خصخصة قناة السويس.. مسمار أخير في نعوش متعددة

تتحكم هيئة قناة السويس بشكل أو بآخر في مساحات واسعة تعتبر جزءاً لا يتجزأ من مدن القناة الثلاث (بورسعيد، الإسماعيلية، السويس)، مما يعني أنّ أي تدخلات استثمارية أجنبية مع الهيئة هي بالضرورة سيطرة مستقبلية على تلك المحافظات التي تربط باقي مساحة الدولة المصرية بسيناء.
2022-12-29

رباب عزام

صحافية من مصر


شارك
قناة السويس، تصل البحر الاحمر بالبحر الأبيض المتوسط وتمتد على مسافة 195 كلمتراً.

في بداية حكمه، وقف الملك سنوسرت الثالث من الأسرة الـ 12 المصرية القديمة، يناقش رجاله حول الطريقة التي تمكّن جيش مصر من اجتياز البحر الأحمر وصد هجمات الآسيويين، ثم السير جنوباً وصد هجمات قبائل كوش النوبية، والتي لم يتمكن الملك السابق من صدها، حيث مثلّت الشلالات المائية الجنوبية عائقًا طبيعيًا أمام جيش مصر وقتها لاقتحامها والتسلل إلى النوبة. ثم لاحت الفكرة بحفر أول ممر مائي يربط بين البحر الأحمر وروافد نهر النيل القديمة، وبذلك استطاع الملك وجيشه الانطلاق خارج مصر عبر القناة الجديدة لصد هجوم الأعداء ومحاربتهم في معاقلهم، لتصبح القناة التي عرفت باسم "قناة سيزوستريس" رمزاً لاستقلال المملكة المصرية والدفاع عنها (1).

مشهد أول

كانت الدول الاستعمارية الأوروبية، وخاصة فرنسا، تحلم بإعادة شق القناة القديمة التي ذكرها المؤرخ اليوناني هيرودوت، لتقليل التكاليف والوقت وإحكام قبضتها على المستعمرات الشرقية في الهند ومحاربة الإمبراطورية البريطانية في تجارتها. أوعز نابليون إلى علماء الحملة الفرنسية بإعداد دراسةٍ، شرعوا بها فعلاً. لكنّ حلمه توقف بعودته إلى فرنسا بعد حصار السفن البريطانية لجيشه في مصر. وعلى الرغم من الفشل الأول في التنفيذ، إلا أن الفرنسيين عادوا إليه بعد 56 عاماً حين استطاع في العام 1854، الفرنسي "فرديناند ديليسبس" المقرب حينها من حاكم مصر محمد سعيد باشا إقناع هذا الأخير بإعادة حفر القناة.

مرّت 15 عاماً قاسية على المصريين، بين منح "ديليسبس" الامتياز وبين الحفل الأسطوري لافتتاح قناة السويس الذي دُشن في عهد الخديوي إسماعيل في العام 1869. كان عهد سُخرة وموت حتى وقت الجلاء. مُنح الفرنسيون الحق في استغلال الأراضي المحيطة بالمشروع، فشقوا ممراً من ماء النيل العذب لاستغلاله في أعمال القناة. وفُرِض على المزارعين المصريين في المنطقة دفع إتاوة مقابل استغلال المياه لري أراضيهم وكأنها ليست ملكاً لهم. ثم جاءت الضربة القاضية حينما اتفق الفرنسيون والبريطانيون على أن يكون عُمّال القناة من المصريين الفقراء (2). جرى انتزاع المزارعين من أراضيهم عنوة وسيقوا لشق القناة بأيديهم العارية. وقد بلغ عدد العمال في العام 1862 فقط حوالي 250 ألف عامل من أصل ما يقارب 4.8 ملايين مصري هم تعداد السكان حينئذ (3). ووصل عددهم مع نهاية أعمال الحفر إلى مليون مصري (4)، وأدت الظروف غير الآدمية إلى مقتل ما يقارب 120 ألف مصري وقتها – وفق تقديرات متفاوتة - في سبيل تحقيق مصالح فرنسا الاستعمارية. وانتهى الأمر بالاحتفال على جثث المصريين وازدياد ديون مصر التي أدت إلى فرض الرقابة الثنائية الفرنسية - البريطانية على ماليتها ثم الاحتلال البريطاني في نهاية المطاف.

