فلسطين قضيتنا نحن العراقيين!

استفز الرئيس الأمريكي جو بايدن ذاكرة العراقيين بعد أن نصح الإدارة الإسرائيلية بأن تكون الحرب على غزّة أقرب إلى ما حدث في الموصل عام 2016، وليس الفلوجة عام 2004، وأرسل إليها الجنرال جيمس غلين الملقب بـ "سفاح العرق" وفقاً لموقع أكسيوس. معركة الموصل راح ضحيتها 11000 مواطن خلال المعارك التي خاضها الجيش العراقي و"التحالف الدولي" لتحرير المدينة من قبضة "داعش".
2023-11-11

علي فائز

كاتب وباحث من العراق


شارك
بغداد 2003 / غزة 2023

كنتُ طفلاً ألعب أمام البيت مع مجموعة من أبناء الجيران، حين قطع لعبنا سقوط صاروخ أمريكي بالقرب منّا. بدأت الأرض تمور تحتنا، وقلوبنا اكتوت برعب نتحسس حرارته إلى اليوم. عدنا إلى بيوتنا مترنحين مثل السكارى، لا نسمع غير كلمات متقطعة. هكذا بدأت حياتنا في العراق الجديد الذي فتح ستارة المسرحية بسقوط الصواريخ والجثث الملقاة في الشوارع.

بعد غزو العراق عام 2003، هربت عائلتنا، مثل كل العوائل، إلى مكانٍ يقيها القصف. وكانت قبلتنا في ذلك الوقت أحد الأرياف التي لنا فيها أقارب وأصدقاء. وبعد مدة خفتتْ فيها المعارك، ذهبتُ برفقة صديق لي لتفقد منزلنا. كنت أسير متعثر الآمال وأرسم خيالات مختلفة حول الشكل الذي سيكون عليه البيت، وفجأة صرخ صديقي: انتبه لا تسحقه. لقد كدت أن أسحق جثة مغطاة بقطع الكارتون ومرمية قرب الرصيف وقد انساب من رأسها دمٌ كثيف.

مقالات ذات صلة

وأنا أشاهد الحرب الهمجية على فلسطين والصواريخ التي تطلقها الطائرات التي تدكّ البيوت والمستشفيات في غزة على ساكنيها، تذكرت ذلك اليوم الذي كنتُ أقوم فيه في الليل بلصق زجاج الشبابيك بأشرطة لتجنّب خطر تهشّمها عند أي غارة، وإذ بالزجاج ينفجر في وجهي بعد سقوط صاروخ في الحي، تاركاً فيه نتوءات منقوعة بالدم.

العدوان الإرهابي على فلسطين، والمدعوم من دول الغرب، هو بمثابة درس فلسفي عميق يجعلنا نعيد النظر في كل شيء.

ربما تختلف قصتنا نحن العراقيين مع القضية الفلسطينية قليلاً عما هي عليه في سائر المنطقة، فنحن وإياهم أبناء مأساة واحدة عنوانها الحرب الدائمة، وأخبار الموت لا تأخذ منا استراحة. تشيدت ذاكرتنا عن فلسطين منذ معركة جنين تشرين الأول/ أكتوبر 1948، التي خاض فيها الجيش العراقي معارك شرسة في فلسطين، لمنع تهجير أهلها فأصبحت "معركة جنين" رمزاً لبطولة الجيش العراقي مع المتطوعين الفلسطينيين وقتذاك، وقبورهم التي احتضنتها مدينة جنين في مقبرة خاصة توثِّق هذه الذكرى.

ثم أتت بعد ذلك حرب 1967 حين قامت القوة الجوية العراقية بتنفيذ العديد من الضربات داخل العمق الإسرائيلي (تل أبيب، وناتانيا، وكفر سيركين). وهكذا بقي الجيش العراقي حاضراً في كل المعارك دفاعاً عن فلسطين وأهلها، وصولاً إلى حرب تشرين الأول/ أكتوبر. ونسج كل ذلك عليه قصصاً تتناقلها الأجيال.

