كرة القدم: لعبة الشعب والسياسة في العراق

في 2007، وفي وقت استعار النزاعات الطائفية العنيفة في بغداد وسائر المناطق، فاز المنتخب العراقي بكأس آسيا، وشاعت أغنية تقول: "شفتوا لاعب بالملاعب يلعب وإيده على جرحه؟ هذا لاعبنا العراقي من المآسي جاب فرحة". وبها تجلت قوة كرة القدم في العراق وأثرها شعبياً. فالمنتخَب الذي كان يلعب فيه يونس محمود (السني) وهوار ملا محمد (الكردي) ونشأت أكرم (الشيعي) كانوا يمثِّلون العراق الذي تعب من الحروب والحصار.
2023-05-17

ميزر كمال

كاتب من العراق


شارك
| en
عراقيون في شوارع بغداد يحتفلون بفوز المنتخب بكأس آسيا 2007. المصدر: الأرشيف العراقي المشاع

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

لم تخرج كرة القدم من القبر في العراق، ولم يأتِ بها الدفّانة كما يزعم ألتراس نادي النجف، الذين يهتفون مع كل مباراة لناديهم: "النجف يا محبوبة.. يالعلمتيهم الطوبة"، وبشكل خاص عندما يخوض النادي أي مباراة مع أحد "الكبار" في مجمّع الأندية العراقية "الجماهيرية" الكلاسيكية: الزوراء، الشرطة، الطلبة، القوة الجوية. التسمية الشعبية لكرة القدم في العراق هي: الطوبة.

وصلت كرة القدم إلى العراق قادمةً من البحر، والبحارة الإنكليز هم من ركلوها أول مرة على شواطئ مدينة البصرة نهايات القرن التاسع عشر، عندما كانت السفن تأتي وتذهب بالبضائع والبريد من أوروبا مروراً بالخليج ثم العراق، وصولاً إلى الهند وآسيا. فكانت لعبة أخذها أهالي البصرة عن البحارة، ثم انتقلت إلى المدينة وصارت اللعبة الشعبية في المدارس والأحياء، وتأسس في البصرة "نادي الميناء"، عام 1931.

عندما اجتاح الجيش البريطاني العراق عام 1914، كانت كرة القدم تصل مع الجنود الذين يحملون البنادق أيضاً. وهكذا وصلت إلى بغداد والحبّانية وكركوك، وراح العراقيون في أحيائهم الشعبية يقلِّدون اللعبة التي كان الجنود البريطانيون يمارسونها في معسكراتهم للترفيه. ويصف المؤرخ والصحافي والمدرب "إسماعيل محمد إسماعيل" كيف بدأت كرة القدم في الأزقة والمحلات القديمة لبغداد، عندما كان الأولاد يصنعون "الطوبة" من قطع القماش القديمة، يكورونها ويركلونها في الشوارع والساحات. واستمرّت هذه الطريقة في صناعة كرة القدم من القماش في الأحياء الفقيرة حتى وقت الحصار، عندما كان الأطفال لا يملكون سعر كرة القدم (النايلون واللاستيك والغوبلس والجلد)، فيسرقون جوارب أمّهاتهم الطويلة ويحشونها بقطع قماش بالية لصناعة طوبة مجانية.

انتشرت كرة القدم في العراق ليس لأنها لعبة فقط، بل لإنها أكثر من ذلك في المملكة الجديدة، والتي كانت واحدة من مهامها صياغة شكل للدولة ومؤسساتها. وأحد أشكال هذه الصياغة هو إيجاد صلات بين هذه المؤسسات الجديدة والمجتمع، وكانت كرة القدم هي إحدى هذه الصلات. ومن أجل ذلك أسست الدولة فرق كرة قدم تتبع لوزاراتها ودوائرها في بغداد والألوية الأخرى من البلاد، واستمر ذلك حتى الآن.