مشهد ثان

"عندنا عقدة من "ديليسبس"، عندنا عقدة من "كرومر"، "عندنا عقدة من الاحتلال السياسي عن طريق الاحتلال الاقتصادي". هذا ما قاله الرئيس جمال عبد الناصر في خطاب تأميم قناة السويس في تموز/يوليو من العام 1956، الذي أدى إلى عدوان عسكري ثلاثي من إسرائيل وفرنسا وبريطانيا في تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، ليخوض المصريون حرباً شرسة، اندمج خلالها ضباط الجيش مع رجال المقاومة الشعبية في بورسعيد، انتهت في آذار/مارس 1957، وأسفرت عن مقتل 3 آلاف مصري، وجرح 4900 منهم. وقد أسقطت المقاومة الشعبية تمثال "ديليسبس" عن قاعدته عند مدخل القناة حينئذ لكونه رمزاً استعمارياً.

مشهد أخير

أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حديثه في المؤتمر الاقتصادي في تشرين الأول/أكتوبر 2022، إلى "صندوق هيئة قناة السويس" الموجود منذ سنتين بالفعل، ملوحاً برغبته في توجيه الدفة إلى قناة السويس وهيئتها الاقتصادية للاستثمار وحصد الأموال التي يرغب في توافرها لاستكمال مشروعاته.

لم يكن ذلك السرد التاريخي حشواً زائداً، فقراءة تاريخ مصر تظهر الصلة الوثيقة بين ذلك الممر المائي وبين سلامة مصر واستقلالها السياسي والاقتصادي. وقد قدم الشعب المصري على مدار تاريخه ثمناً باهظاً حفاظًا على القناة بالتحديد، وكل حديث يخصها هو في الحقيقة موضع اهتمام شعبي كبير. وهذا ما أثار غضب المصريين وترقبهم خلال الأيام القليلة الماضية، بعد أن وافق مجلس النواب المصري بشكل مبدئي خلال جلسته في 19 كانون الأول/ديسمبر الجاري على تعديل القانون رقم 30 لسنة 1975 والمتعلق بنظام هيئة قناة السويس. التعديلات تضمنت إضافة بعض المواد لإنشاء صندوق خاص لإدارة واستثمار أصول القناة. وهو ما أشعل مخاوف المصريين من توجه السلطة الحالية إلى ضم قناة السويس إلى قائمة الأصول المعروضة للبيع والاستثمار الأجنبي، حيث نصت المادة (15) مكرر (2) من التعديل المذكور على "تمكين الصندوق من القيام بجميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية ومنها: تأسيس الشركات والاستثمار في الأوراق المالية، وشراء وبيع وتأجير واستئجار أصول الصندوق الثابتة والمنقولة والانتفاع بها".

وبالرجوع إلى القانون رقم 30 لسنة 1975، والمنشور على الموقع الرسمي لهيئة قناة السويس، نجد أن الهيئة بموجب المادة (2)، هي هيئة عامة تتمتع بشخصية اعتبارية مستقلة. وهي تتبع، دون التقيد بالنظم والأوضاع الحكومية، طرق الإدارة والاستقلال المناسِبة وفقاً لما هو متّبع في المشروعات التجارية، كما أن ميزانيتها مستقلة وفقا للمادة (5) من القانون ذاته.

