في مصر.. محاولات لصناعة البهجة وأشياء أخرى

لوحات فنية حيّة هي أشد ما يحتاجه الواقع المصري. ألوان تعيد الحياة إلى أركانه، بعدما اصطبغ بالضجر وبمسحة رمادية ثابتة لا يتخللها غير صوت الباعة الجائلين وضجيج عجلات المترو فوق القضبان ومشاجرات هنا وهناك..
2016-12-12

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
أحد أبنية القاهرة التي لون فنانون أطباق الإرسال فوقها ضمن مشروع "لون الدش، الصورة تطلع حلوة"

لوحات فنية حيّة هي أشد ما يحتاجه الواقع المصري. ألوان تعيد الحياة إلى أركانه، بعدما اصطبغ بالضجر وبمسحة رمادية ثابتة لا يتخللها غير صوت الباعة الجائلين وضجيج عجلات المترو فوق القضبان ومشاجرات هنا وهناك..
وسط ذلك، دائما ما يكون هناك قلوب لا تتوقف عن السعي وعقول لا تملك إلّا محاولة الركض خلف أحلام صغيرة يمكنها خلق شيء مغاير، ولو قليلاً، ولو لدقائق.
مبادرات شبابية تعتمد على الأفكار الطازجة التي، بالتعاون والتنظيم بين المجموعات القائمة عليها، استطاعت تقديم نماذج فنية ناجحة لم تبقَ خلف الجدران، بل تفاعلت مع الهواء والأشياء و البشر بشكل مباشر فأعطتها جميعاً وأخذت منها.

شارعٌ واعٍ

"شارع واع"، اسم مشروع اختارته مجموعة من الشباب الدراسين لموسيقى آلات النفخ. وبدأ أولى محاولاته قبل أربعة أعوام لخمس دقائق داخل محطة مترو "المعادي"، لكنه نجح هذا العام في إقامة حفل حقيقي بحضور حاشد 1500( متفرج) في أحد الشوارع المزدحمة بالقاهرة. "أحمد عادل"، صاحب المبادرة، يقول: لا زال هدفنا الأول ثابت أمام أعيننا وهو نشر السّعادة بالشارع، فأغلب المصريين محبّون بطبيعتهم للحياة والبهجة والنكتة والسخرية، لكنّ ظروف الحياة الصعبة هي التى تجعل للشارع هذا المشهد الغريب. "شارع واع" فرقة موسيقية من خمسة أفراد يعتمدون على استخدام أدوات بسيطة، عبارة عن مخلفات من البلاستيك والخشب والزجاج، وبتقنيات فنية بسيطة تتحول لعرض فني مبهج بأصوات مميزة، وإعادة توزيع مقطوعات شعبية شهيرة لا يملك معها الكثيرون إلّا التوقف وإبداء الإعجاب والتصفيق لدقائق قبل استكمال الطريق.

 


 

 

"مبانٍ خضراء"

لا تستطيع إحصاءات انتشار البناء العشوائي غير المخطط أن تحلّ شيئاً من أزمتي التخطيط والإسكان في مصر، كما أنّها لا تستطيع أن تضفي شيئاً من الجمال على هذا الواقع. والأمر ينتهي غالباً بتبادل الاتهامات بين أجهزة الدّولة التي ترى أنّه يجب تجريم كلّ من يبني على أرض زراعية أو خارج محيط المباني المحدّد من المحافظات، بينما يتّهم المواطنون الدولة باللاواقعية وعدم الشعور بمشكلات المجتمع الذي يتزايد تعداده سنوياً وضاقت بهم خرائط التخطيط، ولا تسعفهم أسعار الوحدات السكنية بالمجمعات السكنية عالية المستوى بالطرق الصحراوية، فلا يملكون إلّا البناء بهذا الشكل فوق بعضهم البعض في مبانٍ غير منسقة أو جميلة.
من هنا، ولأسباب أخرى، جاءت فكرة عددٍ من المهندسين الزراعيين المصريين الشّباب لمنح تلك المباني الرمادية، المنتشرة على مدار العاصمة بشكل خاصّ، مسحة جميلة خضراء وكذلك وبشكل عملي لمحاولة زيادة الرقعة الزراعية والاعتماد الذاتي على إنتاج بعض أنواع الخضروات والفاكهة، وذلك من خلال برنامج تدريب عمليٌّ على زراعة الأسطح والشرفات وتشجيرها.
يحكي "أحمد حنفي" منسق الحملة عبر صفحة فيسبوك أنّ الفكرة الجميلة غالباً ما تأتي لصاحبها من شدة رفضه للمشاهد البشعة. وأشار إلى أنّ انتشار القمامة والمخلفات فوق أسطح المنازل جعله يفكّر بأن يتم استبدالها باللون الأخضر.
بدأت الفكرة عام 2011 بطموح من الفريق القائم عليها بزراعة 80 متراً مربعاً على مليون سطح بناية سكنية في القاهرة بالخضروات والأشجار والورد، وهو ما يعادل زراعة 20 ألف فدان. وصل عدد المتفاعلين على صفحة الحملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى أكثر من 50 ألف مشترك. وتعرض الصفحة صور شرفات وأسطح يرسل بها أصحابها للإشادة بالتجربة، وبما استفادوا به من التواصل مع المجموعة. يقول صاحب البلكونة 240، أنّه نجح في تحويل شرفته الصغيرة التى لا تزيد عن 4 متر مربع إلى جنة صغيرة يحصل منها على الملوخية والنعناع والريحان!