____________
من دفاتر السفير العربي
مدن العراق
____________

الفرق التي تأسست حينها وكانت تتبع لمؤسسات الدولة الجديدة هي فرق وزارة الأوقاف، وزارة المالية، الأشغال، المدرسة الثانوية، دار المعلمين، مدرسة الصنائع، المدرسة الحربية (طيران الجيش)، مطبعة الحكومة، منتدى التهذيب... ومؤسسات أخرى. ومع أن البريطانيين ظلوا "أساتذة اللعبة"، يديرونها ويضعون قواعدها ويقيمون لها البطولات المحلية، إلا أن الأرشيف العراقي يوثِّق لحظةً مبكرة في تحول كرة القدم إلى فعل "احتجاج ومقاومة" من قِبل الفكر الذي يحاول إدارة المؤسسة بشكل "أكثر استقلالية" عن تأثير المزاج الإنكليزي، والذي يوثق الأرشيف أيضاً أنه كان يتعامل بفوقية "المحتل". ومنذ تلك البدايات، بدأ الملعب يغري السياسة بالحضور إلى المقصورة.

لعبة السير والأمير الصغير

بداية آذار/مارس 1923، كانت لحظةً أعلن فيها "نادي كاجولز" الإنكليزي تفوقه بكرة القدم عندما فاز على فريق "جمعية كرة القدم البغدادية" بثلاثة أهداف مقابل لا شيء، وحملت أول بطولة كرة قدم في العراق اسم النادي، فكان 1923-1924 أول موسم لبطولة "كأس كاجولز". يوثق الكاتب سمير الشكرجي في صحيفة "المدى" ذلك الموسم، وما نشرته الصحافة حينها عن "إدارة عراقية" لأول كاس كرة قدم - حتى وإن كان يحمل اسماً بريطانياً.

 ويكشف هذا بذرة الصراع الإداري في تشكيلات الرياضة، والتي كانت كلها كرة قدم. فجمعية كرة القدم البغدادية، أطلقت على البطولة اسم "بطولة الاتحاد البغدادي لكرة القدم" فاتخذت البطولة إسمين، ويبدو أنها كانت على درجة من الاهتمام عند قادة الدولة حينها للحد الذي جعل "دولة رئيس الوزراء جعفر باشا العسكري"، كما تصف جريدة الاستقلال، "يقدم الكاس الفضية الى فرقة المدرسة الثانوية" التي فازت على فرقة وزارة الأشغال في سباق كرة القدم.

ظلّ البريطانيون "أساتذة اللعبة" في العراق، يديرونها ويضعون قواعدها ويقيمون لها البطولات المحلية. إلا أن الأرشيف العراقي يوثِّق لحظةً مبكرة في تحول كرة القدم إلى فعل "احتجاج ومقاومة" من قِبل الفكر الذي يحاول إدارة المؤسسة بشكل "أكثر استقلالية" عن تأثير المزاج الإنكليزي، والذي كان يتعامل بفوقية "المحتل". ومنذ تلك البدايات، بدأ الملعب يغري السياسة بالحضور إلى المقصورة.

نجاح الموسم الأول ورضا "جماهير كرة القدم" أغريا الدولة كما البريطانيين بالسيطرة على لعبة كرة القدم. والبريطانيون يعرفون معنى ذلك جيداً منذ أن كانت قواعدها في القرون الوسطى تقتضي أن رجال القرية الذين يصلون بالكرة إلى القرية الأخرى هم المنتصرون. وهذا النزاع الذي يشبه اللعب، جرَّ إلى حوادث عنف وقتل، حد منعها وتجريمها بمرسوم ملكي في عهد الملك إدوارد الثالث، ملك إنكلترا، وحرّمتها أيضاً الكنيسة الفرنسية باعتبارها "لعبة خبيثة وخطيرة".

خطورة اللعبة هي أنها تغذّي شعوراً متطرفاً بالانتماء، وهذا يخلق جواً من التعصب والكراهية (في قواعدها القديمة والجديدة) ويثير النزعة إلى وجود خصم يجب الانتصار عليه، والتعبير عن الفرح بهذا الانتصار: التعبير بالتشفي والقسوة، وهذا مزاجٌ منابته تأتي من العنف أو النزعة البشرية في التعبير عنه.

في الموسم الثاني لبطولة "كاس كاجولز" أو "بطولة الاتحاد البغدادي لكرة القدم"، أصدرت جمعية كرة القدم البغدادية - تُنظِّم البطولة بالتنسيق مع البريطانيين- عدة قررات منها: أن اللاعبين البريطانيين غير مقبولين في البطولة، وانضمام فريق المدرسة الحربية إلى البطولة، وتوزيع ساحات اللعب على الفرق المشاركة، والقبول بأربعة حكّام إنكليز لتحكيم المباريات.