وما يثير التساؤل هو طرح قانون خاص بصندوق القناة، رغم أنه قيد العمل فعلياً منذ العام 2020. كما أن كافة اختصاصات الصندوق هي ذاتها الممنوحة لهيئة قناة السويس بموجب قانون العام 1975، وبالفعل أجرت الهيئة عدداً من الصفقات بهدف تأجير أو استثمار أو بيع في الأصول والموارد. كما عقدت مؤخراً بروتوكول تعاون مع مسؤولين من دولة قطر، بهدف الدخول في شراكات تتعلق بالموانئ المصرية (كان النظام المصري قد أحلّ الإمارات بديلاً عن قطر في مخططاته عقب سقوط حكم جماعة الإخوان المسلمين منذ العام 2014، وما لبث أن أعاد توقيع صفقات جديدة عقب إعادة العلاقات مع قطر خلال الأشهر الأخيرة). وفي مطلع العام 2022، فازت شركة الجرافات البحرية الإماراتية بمشروع يتعلق بالقناة الملاحية ورصيف ميناء سفاجا. وقد أثار تواجد الشركة خلال الـ 8 سنوات الماضية في السوق المصري تساؤلات كبيرة، خاصة وأن الشركة المملوكة لطحنون بن زايد "مستشار الأمن القومي الإماراتي" وشقيق محمد بن زايد، تنال مشروعاتها بتكليف مباشر من السيسي. وما زاد من شكوك المصريين أيضاً، الإعلان عن شراكة جديدة بين قناة السويس و"موانئ دبي العالمية" في العام 2017، وقالت الحكومتان وقتئذ أنهما تنويان تأسيس شركة تنمية مشتركة مملوكة بنسبة 51 في المئة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، و49 في المئة لموانئ دبي، وتطوير مساحة 95 كيلومتراً غرب خليج السويس، بما يمثل نسبة 21 في المئة من مجمل مساحة المنطقة الاقتصادية البالغة 461 كيلومتراً. وهذا ما زاد من تساؤلات المصريين حول ما إذا كان الأمر مجرد طموح اقتصادي لحكومة أبو ظبي أم أن وراءه مشروعاً سياسياً خفياً، وما إذا كان النظام المصري الحالي يكافئها على ما قدمته من منح مالية لدعمه منذ العام 2014، أم أنه شرع في بيع جزء من أصول القناة من خلال شكل شراكات غير معلنة التفاصيل سيتم تمريرها بموجب صندوق قناة السويس السيادي الجديد. فضلاً عن تساؤلات أخرى بشأن جدوى هذه الشراكة بالنسبة لمصر والمصريين، خاصة وأن هناك مستثمرين من مصر قادرين على دخول شراكات من مثل هذا النوع مع هيئة قناة السويس. وعقب توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات بين حكومة أبو ظبي وحكومة الاحتلال الإسرائيلي في العام 2020، دُشنت اتفاقية بين موانئ دبي العالمية المملوكة للإمارات، و"دوفر تاور" الإسرائيلية لتطوير الموانئ الإسرائيلية والمناطق الحرة، وفتح خط ملاحي مباشر بين ميناء إيلات المطل على البحر الأحمر وميناء جبل علي في دبي. وقد أقلق الأمر المصريين وزاد من تساؤلاتهم حول التواجد الإماراتي المكثف داخل منطقة القناة لتعطيل التقدم في اقتصاديات القناة عقب الاستحواذ على صفقات حصرية كبرى، خاصة وأن الشراكة الإماراتية- الإسرائيلية والمشاريع المعلنة تؤكد أنها تسعى لمنافسة قناة السويس وتجارتها. كما روج الإخوان المسلمون إلى أن محاولة أبو ظبي السيطرة على اقتصاديات القناة تأتي لضمان عدم تأثيرها على الخطوط الملاحية في الإمارات وميناء جبل علي الذي يعتبر من بين الأكثر أهمية في الشرق الأوسط.

سر الصناديق الخاصة

كانت فكرة الصناديق الخاصة (5) منذ ظهورها عقب هزيمة حزيران/يونيو 1967، محاولة من حكومة ناصر لتخفيف العبء على الموازنة العامة للدولة التي أنهكها الصرف على تعويضات خسائر الحرب، وفي الوقت نفسه كانت تمنح حقوقاً حصرية لبعض الهيئات والوزارات بالإشراف على أموالها. لكن الفكرة كانت تؤرق وجدان بعض الاقتصاديين والمهتمين بالشأن العام المصري، خاصة وأن التوسع في إنشاء الصناديق والحسابات الخاصة (6) أدى إلى صعوبة حصرها أو ممارسة الرقابة التامة عليها. فهناك بيانات منشورة تؤكد أن تلك الصناديق تقدر بنحو 625 صندوقاً، بينما تظهر بيانات رسمية غير منشورة أنه في العام 2017، وصل عدد الصناديق الخاصة المسجلة لدى البنك المركزي إلى نحو 3452 صندوق، في حين ذكر البرلماني إيهاب منصور أن عدد الصناديق الخاصة في مصر وصل لأكثر من 7 آلاف صندوق، بينما كشفت تحقيقات وتقارير صحافية دولية أجريت بشكل معمق في العام 2014، عن وجود صناديق خاصة ملتبسة، تشغّلها الدولة وتحتوي على مبالغ قدرها 9.4 مليار دولار حتى ذاك التاريخ، وأنه وبحكم القانون لا تدخل تلك الصناديق في خزينة الدولة أو الموازنة العامة.