____________
من دفاتر السفير العربي
عشـرون عامـاً على الحرب على العـراق
____________

أعدت النظر في شريط ذكرياتي عن حرب العراق. أصبحتْ أحداثه عبارةً عن فيلم فقدتُ دهشة مشاهدته مقارنةً بما يحل بالشعب الفلسطيني. أتذكر أول يوم تعرفت فيه على هذه القضية وكنت طفلاً يشاهد الأخبار على قناة "TV الشباب" التي كانت تبث في زمن النظام السابق، وظهر المذيع (وكان اسمه "غضنفر عبد المجيد") بزيه الخليجي وصوته المتميز، يقرأ نشرة الأخبار، وفيها أطفالٌ يطاردون الدبابات والعربات الإسرائيلية بالحجارة. وشاهدتُ أيضاً مقتل محمد الدرة وهو مختبئ في حضن والده خلف برميل حديدي، في اليوم الثاني من انتفاضة الأقصى عام 2000.

أتذكر أول قصيدة حفظتها عن فلسطين في المدرسة الثانوية وكانت من ضمن القصائد الواجبة الحفظ ("أخي جاوز الظالمون المدى") وهي من أشعار علي محمود طه، وما زلتُ أحفظ كلماتها:

أَخَـيْ جَــاوَزَ الظَّــالِـمُـوْنَ الــمَـدَى/ فَــحَـقَّ الــجِـهَـادُ وَحَــقَّ الــفِـدَا/ أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُوْنَ العُرُوْبَةَ/ مَجْدِ الأُبُــوَّةِ وَالسُّؤْددا/ وَلَيَسَ بِغَيْرِ صَلِيْلِ السُّيُوْفِ/ يجيبون صوتا لنا أو صدى.

نحن والفلسطينيون أبناء مأساة واحدة عنوانها الحرب الدائمة، وأخبار الموت لا تأخذ منا استراحة. تشيّدت ذاكرتنا عن فلسطين منذ معركة جنين تشرين الأول/ أكتوبر 1948، التي خاض فيها الجيش العراقي معارك شرسة لمنع تهجير أهلها فأصبحت تلك المعركة رمزاً لبطولة الجيش العراقي مع المتطوعين الفلسطينيين وقتذاك، وقبورهم التي احتضنتها مدينة جنين في مقبرة خاصة توثِّق هذه الذكرى.

هذا كان مدخل ذاكرتي نحو القضية الفلسطينية، وأتصور أن لكل منا نحن العراقيين مدخله الخاص إليها، لوجود ترابط وثيق وأحداث معارك كبرى كان العراق حاضراً فيها وتاركاً بصمته.

ولعل الشاعر العامي عبود الكرخي (1861 – 1946) كان أول من كتب شعراً عن فلسطين: "يصير أنا أقبل بقسمة فلسطين... يصير أحب ملّة الصهيونية" وفي قصيدة أخرى: يقول:

"فلسطين الشهيدة يا حسافة تصير... للصهيوني لقمة! سودة رايتنا".

تمنيتُ لو كان الشاعر العراقي مظفر النواب (1934 – 2022) حياً ليشاهد امرأة فلسطينية تقرأ على وقع صفارات الإسعاف قصيدته الشهيرة "القدس عروس عروبتكم"، بين جثث الأطفال والشباب، والركام وأنقاض ما خلفه القصف الإسرائيلي على غزة. تصرخ المرأة بصوت أجشّ تخرج منها الكلمات والدموع في آن واحد، تقول: غزة عروس عروبتكم/ فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها ؟؟/ ووقفتم تستمعون وراء الباب لصرخات بكارتها/ وسحبتم كل خناجركم/ وتنافختم شرفا/ وصرختم فيها أن تسكت صوناً للعرض/ فما أشرفكم/ أولاد القحبة، هل تسكت مغتصَبة؟ / أولاد القحبة/ لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم/ إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم/ تتحرك دكة غسل الموتى أما أنتم/ لا تهتز لكم قصبة.

أكملت المرأة القصيدة ولا أظن أن عراقياً لم يبكِ وهو يشاهدها وتمنى في الوقت نفسه لو كان مظفر النواب جنبه وهو يشاهد قصيدته تقرأ في زمانها ومكانها المناسبين.