قبل انطلاق مباريات الموسم، حُلّت الجمعية، وقدم رئيسها يوسف عز الدين بك الناصري استقالته لكي "يتفرغ لأعماله الخاصة"، واستعادت الهيئة الإدارية لنادي "كاجولز" البريطاني السيطرة على تنظيم البطولة. غير أن الدلالة السياسية الأهم في ذلك الموسم ظهرت عندما غيّر البريطانيون مراسم التتويج، فبعد أن سلم "دولة رئيس الوزراء العراقي جعفر باشا العسكري" الكأس لبطل الموسم الأول، قرر البريطانيون أن يقوم الكولونيل "جوبس" مستشار وزارة الدفاع بتقديم الكأس للبطل، فريق المدرسة الثانوية، الذي فاز بهدف واحد على فريق وزارة الأشغال، في مباراة نهائية حضرها نوري السعيد، الذي كان يشغل حينها منصب وكيل القائد العام للقوات المسلحة، والذي صار فيما بعد رئيس وزراء العراق، في 14 حكومة خلال العهد الملكي.

مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، كان الأمير غازي - ولي العهد حينها - شاباً يسعى إلى ترسيخ الفكرة التي تقول إنه الشخصية الأكثر شعبيةً عند المواطنين، وهذه الفكرة أخذت بالانتشار بعد أن عُرف عنه ميله للأفكار العروبية والقومية، وابتعاده عن الملعب البريطاني الذي له أنصاره في المملكة الحديثة. فحدث مطلع الثلاثينيات أن أقيم "كأس سمو الأمير غازي" بالتزامن مع "كأس كاجولز" التي يقيمها البريطانيون في كل موسم منذ مطلع العشرينيات. 

أول منتخب عراقي لكرة القدم. المصدر: ويكيبيديا

توثِّق الصحافة العراقية أجواء المباراة النهائية لكأس الأمير بين فريقي اللاسلكي والطيران، التي فاز فيها الطيران، واستلم الكأس من يدي "سمو الأمير" الذي كان يجلس في المقصورة بصحبة السياسي العراقي جعفر أبو التمن، أحد أبرز الشخصيات السياسية العراقية التي "قاومت" الاحتلال البريطاني في "ثورة العشرين"، وقاد تشكيلات الحركات التحررية في العراق خلال العهد الملكي.

في الوقت الذي كانت كرة القدم تكبر في نفوس الشباب والأطفال في الأحياء الشعبية، وتنتشر في المدن العراقية، ظلَّ تطورها على المستوى المؤسسي للدولة بطيئاً، مع إدراك هذه الأخيرة الكبير أنها صلة مهمة بين "الشعب" والدولة. فلم ينته العهد الملكي حتى تحولت فرق الوزارات العراقية إلى أندية، مثل أندية الشرطة، القوة الجوية... وأصبح للعراق اتحاد كرة قدم عام 1948، ثم أصبح عضواً في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، ثم تأسس المنتخب الوطني العراقي عام 1951، الذي لعب أول مباراة "ودية" له مع منتخب البصرة، تحضيراً للعب أول مباراة دولية له مع منتخب إزمير، في تركيا.

كرة القدم على طريقة الديكتاتور وابنه

بعد النهاية الدموية للعهد الملكي وقيام الجمهورية (1958) ولغاية استحواذ صدام حسين على السلطة، لم تكن كرة القدم تشكل حضوراً قوياً في مشهد الجمهوريات المنقلبة على بعضها – على العكس من حضورها في الشوارع والأحياء الشعبية - عدا عن كونها لعبة شعبيةً، ترعاها الدولة وتمول أنديتها (الحكومية) وتقيم بطولاتها المحلية، كجزء من برامجها الحكومية.

الدلالة السياسية الأهم ظهرت عندما غيّر البريطانيون مراسم التتويج. فبعد أن سلّم "دولة رئيس الوزراء العراقي جعفر باشا العسكري" الكأس لبطل الموسم الأول، قرر البريطانيون أن يقوم الكولونيل "جوبس"، مستشار وزارة الدفاع، بتقديم الكأس للبطل، فريق المدرسة الثانوية، الذي فاز بهدف واحد على فريق وزارة الأشغال.