المقصود بقناة السويس ذلك الممر المائي الملاحي القديم، ثم قناة السويس الموازية التي دُشنت في العام 2014، وهما ممران محميان بقوة الدستور وفق المادة (43)، فلا يجوز بيعهما أو تأجيرهما. لكن القناة تمتلك هيئة اقتصادية تدير مشروعات ضخمة على مساحة واسعة من الأراضي، تتطلع السلطة إلى ضمها إلى الصندوق الجديد.

تعليقاً، قال الصحافيان نزار مانيك وجيريمي هودج (7)  إنهما اطلعا على سجلات المصرف المركزي المصري للعام 2010/2011، وهو عام الثورة ضد نظام مبارك، واتضح من خلال بحثهما أن قيمة الأموال المودعة في الصناديق الخاصة بلغت نحو 14.1 مليار دولار. لم تكن تلك الأموال تابعة لمجمل الصناديق الخاصة في مصر، وإنما فقط لتلك المسجلة لدى المصرف، ولم يُسمح لهما بمراجعة بيانات السنة المالية 2010/2011 فيما يتعلق بحسابات الصناديق الخاصة التي يتم تشغيلها خارجه. ويشيران إلى احتمالية أن تكون الصناديق غير المسجلة عبارة عن باب خلفي لتهريب أموال الدولة المصرية إلى الخارج، وإلى أن مثل تلك الصناديق استُخدمت في السابق لتسهيل تهريب أموال أسرة مبارك ورجاله. وتابع الصحفيان أنه بحلول نهاية السنة المالية 2012/2013، وبحسب السجلات الرسمية كانت هناك صناديق خاصة تضم مبالغ قدرها 3.5 مليارات دولار موزعة على 644 حساباً مودعة بصورة غير قانونية في مصارف تجارية مملوكة للدولة. ويعدّ هذا بمثابة خرق للقانون رقم (139) الذي أُقر في العام 2006، والذي ينص على وجوب إيداع كل الصناديق الخاصة لدى المصرف المركزي. كما تبيّن وجود مبلغ 5.9 مليار دولار موزعة على 5729 حساب قانوني في المصرف المركزي (8).

ويفتح تحقيق الصحافيّين التساؤلات حول مدى استفادة الدولة المصرية وموازنتها العامة من مثل تلك الصناديق، خاصة وأن البرلمان قد أقر قانوناً للموازنة العامة في العام المالي 2013/2014 نص على اقتطاع 10 في المئة من عائداتها الشهرية لصالح موازنة الدولة، وعُدّلت النسبة لتصل إلى 15 و25 في المئة من بعض الصناديق في بعض السنوات، بينما يتحصّل الصندوق على باقي الإيرادات منفرداً. وهو التساؤل الذي بات ملحاً الآن بعد استصدار قانون جديد بشأن استحداث صندوق قناة السويس (الموجود فعلياً). فالصناديق الخاصة تعد استثناءً يخالف مبدأ شمولية ووحدة الموازنة العامة للدولة. وحسب الدكتور محمد السنباطي - زميل الجمعية المصرية للمالية العامة والضرائب - هناك نوعان من الموازنات، الأولى مستقلة وتتشابك مع الدولة في تحويل الفائض الذي يذهب منها إلى الموازنة العامة (مثل موازنة قناة السويس كهيئة اقتصادية مستقلة)، بينما هناك الموازنات الخاصة والتي تمثّل الصناديق والحسابات الخاصة، وتتمتع بموازنة منفصلة تماماً عن موازنة الدولة (وهو ما سيؤول إليه الوضع بعد استحداث صندوق قناة السويس الجديد)، وبالتالي لا تدخل إيراداتها ضمن الموازنة، وهو ما عارضه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لأنه يمثل حجباً لإيرادات عامة عن الموازنة، وبالتالي عدم شفافية السجلات الخاصة بالأموال الرسمية.