نخال أحياناً أننا نحن العراقيين فلسطينيون، وأنّ جذورنا نبتت هناك في تلك الأرض، وربما لدى الفلسطينيين الشعور نفسه، أنهم عراقيون ونبتوا في أرض الرافدين. سألتُ مرة شاعراً فلسطيناً يقيم في المهجر، هل أنتَ عراقي؟ سألته لأني رأيته قد كتبَ الكثير عن العراق وأوضاعه السياسية بشكلٍ أذهلني. ومن الظريف أن الشاعر الفلسطيني نجوان درويش كتب في واحد من دواوينه هذا النص: "في كلِّ مكانٍ ذهبتُ إليه ظَنّوني عِراقيّاً".

غزة وبغداد: تشابه القصص والألم

عجيب هذا التشابه بين العدوانين على بغداد وغزة. يتداول ناشطون صورة من جزأين تظهر حمماً نارية ترتفع حتى السماء في بغداد عند بدء الهجوم عليها في العام 2003، وفي الجانب الآخر صورة غزة تُقصف من قبل طائرات الاحتلال الإسرائيلي.

تمنيتُ لو كان الشاعر العراقي مظفر النواب (1934 – 2022) حياً ليشاهد امرأة فلسطينية تقرأ على وقع صفارات الإسعاف قصيدته الشهيرة "القدس عروس عروبتكم"، بين جثث الأطفال والشباب، والركام وأنقاض ما خلفه القصف الإسرائيلي على غزة. تصرخ المرأة بصوت أجشّ تخرج منها الكلمات والدموع في آن واحد. 

ما تزال جراح أهل الموصل والفلوجة نديَّة. الفلوجة في عام 2004 حين شن الجيشان الأمريكي والبريطاني حرباً عليها استخدمت فيها الأسلحة المحرمة، ووصفها الجيش الأمريكي بأنها "من أعنف المعارك المدينية التي شارك فيها مشاة البحرية الأمريكية منذ معركة مدينة هو في فيتنام عام 1968".

ليس هذا فحسب، بل وحتى الذرائع التي يبرر فيها المحتلون لجريمتهم هي ذاتها. زعموا أن العراق يمتلكُ أسلحة دمارٍ شامل! وهي كذبة فاضحة فالحقيقة كما يقول لويس رويدا رئيس مجموعة عمليات العراق في وكالة الاستخبارات المركزية "سي آي إيه": "كنا سنغزو العراق، حتى ولو كان ما بحوزة صدام حسين هو مجرد رباط مطاطي ومشبك ورق.. كنا سنقول إنه سيستخدم هذه الأشياء لفقأ عينك". في الحرب على غزة برر الهجوم الوحشي الذي راح ضحيته حتى كتابة هذه السطور اكثر من 11 ألف شهيد أغلبهم من النساء والأطفال وأكثر من 2000 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض، على أساس أن المقاومة الفلسطينية قطعت رؤوس 40 طفلاً، وهذا الخبر بثّته قناة إسرائيلية اسمها "آي 24 نيوز"، ومنها انتشر إلى وسائل إعلام وصحف أجنبية، بالإضافة إلى محاولات ربط المقاومة الفلسطينية بتنظيم داعش الإرهابي كجزءٍ من البروباغندا الإسرائيلية، حتى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن استند إلى هذه الكذبة المفضوحة لتبرير تشجيعه إسرائيل على المضي "بلا خطوط حمراء"، كما قال الناطق باسم البيت الأبيض! شوّهتْ الأسلحة المحرمة وجه بغداد وغزة وأخفت معالمهما وأحرقت أهليهما.