توثق الصحافة العراقية أجواء المباراة النهائية لكأس الأمير بين فريقي اللاسلكي والطيران، التي فاز فيها الطيران، واستلم الكأس من يدي "سمو الأمير" الذي كان يجلس في المقصورة بصحبة السياسي العراقي "جعفر أبو التمن"، أحد أبرز الشخصيات السياسية العراقية التي قادت مقاومة الاحتلال البريطاني في "ثورة العشرين"، ثم قاد تشكيلات الحركات التحررية في العراق خلال العهد الملكي.  

لكن، مرةً أخرى تعود السياسة إلى المقصورة، وهذه المرة على طريقة صدام الحسين وابنه عدي، أو الأستاذ عدي كما صار يُنادى به ويُبجَّل ذكره عندما صار رئيس اللجنة الأولمبية. لكن اللحظة التي سبقت عدي كانت للرئيس بنفسه، عندما جعل صباح مرزا، رئيساً للاتحاد العراقي لكرة القدم، ومرزا هو المرافق الأقدم للرئيس. وكما يفكر الديكتاتور يفكر ابنه: لماذا كل هذه الأندية الجماهيرية؟ لنجعلها نادياً واحداً، ونجمع فيه كل الأبطال، يركعون للقائد، ويخضعون لابنه الذي صار رئيس اللجنة الأولمبية ورئيس الاتحاد العراقي لكرة القدم. وهكذا أسس عدي صدام حسين "نادي الرشيد"، وجلب إليه كل لاعبي المنتخب العراقي الذين يلعبون مع الأندية الجماهيرية الكبيرة: الزوراء، الشرطة، القوة الجوية، والطلبة.

عدي صدام حسين بالزي العسكري يتوسط المنتخب الوطني العراقي لكرة القدم عام 1985. المصدر: الأرشيف العراقي المشاع

عندما تأهل العراق إلى تصفيات كأس العالم في المكسيك 1986، بث التلفزيون الرسمي لقاءً جمع المنتخب الوطني وعدي صدام حسين. فالنظام لن يفوت استثمار هذا "الإنجاز" الذي أهداه اللاعبون إلى "الرئيس القائد والأستاذ عدي". في ذلك اللقاء الذي كان يقدِّمه شيخ المعلقين مؤيد البدري - مقدِّم برنامج "الرياضة في أسبوع" الشهير - كانت الاتصالات المفتوحة تَرِدُ إلى لاعبي المنتخب وعدي من قبل الجمهور الرياضي، وأحد الأسئلة كان لخليل علاوي - اللاعب الذي سجل الهدف الثالث على سوريا - عن شعوره بتسجيل الهدف، ليردَّ نجم المنتخَب بأنه "شعور أي مقاتل يحقق النصر لبلده".

أصبح للعراق اتحاد كرة قدم عام 1948، ثم أصبح عضواً في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، ثم تأسس المنتخب الوطني العراقي عام 1951، الذي لعب أول مباراة "ودية" له مع منتخب البصرة، تحضيراً للعب أول مباراة دولية له مع منتخب إزمير، في تركيا.

انتهت الحرب مع إيران، واجتاح الجيش العراقي الكويت ثم انسحب بمعركة دمرت مقدراته، وفُرض الحصار على العراق، وحُظر عليه إقامة المباريات الدولية على أرضه. وهنا بدأت مرحلة "هكذا يلعب المحاصَرون.. هكذا بالعناد يغلبون"، وتحوّلت كرة القدم إلى فم للنظام في المناسبات الخارجية والبطولات العربية والآسيوية. واستمر ذلك حتى احتلال العراق ليجيء الجيش الأمريكي وإدارة سلطة الاحتلال لاستخدام كرة القدم والمنتخبات العراقية في الترويج لفكرة أن أمريكا حررت العراقيين من صدام حسين وها هم يفوزون بالبطولات وينافسون العالم في ركلة القدم. 

ويحكي "عدنان حمد"، مدرِّب المنتخب الأولمبي حينذاك، كيف حاول الرئيس الأمريكي في حينها، جورج بوش الابن، استغلال تأهل المنتخب الأولمبي إلى نهائيات أثينا 2004، وكيف أراد زيارة معسكر المنتخب الوطني بعد الفوز على البرتغال 4-0. وحينها كان بوش يسعى للفوز بولاية ثانية في الانتخابات (التي فاز بها بالفعل). ويقول عدنان حمد: لم يكن بوش وحده من أراد تلميع صورته من خلال استغلال كرة القدم العراقية، وإنما طَلب منه الحزب الديمقراطي كتابة مقال ينتقد فيه الاحتلال وجورج بوش وينشرونه في صحفهم. لكن حمد رفض ذلك، وفي الوقت الذي كان المنتخب الأولمبي يلعب في المربع الذهبي في أثينا، كان ملعب الشعب الذي يتسع لأربعين ألف متفرج قد تحوّل إلى ثكنة عسكرية للجيش الأمريكي بعد قصف مدرجاته والمستطيل الأخضر بالطائرات.

اللعب في العراق الجديد

العنف الذي انفجر في العراق بعد 2003، وصلت شظاياه إلى المدرجات أيضاً، ولم يعد الخوف من السلطة ضابطاً لألتراس الأندية، فصارت تُسمع هتافات سياسية وطائفية وعنصرية في المباريات. ففي مباريات "الديربي" بين ناديي "القوة الجوية" و"الزوراء"، يردد جمهور القوة الجوية كلمة "بعثية بعثية" التي تخرج من المدرجات كأنها رشقٌ من الرصاص، لاستفزاز "الزوراء" وجمهوره، على اعتبار أن الزوراء كان نادي حزب البعث المفضّل. ويحدث أكثر من ذلك. فمثلاً في مباراة ناديي "أربيل" و"الصناعات الكهربائية" ضمن الدوري الممتاز، نزل جمهور نادي أربيل الخاسر إلى ملعب فرانسو حريري (على اسم سياسي عراقي أشوري مقرب من الملا مصطفى البرزاني وكان في وقت محافظاً لأربيل، واغتيل في 2001) واعتدى على اللاعبين والطاقم التحكيمي. كان ذلك عام 2020 وفي ذروة انتشار فيروس كورونا، وكان من المفترض أن المباراة تقام بلا جمهور بسبب الحظر الصحي، لكن الجمهور حضر وقام بأعمال شغب. ومثل ذلك حدث في إحدى المباريات بين ناديي النجف وكربلاء، عندما وقع إطلاق نار في المدرجات. وهذا الشغب ليس فردياً، لقد أصبح ظاهرةً الآن.

لكن هنالك مشهداً آخر لجمهور كرة القدم في العراق، ففي خليجي البصرة 25، عبَّر الجميع عن تجربتهم الفريدة في استضافة مدينة البصرة للبطولة بعد 43 سنة من آخر بطولة استضافها العراق، وعلى الرغم من كل ما حدث وطبعاً جرى استغلال المناسبة سياسياً، وتدافع المسؤولين العراقيين من رئيس الوزراء ورئيس البرلمان والوزراء مروراً بمحافظ البصرة وصولاً إلى مقتدى الصدر - الذي كان يحرّم كرة القدم لكنه صار يجمع المنتخب ويعطي افراده دروساً في "طاعة" المدرب. على الرغم من كل هذا، إلا أن الجمهور كان الحدث الأهم حتى من البطولة نفسها. وفي المباراة النهائية بين العراق وعُمان، فقد الجمهور العراقي مشجِّعاً في التدافع الذي وقع أثناء الدخول إلى الملعب، الذي امتلأ بأكثر من 60 ألف متفرج. لكن، رغم الحدث المأساوي في بداية المباراة، فاز العراق بكأس الخليج للمرة الرابعة في تاريخه، فغمر الفرح شوارع البصرة وكل العراق. 

مرةً أخرى تعود السياسة إلى المقصورة، وهذه المرة على طريقة صدام الحسين وابنه عدي، أو الأستاذ عدي كما صار يُنادى به ويُبجَّل ذكره عندما صار رئيس اللجنة الأولمبية. لكن اللحظة التي سبقت عدي كانت للرئيس بنفسه، عندما جعل صباح مرزا، رئيساً للاتحاد العراقي لكرة القدم، ومرزا هو المرافق الأقدم للرئيس.