في مطلع العام 2022، فازت "شركة الجرافات البحرية" الإماراتية بمشروع يتعلق بالقناة الملاحية ورصيف ميناء "سفاجا". الشركة موجودة في السوق المصرية منذ 8 سنوات، وهي مملوكة لطحنون بن زايد "مستشار الأمن القومي الإماراتي" وشقيق محمد بن زايد، وتنال مشروعاتها بتكليف مباشر من السيسي. والأخير كان قد أعلن عن شراكة جديدة بين قناة السويس و"موانئ دبي العالمية" في العام 2017.

هل الأمر مجرد طموح اقتصادي لحكومة أبو ظبي أم أن وراءه مشروعاً سياسياً خفياً؟ وهل النظام المصري الحالي يكافئها على ما قدمته من منح مالية لدعمه منذ العام 2014، أم أنه قد شرع فعلاً في بيع جزء من أصول القناة من خلال شكل شراكات غير معلنة التفاصيل سيتم تمريرها بموجب صندوق قناة السويس السيادي الجديد. 

ووفق إحصائيات الملاحة خلال العام المالي 2021 /2022، حققت القناة أعلى حمولة صافية سنوية لعام مالي قدرها 1.32 مليار طن، وأعلى إيراد سنوي مالي بلغ ما يقارب 7 مليار دولار، فيما ساهمت على سبيل المثال، بنحو 4 مليار دولار في موازنة الدولة الخاصة بـ2018-2019. وتجدر الإشارة إلى أن الإيرادات من قناة السويس وحدها تشارك بما يوازي 10 في المئة في موازنة الدولة وفقاً لبيانات رسمية في العام 2014/2015، ما يعني حرمان الدولة من تلك الإيرادات؛ وبالتالي انخفاض التوقعات على مدى جودة الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين، وأيضًا التلويح بمزيد من الضرائب يتحملها المواطن نتيجة حجب أموال الصناديق عن الموازنة العامة.

مزيد من الضرائب

تثير إشكالية تخريج أموال إيرادات قناة السويس من الموازنة العامة للدولة، وفقاً للصندوق الجديد، احتمالية فرض مزيد من الضرائب على المواطنين، كتعويض للإيرادات المقتطَعة، خاصة وأن السياسة الضريبية للسلطة في السنوات الأخيرة قد حمّلت المواطن مزيداً من الأعباء عقب كل مشروع جديد يعتمد، كما حملته أعباء الدين العام الحكومي والذي يقدر بنحو 86 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ووفق تقرير رسمي، حققت الموازنة العامة للدولة إجمالي إيرادات بلغ 161.6 مليار جنيه خلال الفترة من تموز/يوليو إلى آب/أغسطس من العام المالي الجاري 2022/2023، ساهمت فيها المتحصلات من الإيرادات الضريبية بنحو 82.7 في المئة من إجمالي الإيرادات. وتتوقع وزارة المالية أن تقفز الإيرادات الضريبية خلال العام المالي الجديد لتبلغ 1.16 تريليون جنيه مقابل 983 مليار جنيه في الموازنة السابقة، أي بزيادة قدرها 18.1 في المئة، وذلك حسب المعلن في أيار/مايو 2022، أي قبل الإعلان عن صندوق قناة السويس بعدة أشهر. وهو ما يعني نية السلطة ضمن مخططها للموازنة الجديدة فرضَ مزيد من الضرائب كتعويض أساسي عن مخططاتها الجديدة بخصوص حجب أموال القناة، وما يُستحدث من مشروعات، عن المالية العامة.

ماذا تملك هيئة قناة السويس؟

يثير الجدل حول بيع قناة السويس أو طرحها للاستثمار عدداً من التساؤلات فيما يخص أصولها، لذا يجب أن نوضح أن المقصود بقناة السويس ذلك الممر المائي الملاحي القديم، ثم قناة السويس الموازية التي دُشنت في العام 2014، وهما ممران محميان بقوة الدستور ووفق المادة (43)، فلا يجوز بيعهما أو تأجيرهما. لكن القناة تمتلك هيئة اقتصادية تدير مشروعات ضخمة على مساحة واسعة من الأراضي، تتطلع السلطة إلى ضمها للصندوق الجديد.

وحسب الموقع الرسمي، فإنها تمتلك 8 شركات هي: "التمساح لبناء السفن"، و"القناة للموانئ والمشروعات الكبرى"، و"القناة لرباط وأنوار السفن"، و"القناة للإنشاءات البحرية"، و"القناة للحبال ومنتجات الألياف الطبيعية والصناعية"، و"ترسانة السويس البحرية"، و"الأعمال الهندسية البورسعيدية"، و"القناة للترسانة النيلية"، إضافة إلى مشاركتها في عدد من الشركات الأخرى ذات الصلة، وعدد من الترسانات وهي: "ترسانة بورسعيد البحرية" وتشغل مساحة 410700 متر مربع، و"ترسانة بورفؤاد البحرية" وتمتلك عدداً من الورش المتخصصة ومحطات الهواء المضغوط، و"مصنع GRP لتصنيع لنشات ومنتجات الفيبر جلاس"، كما تمتلك أرصفة إصلاحٍ بطول 1250 متراً. لديها أيضاً قسم خاص بالإنقاذ وأعمال تحت الماء. وحسب المادة (7) من قانون الهيئة، فإنها تدير ميناء بورسعيد وتشرف على كل عملياته البحرية باعتباره جزءاً لا يتجزأ من مرفق القناة.

عقب توقيع اتفاقية تطبيع العلاقات بين أبو ظبي وإسرائيل في العام 2020، دُشّنت اتفاقية بين موانئ دبي العالمية المملوكة للإمارات، و"دوفر تاور" الإسرائيلية لتطوير الموانئ الإسرائيلية والمناطق الحرة، وفتح خط ملاحي مباشر بين ميناء إيلات المطل على البحر الأحمر وميناء جبل علي في دبي.

هل هدف الوجود الإماراتي المكثف داخل منطقة القناة تعطيل التقدم في اقتصاديات هذا الموقع عقب الاستحواذ على صفقات حصرية كبرى، خاصة وأن المشاريع المعلنة للشراكة الإماراتية - الإسرائيلية تؤكد أنها تسعى لمنافسة قناة السويس وتجارتها.  

كما يجوز للهيئة وفقاً للمادة (11) تملّك الأراضي والعقارات بأيّ طريقة بما في ذلك نزع الملكية للمنفعة العامة، وللهيئة أن تؤجر أراض وعقارات تملكها أو أن تستأجر أراض أو عقارات مملوكة للغير لتحقيق أغراضها. ووفقاً لهذه المادة فقد تكونت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بعد تعديلات قانونية في العام 2014 (التوقيت نفسه الذي أعلنت فيه السلطة عن شق قناة السويس الجديدة الموازية للممر القديم)، وهي عبارة عن مسطح من الأراضي بمساحة 460 كيلومتر مربع، يبدأ من العين السخنة جنوب السويس ويمتد إلى محافظة السويس وجنوب محافظة سيناء الجنوبية ثم محافظة الإسماعيلية ومحافظة بورسعيد. وتضم المنطقة 6 موانئ (ميناء العين السخنة، ميناء شرق بورسعيد، ميناء غرب بورسعيد، ميناء الطور، ميناء الأدبية، ميناء العريش) و 4 مناطق صناعية (المنطقة الصناعية شرق بورسعيد، والمنطقة الصناعية غرب القنطرة، ووادي التكنولوجيا شرق الإسماعيلية، والمنطقة الصناعية في العين السخنة) موزعة على إجمالي المساحة. ويشارك بالمنطقة 14 مطوِّراً واستثمارياً حتى الآن، بتكلفة استثمارية تبلغ 18 مليار دولار.

وبالنظر إلى البيانات أعلاه نجد أن هيئة قناة السويس تتحكم بشكل أو بآخر في مساحات واسعة تعتبر جزءاً لا يتجزأ من مدن القناة الثلاث (بورسعيد، الإسماعيلية، السويس)، ما يعني أن أي تدخلات استثمارية أجنبية بالهيئة هي بالضرورة سيطرة مستقبلية على تلك المحافظات التي تربط باقي مساحة الدولة المصرية بسيناء.

ردود أفعال

بعد الإعلان عن القانون الجديد، لم يأت الرفض من قوى المعارضة أو الشعب فقط هذه المرة، بل أيضاً من داخل النظام ذاته. فقد نشرت جريدة محلية تصريحاتِ أدلى بها الفريق مهاب مميش - مستشار الرئيس الحالي للموانئ، ورئيس هيئة قناة السويس، وقائد القوات البحرية بالجيش السابق - يؤكد فيها أنه "من المستحيل تطبيق هذا القانون، لأنه سيفتح الباب أمام سابقة لم تحدث من قبل وهي وجود أجانب في إدارة قناة السويس، كما أن أي تغيير في النظام أو دخول مستثمرين أجانب سيسبب حالة فزع لدى المواطنين، خاصة مع ارتباط قناة السويس وجدانياً بالمصريين الذين شقّوها في المرة الأولى بدمائهم وعرقهم وجهدهم، والمرة الثانية بأموالهم". وقد سارعت الجريدة بعد ذلك إلى حذف التصريح وتعديله لاحقاً (ويبدو أن ذلك جرى بتوجيهات أمنية). كما واجه هذا القانون معارضة داخل المجلس النيابي (والمعروف أنه يمثل أغلبية موالية للسلطة)، فتحت القبة البرلمانية أعلنت النائبة مها عبد الناصر الرفض متسائلة: "الحكومة تبهرنا بصندوق جديد، كيف نتحدث عن وحدة الموازنة ونحن ننشئ صناديق جديدة؟ الحكومة مصرة على عمل الأشياء نفسها وتنتظر نتائج مختلفة"، ودعمها النائب إيهاب منصور متسائلاً: "ماذا يحدث في ترتيب أولويات الحكومة في الإنفاق؟ الحكومة تستدين لتسديد الديون وليس لإنشاء مشروعات منتجة". في المقابل، ردت الحكومة على الانتقادات بلسان وزير المجالس النيابية الذي أكد أن "الصندوق لن يبيع القناة، إنما ينمّيها ويُحصّل إيرادات يستثمرها وينفقها على القناة". وأكد رئيس المجلس النيابي أن الدولة ملتزمة بموجب المـادة (43) مـن الدستور بحماية قناة السويس وتنميتها والحفاظ عليها. ومن جانبها، أكدت الحكومة أن حسابات الصندوق كافة تخضع لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، مطالِبة بعدم الانسياق وراء الأكاذيب التي تروّج لبيع القناة، فيما علق السيسي نفسه عقب ازدياد حالة الاستياء، قائلاً إن الهدف من الصندوق تمويل وتطوير مشروعات القناة من خلال عوائده، موضحاً أن كل تلك الإجراءات إيجابية.

حققت القناة أعلى حمولة صافية سنوية لعام مالي قدرها 1.32 مليار طن، وأعلى إيراد سنوي مالي بلغ ما يقارب 7 مليار دولار، فيما ساهمت على سبيل المثال، بنحو 4 مليار دولار في موازنة الدولة الخاصة بـ 2018-2019. وتجدر الإشارة إلى أن الإيرادات من قناة السويس وحدها تشارك بما يوازي 10 في المئة في موازنة الدولة.

وفق تقرير رسمي، حققت الموازنة العامة للدولة إجمالي إيرادات بلغ 161.6 مليار جنيه خلال الفترة من تموز/يوليو إلى آب/أغسطس من العام المالي الجاري 2022/2023، ساهمت المتحصلات من الإيرادات الضريبية بنحو 82.7 في المئة من مجملها.

وقد طالب مدحت الزاهد، رئيس حزب "التحالف الشعبي" وعدد من قيادات وأعضاء الأحزاب المعارضة والحركة المدنية الديمقراطية والنقابات بضرورة تأسيس الجبهة الشعبية للدفاع عن قناة السويس، فيما أبدى كثير من المدونين عبر هاشتاغات (#قناة السويس، #لا لخصخصة قناة السويس، #قناة السويس ليست للبيع) تخوفهم من أن يتم استغلال قانون قناة السويس الجديد من أجل الاقتراض بضمان أصول الممر الملاحي، في مقارنة تاريخية بين الرئيس الحالي وبين الخديوي إسماعيل الذي اتسم حكمه بسياسة الاقتراض، ليؤدي ذلك إلى استيلاء الأجانب على أصول مصر واحتلال البلاد في نهاية المطاف.