"لوِّن الدش، الصورة تطلع حلوة"

كيسون ستوكنغ رسام أمريكي نظر قبل عام من الآن من نافذة طائرته قبل الهبوط في مطار القاهرة، فصدمه مشهد أطباق استقبال الإرسال المنتشرة بكثافة فوق الأسطح بلون رمادي كئيب يعلوها التراب والصدأ. فور وصوله نقل فكرته لعدد من أصدقائه الفنانين المصريين الشباب، وهكذا انطلقت مبادرة لتلوين تلك الأطباق بألوان مبهجة. انتشرت الفكرة عبر صفحات التواصل الاجتماعي وحملت اسم "لوِّن الدش، الصورة تطلع حلوة". وكانت البداية من حي إمبابة الشعبي الشهير بمحافظة الجيزة، وتم التقاط صور ليس فقط للأطباق الملونة ولكن لابتسامات أصحابها إلى جوارها، بعد عودتهم من أيام عمل صعبة بملابس متربة ووجوه مرهقة. لم يتوقف الابتكار بتلك المبادرة عند تلوين الأطباق، ولكن مع ارتفاع درجات الحرارة، نجح بعض الشباب في إقامة مسبح صغير للأطفال فوق أحد الأسطح بمنطقة عشوائية باستخدام الغالونات القديمة وإطارات السيارات غير المستخدمة، فتحول هذا السطح الى منتزه صغير لأطفال لم يفكر آباؤهم يوماً في اصطحابهم خارج المنطقة التي يعيشون فيها.

الباليه والحضارة

فكرة تم تجريبها فى العديد من العواصم الأجنبية وبشكل خاص داخل أحياء نيويورك قبل عشرة أعوام، إلّا أنّ النزول بها إلى أرض الواقع بالقاهرة أمر كان بالتأكيد يحتاج لشجاعة فائقة من المخرجَين محمد طاهر وأحمد فتحي، تعاوناً مع عدد من راقصات الباليه، وهن بسنت أبو باشا ونور الجزار ومريم الجبالي، لإنتاج مشروع يقوم على تصوير راقصات الباليه بالمناطق الأثرية الجميلة، واختاروا البداية بشارع المعز لدين الله الفاطمي حيث تنتشر المساجد والسبل والمقامات الإسلامية.
الصور جمعت بين جمال ورشاقة الفتيات وجزالة وروعة المباني القديمة، وإلى جوارهما أيضاً دهشة وضحكات المارّة التي لم تغفلها الصور. يقول طاهر في حوار تلفزيوني إنّه لا يمكن القول إنّ الفتيات قد تعرضن للتحرش، أو إنّ الفريق تعرض للمضايقات، لكن هذا لا يمنع أنّهن واجهن نظرات من الدهشة والاستغراب من المارة، وسريعاً ما تمّ هضم الأمر وأعرب الكثيرون عن إعجابهم.
لم تتوقف الفكرة عند هذا المشروع الذي تم التقاط صوره فى وقت مبكر من الصباح، ولكن تشجعت الفتيات ونزلن إلى شوارع وسط البلد بالقاهرة، وفي أوقات حيوية، لالتقاط صور تعبر عن الحياة اليومية بشكل أعمق.

الغناء للجميع في مترو الأنفاق

فكرة جميلة لا تتوقف عن الظهور، ولا يتوقف أصحابها على اختلافهم عن المحاولة. فمنذ دخول مترو الأنفاق إلى مصر في ثمانينات القرن الماضي، ومئات من الفرق الشبابية تبدأ من هناك بمحاولة الغناء للركاب على الأرصفة، حيث المترو في مصر وسيلة الانتقال الأكثر سرعة والأشد ازدحاماً.
"المترو تون" و"أصوات مصرية" و"مترو راب" وغيرها.. تعتمد في أغلبها على عزف الجيتار لتقديم عروض فنية صغيرة. خلال الثورة، ذهب كثير منهم إلى الغناء الوطني، ويحتشد "يوتيوب" بكثير من المقاطع لشباب يُغنّون وسط الزحام والجميع يتفاعل معهم، خاصة على أنغام النشيد الوطني الرسمي "بلادي بلادي".
صورة تغيرت كثيراً في السنوات الأخيرة. فمن ناحية، عاد الشباب لتقديم غنائهم الخاص وتجاربهم المختلفة، ومن ناحية أخرى زاد البطش الأمني، وقد ينتهي الأمر بهم إلى أقسام الشرطة بتهمة التجمهر! فرقة "المترو تون" كانت الأكثر حظاً، حين التف حولها العشرات بمحطة مترو ميدان التحرير. افترش الشباب الخمسة الأرض وبدؤوا في الغناء والعزف والتفّ حولهم الركاب، وعند وصول رجل الأمن الذي بدا عليه هو الآخر الاستمتاع، منعه الجمهور من منع الشباب من الغناء، وردوا عليه: "تصريح بإيه، هو الغنا كمان له تصريح!". هذا التجمهر نجح في اقتناص حق، سجلته شاشات الموبايل..

البعض يلوم أصحاب تلك المبادرات ويرون أنهم يعرضون أنفسهم لليأس الشديد عبر طرح أحلامهم بالشارع الذي قد يتحرش بها وينتهكها ويسخر من أصحابها، بل قد يؤذيهم بشكلٍ مباشر أيضاً. ولكنها غالباً المعادلة الأبدية لبلد له من السنوات ما يوازي تاريخ العالم كله، وله من تعداد البشر ما يكفي لهضم كل أنواع الاختلاف. لذا وعلى الرغم من الركود الظاهر والرتابة القائمة، فإن محاولات تحريك كل هذا أو ضخ ألوان وأشكال جديدة هي الشاهد الرئيسي أنّه لا زال على تلك الأرض حياة وأحلام وإمكانيات لخلق جديد بالمستقبل.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه