القطن المصري لا يستحق الموت

جاء قانون "تحرير تجارة القطن" عام 1994 مقترناً بمزيد من التوغل في سياسات رفع الدعم الحكومي عن الزراعة، وعدم دعم أسعار الشراء، وتوقف المصانع المحلية، وفتح أبواب الاستيراد للملابس والنسيج من الخارج، وعدم مجارات تكنولوجيا الحصاد والتخزين... وهكذا تشكّلت مراحل الانهيار وأخذت الكاميرات تلتقط صور أكياس خيش كبيرة ملقاة على الطرق أو متعفنة داخل "الأجران" (المخازن الأهلية).
2023-04-28

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
انتاج القطن في مصر

سجلت مصر رقماً قياسياً في تصدير القطن عام 2021 بإرسالها 1.8 مليون قنطار إلى 28 دولة بقيمة 4 مليارات جنيه (نحو 256 مليون دولار)، مما أحيا الآمال بعودة البلاد إلى مكانتها المميزة على خريطة القطن العالمية.

على الرغم من أن هذه الأرقام لا تزال تشير إلى انخفاض كبير بالمقارنة مع ما كانت عليه الحال في الأعوام السابقة، إلا أنها تظلّ إيجابيّةً. هل هذا هو مصير القطن المصري ذي الصيت العالمي والشهرة، أم لم تزل هناك فرصة؟ يحتاج تفهم هذه المعضلة وتدبرها إلى الرجوع زمنياً عدة خطواتٍ للوراء ثم التقدم والنظر وفق عدد من المقاييس المتكاملة المتشابكة... أين ذهبت تلك الكتلة البيضاء المنيرة؟

أغلب قريناتي وأقراني، ممن يخطون نحو العقد الرابع من أعمارهم، لا يذكّرهم القطن بالخير. القطن في قرى الدلتا حيث قضوا طفولتهم، هو رمزٌ لانحناء الظهر الذي يقطر عرقاً من شدة الحر، ولسع العصا إذا تجاسر أي من هؤلاء الصغار على رفع رأسه ويديه، وتوقف قليلاً عن جمع الدودة التي تلتصق بورود القطن في الحقل.

مرت الأعوام ليخرج من بين هؤلاء صحافيات وصحافيون، وباحثون زراعيون، عادوا إلى قراهم على مدار السنوات العشر الأخيرة ليتساءلوا عدة مرات بطرق علمية وإعلامية عن مصير موسم الحصاد البهيج؟ ولماذا الأجران خاوية في أحد الأعوام، ويتعطن فيها القطن في أعوام أخرى؟ لماذا يذهب تعب الآباء من الفلاحين سُدى؟ لماذا يُباع بثمن بخس؟ وكيف يمكن أن يتغير مآل زراعة مهمة كتلك، بينما لا زالت الأرض هي الأرض، ولا زال القطن على الرغم من كل شيء على جودته، ولا زال البشر في كل مكان يفضِّلون ارتداءه؟

مئة عام من الانتشار، مئة عام من العزلة

في العام 1805، اتجه محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، إلى الزراعة الاستراتيجية لمحصول القطن بهدفي التصدير والتصنيع معاً، فشهدت الأراضي المصرية تغيراً مهما واستبدلت حبوب الأرز والفول بالقطن، وخضعت العملية لتجارب وتطوير على يد خبراء يونانيين بشكلٍ خاص. احتاج الأمر لسنوات من أجل تغيّر الخريطة الإدراكية للفلاح المصري، الذي لم يكن يملك الأرض، بل يعمل فيها بعد أن تم تقسيمها إلى إقطاعيات واسعة حسب ما ارتأى حاكم البلاد. بناءً عليه، ووفق مصادر التوثيق، بدأ التصدير الفعلي للقطن في العام 1827، وتضاعفت المساحة الخاصة بالمحصول 400 في المئة خلال 20 عاماً، ليبلغ إنتاج مصر من الأقطان عام 1845 نحو424.9 ألف قنطار من خلال زراعة 212.5 ألف فدان، وكان يدخل مصانع الغزل المصرية من هذا المحصول 80 ألف قنطار كحد أقصى ويبقى حوالي 344.9 ألف قنطار للتصدير، وكانت الحكومة هي المشتري الوحيد عبر تسعيرة موحدة، بدأت حينها بسعر 175 قرشاً للقنطار.

أغلب قريناتي وأقراني، ممن يخطون نحو العقد الرابع من أعمارهم، لا يذكّرهم القطن بالخير. القطن في قرى الدلتا حيث قضوا طفولتهم، هو رمزٌ لانحناء الظهر الذي يقطر عرقاً من شدة الحر، ولسع العصا إذا تجاسر أي من هؤلاء الصغار على رفع رأسه ويديه، وتوقف قليلاً عن جمع الدودة التي تلتصق بورود القطن في الحقل.

على مدار القرن التالي، أدت التطورات العالمية والإقليمية والمحلية - كالحرب الأهلية الأمريكية ومن بعدها سياسات الحكم في مصر التي انتهت باندلاع الثورة العُرابية ثم الإجهاز عليها وفرض الاستعمار البريطاني على الأراضي المصرية- إلى استمرار سياسة زراعة القطن، ولكن بهدف وحيد هو التصدير للسوق الأوروبي من خلال إدارة انجليزية كاملة تتحكم فيما سُمّيت "بورصة القطن المصري".

مع تكوّن جيل من رواد الثقافة والتعمير، بدأت مرحلة المئة عام الثانية، والتي توشك اليوم على الانتهاء! بدأت بتأسيس رائد الاقتصاد المصري "طلعت حرب" في العام 1927 "مصنع الغزل والنسيج" الشهير بمدينة "المحلة". انطلقت من جديد سيناريوهات التخطيط المركزي لزراعة القطن، كصدور قانون يحظر خلط أنواع البذور، ورُفع سعر الشراء الموحد، وجرت زيادة إنتاجية المصانع المحلية، وصولاً إلى فترة توّلي "جمال عبد الناصر" الحكم والتوسع بسياسات الدورات الزراعية والتخطيط الاستراتيجي، ليصل حجم الأراضي المزروعة إلى 2.2 مليون فدان كما هدفت إليه الخطة الاقتصادية 1956 – 1966.

ثم بدأت سياسات الانفتاح وتحرير السوق في إحداث تغييرات كبرى أعادت من جديد تشكيل الخريطة الإدراكية لدى المزارع المصري بما يخص هذا المحصول المهم. جاء قانون "تحرير تجارة القطن" عام 1994 مقترناً بمزيد من التوغل في سياسات رفع الدعم الحكومي عن الدورات الزراعية، وعدم دعم سعر الشراء، وتوقف المصانع المحلية، وفتح أبواب الاستيراد للملابس والنسيج من الخارج، وعدم مجاراتها لتكنولوجيا الحصاد والتخزين... وهكذا تشكلت مراحل الانهيار - لا أفول القطن المصري - وأخذت الكاميرات تلتقط صور أكياس خيش كبيرة ملقاة على الطرق أو متعفنة داخل "الأجران" (المخازن الأهلية). وفق المصادر الرسمية، أصبح القطن في العام 2005 في آخر قوائم الإنتاج الزراعي في مصر، وهذا بعد مئتي عام من التوجيه الاستراتيجي لزراعته، ولم تعد صادرات مصر من القطن للأسواق الخارجية تتجاوز 200 مليون دولار في العام.

في العام 1805، اتجه محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، إلى الزراعة الاستراتيجية لمحصول القطن بهدفي التصدير والتصنيع معاً، فشهدت الأراضي المصرية تغيراً مهما واستبدلت حبوب الأرز والفول بالقطن، وخضعت العملية لتجارب وتطوير على يد خبراء يونانيين بشكلٍ خاص.

بدأ التصدير الفعلي للقطن في العام 1827، وتضاعفت المساحة الخاصة بالمحصول 400 في المئة خلال 20 عاماً، وكان يدخل مصانع الغزل المصرية من هذا المحصول 80 ألف قنطار كحد أقصى ويبقى حوالي 344.9 ألف قنطار للتصدير، وكانت الحكومة هي المشتري الوحيد عبر تسعيرة موحدة، بدأت حينها بسعر 175 قرشاً للقنطار

وتتضح الصورة بقراءة الإحصائيات التي تقول إن حجم الإنتاج المصري من القطن في الفترة ما بين عامي 1960 - 1980 بلغ 15 في المئة من مجمل الصادرات العالمية، ثم تدنى موقعه في السوق العالمية ليصل في العام 1999 إلى ما لا يزيد عن 1 في المئة.

السيسي حاكماً.. ما الجديد؟

منذ العام 2016 عاد الحديث مجدداً عن ضرورة الاهتمام بازدهار القطن، وهو غير منفصل عن السياق الحاكم لكافة الخطوات التي اتخذت، سواء في مجال الصحة أو البنية التحتية تحت مسمى "المبادرات الرئاسية" التي تصب مجملها في تجاهل الإصلاح الهيكلي والتركيز على طرح حلول لمشكلات عاجلة من خارج المنظومة الرئيسية، بعيداً عن الحلول الجذرية وليس المؤقتة، أو على أقل تقدير في الجمع بينهما، وذلك باعتبارها توجيهات عليا تخضع لمعدل إنجاز ومدى زمني محدودين. من أشهر تلك الأمثلة "الحملة الرئاسية للقضاء على فيروس سي" التي تواكبت مع توصل العلم لعلاج جديد لهذا الفيروس المنتشر بكثافة في مصر، وبدلاً من التفاوض لإدخاله ضمن آليات عمل "اللجنة الدائمة لمكافحة فيروسات الكبد"، فقد وضع تحت إدارة مجموعة من المستشارين الصحيين لرئيس الجمهورية وعدد من قيادات وزارة الصحة.

وفق النهج ذاته، أعلن في العام 2020 عن إنشاء منظومة تسويق الأقطان، بالتعاون بين وزارات الزراعة وقطاع الأعمال والتجارة. ووفق تصريح آنذاك لوزير مسؤول: "القطن بقاله حوالي 20 سنة لم يصبح منافساً للأقطان العالمية، والقطن كان ملوثاً ومحالجنا كانت سبباً مباشراً في تلوث القطن. نعمل حالياً وفق نظام للتداول، أي أن الدولة تتسلم الأقطان من المزارع وتقوم بعمل مزاد للتجار. ولدينا 11 شركة تشتري الأقطان بأسعار جيدة نسبياً مقارنة بالأسعار العالمية".

رأت المجموعة الوزارية أن العمل على تشجيع القطاع الخاص - من غير الحاجة لسن قواعد ملزمة لدعم الفلاح والتخطيط الاستراتيجي لمراحل الزراعة والصناعة والتصدير- يمكنه تحقيق المعادلة التي تسمح برفع جودة المنتج وإعادة تفعيل "بذور الأقطان" التي تعمل على تقسيم المناطق الزراعية بما يسمح بالتنوع في أنواع القطن المنتجة، ما بين طويل ومتوسط وقصير التيلة، بما يحقق هدف جذب المستورد الأجنبي، ويسمح برفع سعر الشراء، والأهم أنّه يعطي مجالاً لعمل مصانع الغزل والنسيج، خاصةً تلك المملوكة للدولة، فتتحقق فعلياً الفائدة المزدوجة التي رُفعت كشعار يضم كلاً من الفلاح والاقتصاد الوطني.

حجم الإنتاج المصري من القطن في الفترة ما بين عامي 1960 - 1980 قد بلغ 15 في المئة من مجمل الصادرات العالمية، ثم تدنى موقعه في السوق العالمية ليصل في العام 1999 إلى ما لا يزيد عن 1 في المئة.

لم يمر غير عام. بعد الازدهار النسبي الذي شهده عام 2021، قيل أن السبب في التدهور الذي تلاه هو الحرب الروسية الأوكرانية وأثرها على معدلات الاستيراد والتصدير في أوروبا في مجال النسيج، لكن الأمر لا يقف بالتأكيد عند هذا الحد. كشفت حساسية الظرف الموضوعي الطارئ تأرجح تلك السلعة الاستراتيجية إلى حد الترنح. وقالت مذكرة رسمية أنه تمّ إجراء أكثر من 60 مزاداً لبيع القطن في الأسواق المصرية للشركات المصرية منذ بداية منظومة بيع القطن الزهر لموسم 2019 - 2022، وتم بيع 500 ألف قنطار، وأن أعلى سعر وصلت اليه هو 7500 جنيه للقنطار، لكنه أخذ بعد ذلك في التقهقر ليقف عند 4200 جنيه بنهاية عام 2022 ثم يبدأ منحنى تدنٍ جديد.

انتقد باحثون في "معهد بحوث القطن" قبول المسؤولين بخفض سعر افتتاح المزادات عما انتهت إليه في الأعوام السابقة، بناء على رغبة التجار، وأنه بالرغم من هذا لم يتم شراء الكميات المطلوبة أو المماثلة للعام السابق، وهو ما سمح بتدني الأسعار بشكلٍ كبير خاصةً في ظل الارتفاع المباغت لسعر الدولار بعد التحرير الأخير لسعر الصرف في مصر.

هذا المشهد المنغمس بالخسارة، دفع الفلاحين مع بداية موسم الزراعات الصيفية الحالية للعودة إلى زراعة الأرز وغيره من المحاصيل المستهلكة للمياه. من ناحية أخرى ارتفع حجم الواردات المصرية من زيوت الطعام دون الاستفادة من محصول القطن كبديلٍ عبر عصر بذور القطن، أو في صناعة الأعلاف من الفارغ المتبقي. أما الإقتصاد فكانت خسارته فادحة حيث بقيت شوالات الأقطان التي لم يتم بيعها متراصة داخل المحالج والأجران ومعرضةً للتلف في ظل غياب أساليب الحفظ السليمة، بينما شركات الغزل والنسيج التابعة للدولة بشكلٍ خاص شبه متوقفة عن العمل لعدم وجود إرادة جادة لتطوير تلك الصناعة واستيراد آلات حديثة تساعد في تحويل الخام إلى ألياف مناسبة، ومن ثم عقد صفقات تصدير آنية ناجحة أو العمل على خلق مخزون استراتيجي من المنتجات النسيجية يمكن تصريفه في الأسواق المحلية والعربية والعالمية خلال الأعوام القادمة.

مقارنات

يحتاج الأمر لمقارنة / مقاربة رئيسية يمكنها أن توضّح حال القطن المصري عبر ميزان السنوات، كيف كان سعر القنطار في كل مرحلة وما كان يعنيه من قوة شرائية تعود مباشرة على الفلاح وتترك أثرها المتراكم على الناتج المحلي للاقتصاد المصري.

نقوم هنا بقياس القوة الشرائية لقنطار القطن الواحد في حقب ثلاث متباعدة، من خلال حساب عدد كيلوجرامات اللحم التي يمكن شراؤها، بما يعكس حجم المكسب الذي حققه الفلاح عبر زراعة القطن في كل واحدة من هذه الحقب .

• حجم المساحة المزروعة في العام 2021 وصل الى ما يقارب 250 ألف فدان، بيع من إنتاجها بالمزادات 1.8 مليون قنطار بإجمالي سعر 4 مليارات جنيه، وهو ما يعني أن متوسط سعر قنطار القطن كان 4200 جنيه للقنطار، وهذا المبلغ يسمح بشراء 20 كيلوغراماً من اللحم.
• حجم المساحة المزروعة في العام 1965 كان2.2 مليون فدان، سعر القنطار المحدَّد من قبل الحكومة (المشتري المركزي) هو 100 جنيه للقنطار. وهو مبلغ كان يسمح بشراء 40 كيلوغراماً من اللحم.
• أما في بدايات إنتاج القطن، وتحديداً في العام 1827 (أي بعد عشرين عاماً من بدء زراعته في مصر) بلغ حجم المساحات المزروعة ما يزيد عن 200 مليون فدان، وكان سعر القنطار المحدد من قبل الحكومة (المشتري المركزي) هو 175 قرشاً للقنطار وقوتها الشرائية آنذاك كانت تسمح بشراء ما يقارب 60 كيلوغراماً من اللحم.

جاءت إذاً أعلى معدلات التدهور خلال الأعوام الأخيرة، التي تشهد فيها مصر بشكل عام أعلى مستويات التضخم والركود الاقتصادي، وهو ما تبينه المقارنة في تلك السنوات/ الحقب الثلاث آنفة الذكر، وهي حقبات مفصلية شهدت كل واحدة منها ظروفاً اقتصادية وسياسية قاسية.

______________________

مصادر
• القطن المصري، كتاب، حسين صدقي، تشرين الثاني/ نوفمبر 2019   https://2u.pw/WfHZan
• إحصاء الزراعات السنوية في مصر https://www.agri.gov.eg/library/25
• نشرة القطن السنوية فى مصر https://bit.ly/3AEejlM

مقالات من مصر

مياه العاصمة الجديدة تكلف المليارات

2024-06-07

يجب على الحكومة تبني الاستهداف الجغرافي عند توزيع الموارد العامة والاستثمار في البنية التحتية من أجل توفير الخدمات الأساسية في المناطق القائمة المحرومة، التي تتركز في ريف الوجه البحري والقبلي...

للكاتب نفسه

عيش.. حرية.. إلغاء الاتفاقية!

منى سليم 2024-03-29

هل يستقيم ألا تغيِّر الحرب على غزة موازين الأرض؟ أو لا يصير الى صياغة برنامج سياسي مصري ينطلق من إلغاء هذه معاهدة كامب ديفيد، وأن يكون ذلك ركيزة للتغيير الجذري...