مقالات ذات صلة

وأخيراً.. يسود مناخ تشاؤمي وسط المصريين وحالة متأججة من الغضب الشعبي، نتيجة الإعلان عن الصندوق الجديد. ولا يستطيع المصريون الذين يبدو أن ثقتهم في حكومتهم الحالية تتراجع وبشدة، أن يتخيلوا مصر دون ملكية القناة وأصولها، في حين تنفي الحكومة برجالاتها مسألة بيع المجرى الملاحي بحكم دوليته، لكنها تلمّح إلى ضرورة الاستثمار في أصول هيئة قناة السويس لكسب مزيد من الأموال. 

______________________

1- للمزيد: موسوعة مصر القديمة، سليم حسن، الجزء الثالث، تاريخ الدولة الوسطى ومدنيتها وعلاقتها بالسودان والأقطار الآسيوية والعربية.
2- عارضت إنجلترا فكرة استقدام عمال لشق القناة من فرنسا وأوروبا في ذلك الوقت، خشية تكوين مستعمرات فرنسية في مصر وبالتالي تهديد مستعمراتها في الهند واحتلال مصر في نهاية الأمر من قبل الفرنسيين، ما أدى إلى رضوخ الوالي سعيد واستخدام العمال المصريين في أعمال القناة.   
3- للمزيد: مراجعة لائحة استخدام العمال الوطنيين في أشغال قناة السويس في كتاب "السُخرة في حفر قناة السويس"، للدكتور عبد العزيز محمد الشناوي.
4- حسب كتاب "قناة السويس ملحمة شعب وحلم أجيال"، الذي أصدرته وزارة التعليم المصرية في العام 2014.    
5- صدر القانون رقم (38) لعام 1967، ونص على إنشاء صندوق للنظافة في المجالس المحلية تودع فیھ حصيلة الرسوم المفروضة على شاغلي العقارات، بھدف الصرف منھا على أعمال النظافة. وكان ھذا القانون أول قانون يصدر بشأن إنشاء صندوق خاص.  
 6- أوعية موازية في الوزارات أو الھیئات العامة تُنشأ بقوانين أو بقرارات جمھوریة؛ لتستقبل حصيلة الخدمات، والدمغات، والغرامات، وغير ذلك من الموارد لتحسين الخدمات التي تقدمھا الھیئات العامة، ولا تدخل ھذه الحصيلة في الخزانة العامة، ولا علاقة للموازنة العامة بھا، وبالتالي لا یناقشھا مجلس النواب، ولكنھا تخضع لرقابة الجھاز المركزي للمحاسبات.
 7- نزار مانيك كاتب مساهم في النشرة الإخبارية Africa Confidential، وجيريمي هودج صحافي ومستشار بحثي، مترجم من العربية إلى الإنجليزية. أجرت المقابلة راشيل حنا مساعدة مدير تحرير Harvard Political Review ونشرت بالعربية في https://carnegieendowment.org/sada/60661
8- تتنوع تقسيمات الصناديق الخاصة وحساباتها. فهناك ما يقارب 5.729 حساب في المصرف المركزي المصري نهاية 2012/2013 و208 حسابا خاصاً لهيئات اقتصادية عبارة عن إيرادات تتضمن عائدات قناة السويس وقطاع البترول للعام المالي 2010/2011، إضافة إلى 201 حساب خاص للأجهزة الإدارية للدولة، و 820 حساباً خاصاً تحتوى على مبالغ مالية تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار، مكونة من عملات مختلفة. 

مقالات من مصر

السيسي وثمن دماء الفلسطينيين

حسام خليفة 2024-02-26

تضاعف الدين المصري، في السنوات الخمس الأولى من عهد "نظام يوليو 2013"، أكثر من خمسة أضعاف بحسب وزير المالية المصري آنذاك، عمرو الجارحي. بينما ارتفع إجمالي الدين الخارجي المصري إلى...

للكاتب نفسه

التعليم في مصر.. السُلطة تدجِّن المواطن

رباب عزام 2023-12-03

انتهجت سياسات السيسي التعليمية مسارين مختلفين: دعّم عسكرة التعليم في أحدهما، وتعزيز شراكات دولية ومحلية في ثانيهما، لتدشين تعليم استثماري موسع مقابل تراجع مجانية وجودة التعليم الحكومي، الجامعي وما قبل...