أتذكر تصريحاً أدلت به مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مقابلة أجراها معها برنامج "60 دقيقة" لقناة CBS في 12 أيار/ مايو من عام 1996. عندما سألتها المذيعة "سمعنا أن نحو نصف مليون طفل ماتوا في العراق، وهذا عدد أطفال أكثر من الذين ماتوا في هيروشيما. هل تستحق الغاية؟" أجابت أولبرايت قائلة: "أعتقد أن ذلك خيار صعب جداً، ولكننا نعتقد أن الثمن يستحق". وقد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي "قد أمرتُ بفرض حصار كامل على غزة. لن يكون هناك كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا وقود. نحن نقاتل حيوانات بشرية ونتصرف وفقاً لذلك". وهي حرب الحضارة ضد الهمجية كما قال نتنياهو مستدعياً ثقافة وعقلية راسخة قائمة على ثنائيات الخير والشر ومدعومة بأحاسيس عنصرية تدور حول مركزية الذات وثانوية الآخر.

الموصل والفلوجة.. نسخ الدمار والمجازر

ما تزال جراح أهل الموصل والفلوجة نديَّة. الفلوجة في عام 2004 حين شن الجيشان الأمريكي والبريطاني حرباً عليها استخدمت فيها الأسلحة المحرمة، ووصفها الجيش الأمريكي بأنها "من أعنف المعارك المدينية التي شارك فيها مشاة البحرية الأمريكية منذ معركة مدينة هو في فيتنام عام 1968". ومن الآثار المأساوية التي تركتها هذه المعركة جراء استخدام الأسلحة المحرمة دولياً هي أن مواليد الفلوجة بعد 2004، يولد الكثير منهم بتشوهات خلقية حتى هذه اللحظة.

أما معركة الموصل فقد راح ضحيتها 11000 مواطن خلال المعارك التي خاضها الجيش العراقي والتحالف الدولي لتحرير المدينة من قبضة "داعش"، وما تزال آثار الدمار شاخصة إلى اليوم.

نخال أحياناً أننا نحن العراقيين فلسطينيون، وأنّ جذورنا نبتت هناك في تلك الأرض، وربما لدى الفلسطينيين الشعور نفسه، أنهم عراقيون ونبتوا في أرض الرافدين. 

مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة في مقابلة أجراها معها برنامج "60 دقيقة" لقناة CBS في 12 أيار/ مايو 1996، عندما سألتها المذيعة "سمعنا أن نحو نصف مليون طفل ماتوا في العراق، وهذا عدد أطفال أكثر من الذين ماتوا في هيروشيما. فهل الغاية تستحق؟" قالت: "أعتقد أن ذلك خيار صعب جداً، ولكننا نعتقد أنها تستحق".

الرئيس الأمريكي جو بايدن استفز ذاكرة العراقيين بعد أن نصح الإدارة الإسرائيلية بأن تكون الحرب على غزّة أقرب إلى ما حدث في الموصل عام 2016، وليس الفلوجة عام 2004، وأرسل إليها الجنرال جيمس غلين الملقب بـ "سفاح العرق" وفقاً لموقع أكسيوس، وهو الذي ترأس سابقاً العمليات الخاصة لمشاة البحرية الأميركية (المارينز). وشارك غلين في الحرب على الفلوجة، حيث قصف المنطقة بأسلحة محرمة دولياً واستخدم الفسفور الأبيض.

 ... وعلى الرغم من انكساراتنا وجراحنا الندية، فليس لدينا غير التضامن ومعه عزاء يأبى أن ينتهي... وكل جثة تُسحب من تحت الأنقاض تَحجز لها قبراً في قلوبنا. مكبلون بالعجز وقلة الحيلة بسبب أنظمتنا السياسية الهجينة التي حطمت فينا كل شيء. هل ستبقى راياتنا سوداء إلى الأبد كما قال الشاعر العراقي الشعبي عبود الكرخي متحسراً؟ 

مقالات من فلسطين

للكاتب نفسه

السمسرة الطبية والمستشفيات الأهلية: سمات الواقع الصحي الهش في العراق

علي فائز 2023-03-14

تعود نسبة من أرباح "السمسرة" الطبية الممتدة إلى الأحزاب المهيمِنة الحامية للعملية. إنها حلقة مفرغة لوجود مصلحة لهذه الشبكة الواسعة في تأبيد انهيار أوضاع الاستشفاء والمستشفيات الحكومية، وفي منع تفعيل...