قوة كرة القدم في العراق وأثرها شعبياً تجلّيا عام 2007 عندما فاز المنتخب العراقي بكأس آسيا. حينها كانت الحرب الطائفية في بغداد وأعمال العنف في بقية المناطق تشهد تصاعداً في وتيرتها. لكن كرة القدم، والمنتخَب الذي كان يلعب فيه يونس محمود (السني) وهوار ملا محمد (الكردي) ونشأت أكرم (الشيعي) وبقية التشكيلة، كانوا يمثِّلون العراق الذي تعب من الحروب والحصار. وسيظل "هوار ملا محمد" حاضراً في الذاكرة العراقية وهو يعبّر عن فرحه بإظهار جملة "عراقي أنا". تلك البطولة حولت الشعور الطائفي العنيف إلى لحظة فرح غامر، وبدلاً من إهداء الكأس للرئيس القائد ونجله، كان اللاعبون يهدون الفوز والكأس للشهداء العراقيين الذين سقطوا جراء الاحتلال، وشاعت في حينها أغنية أدتها مجموعة من المطربين العراقيين تقول: "شفتوا لاعب بالملاعب يلعب وإيده على جرحه؟ هذا لاعبنا العراقي من المآسي جاب فرحة".

عنوان الاغنية "أحنا يللي اسسنا الملعب"، كلمات الشاعر كريم العراقي. يلاحظ وجود النساء في مدارج الملعب 

في ذلك العام 2007، كان العنف قد تفشّى في المجتمع العراقي، عنف طائفي في بغداد وفي المدن الأخرى، قتال شوارع أطرافه تنظيم القاعدة والجيش الأمريكي وجماعات المقاومة السنية والجماعات الشيعية التي صارت تُعرف الآن بالمليشيات. حينها كانت الجدران مزدحمة بالمنشورات والصور لأفكار عقائدية وسياسية، لكن ذلك المنتخب غيَّر المشهد، فصارت صور "نجومه" تُطبع على الملابس، وتُلصق على الجدران والأعمدة، وصار زي المنتخب رائجاً في ساحات الفرق الشعبية، واكتشف العراقيون أنهم يستطيعون سويةً صناعة الفرح أيضاً. وعن تلك اللحظات "الفريدة" نشر الصحافيان الإيطاليان "ماكس سيفيلي" و"دييغو ماريوتيني" كتاباً بعنوان: "هدف في مرمى بوش"، يحكي سيرة جورفان فييرا، مدرب ذلك المنتخب، الذي يقول إن الفوز بكأس آسيا 2007 "جاء في وقت استثنائي. كان الجميع بحاجة إلى فرحة تمحو جراح العراقيين وأحزانهم".

الطائفية التي خسرت في الملعب، ظلت تفوز في السياسة، ورئيس الاتحاد العراقي، حسين سعيد، الذي كان أسطورة الملاعب العراقية، استقال من رئاسة الاتحاد بعد حملات تشويه قادها "حزب الدعوة" ضده، والمضايقات التي أجبرته على الانسحاب من انتخابات الاتحاد العراقي لكرة القدم، ومثله حدث مع "عدنان حمد" المدرب العراقي الأشهر، الذي أُبعِد عن التدريب بقرار من وزير الشباب والرياضة "جاسم محمد جعفر". وجاسم هذا هو عضو "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي، الأمين العام لـ"حزب الدعوة". وفي حوار تلفزيوني سُئل الوزير عن إبعاده لعدنان حمد، فردّ بأنه كان مع البعثيين وضد "العراق الجديد".

كان دُعاء اللاعبين يشبه الصلاة في "ساحة التحرير"، حيث كان كان آلاف الشباب المعتصمين في انتفاضة 2019 يحتبسون أنفاسهم بانتظار هدف الفوز على المنتخب الإيراني في المباراة التي أُقيمت على ستاد عمّان الدولي. وفي الدقيقة 91 أنهى علاء عباس المباراة بهدف حاسم. كان الفرح بالفوز هو شعورٌ عميق لأجيال تعاني من العنف الذي يسببه النظام الإيراني في العراق اليوم. 

"العراق الجديد" ومنذ مطالعه، تحديداً في تموز/يوليو 2006، شهد الحدث الذي شكّل ملامح الرياضة العراقية بشكل عام وكرة القدم بشكل خاص، عندما اختطفت ميليشيا مسلحة ترتدي زي مغاوير وزارة الداخلية وتقود مركباتها، رئيس اللجنة الأولمبية "أحمد الحجية" (أول رئيس للجنة الأولمبية بعد عدي صدام حسين). حينها، اختطفوه علناً في منطقة الكرّادة وسط بغداد مع 35 من الإداريين الذين كانوا مدعوّين لحضور مؤتمر في المركز الثقافي لوزارة النفط. لم يُعرف مصير رئيس اللجة الأولمبية ومرافقيه حتى اللحظة، لكن مصير كرة القدم العراقية تحدد مساره منذ لحظتها بسيطرة القوى الحاكمة الطائفية على اللعبة.

