مدينة العراق الكبرى، بعد عاصمته، لم تكن لتقع أصلا بيد تنظيم داعش، لا هي ولا الرمادي ولا الفلّوجة ولا سواها من النواحي، لولا أعطاب متنوعة، سياسية وعسكرية، لا يبررها شيء، ولا يفسّر حدوثها إلا مقدار الفساد والتفكك والتلهّي بالسّفاسف.. وسوى ذلك من الموبقات التي سادت في العراق المنكوب بعدما توالى عليه حكم استبدادي مجنون ثم ثلاث حروب كبرى مدمّرة وحصار دولي (لم يظلِم سوى الناس)، وغزو واحتلال أميركي مدمِّر، وحكمٌ قاصر استئثاري نهّاب، ضيِّق الأفق وجاهل بالبلد، علاوة على أطماع كل جيرانه به ممن ظنوا أنه أُنهك لحد استباحته، وهو المكان بالغ الثراء عريق الحضارة، مدهش ببناه الحيوية وديناميته الأصيلة التي تطلّ برأسها من بين شقوق مأساته كلّما سنحت لها الفرصة.
تفاعلت تلك العوامل لتنْجب هذه النتيجة. للتذكير، احتلّ داعش الموصل منذ سنتين بلا قتال! وظلّ المسؤول الأول عن البلد يكابر ويحوِّر الوقائع ويتنصّل من مسؤوليته بلا خجل. وظلت التشكيلات الكردية تتفحص مغانمها من الوضعية الشاذة، وظلّ الخطاب المذهبي، والاضطهاد والاستخفاف وتوسّل الغلبة يرمي بكتل من السكان في شباك مخلّص متوهَّم.
عانت الموصل كما الأنبار وسنجار.. في ظل داعش الذي سحق الجميع: المسلمون السنّة كما المسيحيون والأزيديون وسواهما مما يقال له "الأقليات"، وهو تعبير مريض أصلاً ومذموم. وحين ستتخلص أخيراً من طغيان هذه المجموعة، فستبدأ عندها الأسئلة الجدية التي تحتاج إلى إجابات بالمعنى العميق للكلمة، بما يتجاوز ترّهات ما يقوله البارزاني من أن مشاركة الكرد في المعركة ستقربهم من "دولتهم المستقلة"، وما تراه تركيا كحقوق وامتيازات ترغب بتسجيلها، وما تشعر به إيران من غيظ لإفلات المعركة من الطابع المذهبي ولتدبّر العراقيين أمرهم من دون تدخلها، وما تتاجر به السعودية كواجباتها في حماية "السنّة" إلخ..
حين ستهدأ المعارك ويعود النازحون والفارون إلى مدنهم وقراهم من دون تعرض للتنكيل ولا للإهانة، ستُطرح مسألة استعادة بنيان العراق على أسس صحية وطنية بعيدة عن الشلل البشع القائم، وعن النهب والاستئثار (الجاريين باسم "المحاصة")، أسس توفّر لبلاد الرافدين ما يستحقّه من حاضر ومستقبل لائقين.. وستبدأ مرحلة جديدة في مواجهة داعش وسواه ممن يشبهه، في سوريا كما في كل مكان، تتوقف نتائجها كثيراً عما سيحدث في العراق خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
إفتتاحية
الموصل تُحرِّر العراق

مقالات من العراق
العراق إلى كأس العالم: دموع وهلاهل
المنتخب الذي مَثَّل العراق في العام 2007 كان عالَماً موازياً للعراق، سواء عن قصد، كما يحدث في نظام المحاصصة على "مكونات" الشعب العراقي - التسمية التي يفضِّلها الساسة عوضاً عن...
جمهورية المولدات: العراقيون رهائن الأمبيرات في صيف لا يرحم
تشير البيانات الرسمية والنيابية إلى أن المبالغ المرصودة لوزارة الكهرباء منذ عام 2005 ولغاية 2023 بلغت رقماً فلكياً يتجاوز 1596 تريليون دينار عراقي. ورغم هذا الإنفاق الذي كان كفيلاً ببناء...
قراءة في كلفة عام من تطبيق قانون الأحوال الشخصية الجديد في العراق، وقصص ضحاياه
تُظهِر التعديلات الممتدة والممارسات القضائية كيف تُوظِّف الدولة والأحكام التقليدية مفهوم "الولاية الجبرية" كتقنية لإخضاع النساء، حيث يُعاد حصر موقع المرأة في خانة الوعاء الرعائي المجرد من الحقوق السياسية والقانونية...
للكاتب/ة
الانحطاط!
استتروا يا قوم. أعمالكم نافلة وزائلة، ولن يتحقق منها شيء، بل قد يتسبب الموقف العام الحالي، شديد التعقيد، في دمار كبير لما تبقّى من لبنان، وهو قليل، فتُذْكَرون في كتب...
استعادة التماسك المجتمعي: الطريق الممكن والضروري
يُدرك الناس أو يشعرون على الأقل، بأن قوانين العالم ومحركاته – الاقتصادية والسياسية على السواء، ومعها الثقافية والقيمية – قد تغيّرت بشكل عميق، ولكنهم لا يزالون يفكِّرون ويفعلون بواسطة أدوات...
الناس ليسوا على دين ملوكهم
السياسة لا تمارَس بأفعال رمزية جوفاء. ولا الحرب.





