينتهي في مرحلة ما، وتلك المرحلة ستأتي عندما تقرر السلطات الإسرائيلية ذلك.

لقد رأى الناس كثيرا ممّا سيلازمهم إلى الأبد. ومهما كان سيحدث بعد هذه الهدنة الهشة التي أطلقت شعاعاً نحيلاً من الضوء، فقد أُطلِق في العالم ظلامٌ كبير أيضاً، لعلّ شكله النهائي لم يتبلور بعد، لكنه آخذ في التبلور 

يمكن تدريب البشر على القبول بكثير ممّا هو غير منطقي، ولكن هناك حدّ لما يمكن أن تقدّمه للناس- بشكلٍ مقنِع- على أنه أمر غير ممكن. في السياسة، يتأتّى جزء كبير من القبول العام مِن الإقرار المتفق عليه بأن هناك أشياء هي ببساطة أعلى من قدرة المواطن العادي على تحمّلها، بل وهي حتى خارج سيطرة الحكومات. إن عدم القدرة على إقناع "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" بشيء يبدو واضحاً تماماً، وهو أن الأحداث العنيفة التي وقعت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر لا يمكن محوها بمزيد من الرعب، ليست شيئاً يمكن إقناع الناس به. والدرس هنا قاسٍ ومقتضب: حقوق الإنسان ليست كونية، والقانون الدولي يُطبق بشكل اعتباطي.

مقالات ذات صلة

لا أعرف في أيّ اتجاه سيذهب هذا الاستنتاج، بعد أن توصّلنا إليه. هناك شيء واحد أستطيع قولَه بمزيد من اليقين: لقد رأى الناس كثيرا ممّا سيلازمهم إلى الأبد. ومهما كان سيحدث بعد هذه الهدنة الهشة التي أطلقت شعاعاً نحيلاً من الضوء، فقد أُطلِق في العالم ظلامٌ كبير أيضاً، لعلّ شكله النهائي لم يتبلور بعد، لكنه آخذ في التبلور.

______________________

* صحافية سودانية-بريطانية تكتب في صحيفة الغارديان

• نُشر هذا المقال في الأصل بالانجليزية في صحيفة الغارديان بتاريخ 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2023 وترجمه "السفير العربي".  

مقالات من فلسطين