... والآن؟

هدف انتصار العراق على إيران، 2019

في "ساحة التحرير" التي كانت تكتظ في 2019 بجماهير المعتصمين منذ أشهر لإصلاح النظام السياسي والاجتماعي، كان آلاف الشباب يحتبسون أنفاسهم في الوقت الإضافي بانتظار هدف الفوز على المنتخب الإيراني في المباراة التي أُقيمت على ستاد عمّان الدولي، بعد أن قرر الاتحاد الدولي ("فيفا") نقل مباريات المنتخب العراقي أمام إيران خارج أرضه. 

في الدقيقة 91 أنهى علاء عباس المباراة بهدف حاسم. لم تكن تلك مباراة كرة قدم، كانت تشبه المعركة، الدائرة أصلاً في ساحة التحرير. كان دعاء أمجد عطوان وهو ينفذ الركلة الركنية التي مررت الكرة لعلاء وصنعت الهدف، تشبه الصلاة في ساحة التحرير، وكان الفرح بالفوز هو شعورٌ عميق ورغبة أجيال تعاني من العنف الذي يسببه النظام الإيراني في العراق اليوم.

تشكيلة المنتخب العراقي ضد نظيره الإيراني عام 2019

كرة القدم بالنسبة للعراقيين هي نافذة للتعبير الواضح عن شعورهم بالفرح أو بالحزن، لكنها اليوم أكثر من ذلك، بعد أن تحولت إلى سوق وسلطة في العالم، ولم تعد "الغِيرة العراقية" تكفي لتطويرها. والبطل الوحيد، المهاجم الفردي البطل، "أسد الرافدين" و"الجندي المقاتل"، لم يعد يصنع الفارق في أسلوب اللعب الحديث القائم على الفريق كله. وهذا ما تفتقده كرة القدم العراقية، فالدوري الممتاز رديء والأندية ليست لديها ملاعب، فضلاً عن ملاعب التدريب، وما يزال تمويلها فقيراً – مقارنةً بسوق الأندية في الخليج على سبيل المثال - فهي تمول من ميزانيات الوزارات والمؤسسات التابعة لها، والتي تأتي من ميزانية الحكومة. فمثلاً أعلى قيمة سوقية لنادي كرة قدم عراقي هي 3 ملايين دولار، وهو نادي الشرطة المموَّل من وزارة الداخلية، بحيث أنّ ميزانيات أندية الدوري الممتاز، وهي 20 نادياً، لا تتجاوز سقف الثلاثين مليون دولار سنوياً. 

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

مقالات من العراق

التعليم في العراق: منحنيات الانهيار

ميزر كمال 2023-12-06

انهيار قطاع التعليم الحكومي، وتفشي الفساد في المؤسسة التربوية، وانتقال وزارة التربية من حزب إلى حزب باعتبارها واحدة من القسائم الانتخابية التي تخضع للمحاصصة الطائفية وفقاً للنظام العراقي بعد 2003،...

الشتاء يعود إلى المخيم

فؤاد الحسن 2023-11-30

5600 خيمة في مخيم واحد، عشرات المخيمات، آلاف الأطفال، عشرات آلاف النساء، آلاف الرجال، كلهم يرقدون تحت خيام نايلونية فيما ينهشهم البرد. عالم كامل من الخيام، يرقد مريضاً وتذيب قلبه...

للكاتب نفسه

التعليم في العراق: منحنيات الانهيار

ميزر كمال 2023-12-06

انهيار قطاع التعليم الحكومي، وتفشي الفساد في المؤسسة التربوية، وانتقال وزارة التربية من حزب إلى حزب باعتبارها واحدة من القسائم الانتخابية التي تخضع للمحاصصة الطائفية وفقاً للنظام العراقي بعد 2003،...

أنا كل هذه الوجوه الميتة

ميزر كمال 2023-08-11

الأرقام تقول إن 200 ألف مدني قُتلوا في تلك الحرب، ومثلهم من الجنود، أبناء هؤلاء المدنيين. لكن لا أحد يحصي أعداد الخائفين في أوقات الحرب، الذين نجوا من الموت لكنهم...