لا تذهب ''تهريب''!

ابتسامة الطفل الدامع في مقطع مرئي تمّ تداوله بكثافة في الأوساط الصومالية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، دلّ على عمق الألم الذي تتسبب به الهجرة غير الشرعية. وتتلخص قصة المقطع المرئي في حوار بين الطفل مع شخص أكبر عمراً خلف كاميرا الهاتف المحمول، يبدو من خلال السياق أنّه أخوه الأكبر، إذ يقول: "أخي الصغير، سأذهب تهريب"، وهي التسمية الدارجة للهجرة غير الشرعية.
2016-05-12

محمود عبدي

كاتب من الصومال


شارك
محمد بن سلمى - تونس

ابتسامة الطفل الدامع في مقطع مرئي تمّ تداوله بكثافة في الأوساط الصومالية عبر شبكات التواصل الاجتماعي، دلّ على عمق الألم الذي تتسبب به الهجرة غير الشرعية. وتتلخص قصة المقطع المرئي في حوار بين الطفل مع شخص أكبر عمراً خلف كاميرا الهاتف المحمول، يبدو من خلال السياق أنّه أخوه الأكبر، إذ يقول: "أخي الصغير، سأذهب تهريب"، وهي التسمية الدارجة للهجرة غير الشرعية. حتى هذه اللحظة تبدو الأمور عادية، لكن ما كان غير عادي هو ردّة فعل الطفل الذي لم يتجاوز الخامسة، إذ يكسو ملامحه فجأة حزن شديد وخيبة أمل، ثم يبدأ بالتوسل لأخيه الأكبر ألّا يذهب، ويكرر في صوت منكسر "هَـ تَهْريبِنْ!"، يكرر رجاءه كثيراً ليحاول أن يشرح له أن التهريب "مؤلم"، وأن هناك أناسا أشرارا سيفعلون به أشياء مؤلمة، سيجعلونه ينزف من هنا وهنا، وهو يشير إلى منتصف الصدر والرقبة. ويزداد الطفل انخراطاً في حالة الرثاء لأخيه الذي سيقع في تلك المعاناة: سيجعلونك تغرق في الماء، هذا "مؤلم"، ويبدأ بالبكاء ويتوسّله ألّا يفعل لأن ذلك سيجلب "الألم"، الكثير من الألم. ولم يتوقف الطفل المصدوم عن البكاء والتوسّل، حتى وعده أخوه بأنّه لن يذهب في تلك الرحلة "المؤلمة"، وأنّه سيبقى معه وأنه آن له أن يضحك ويكف عن الحزن والبكاء!

الحادث الصادم

خلال شهر نيسان/ إبريل الماضي، تكرر وقوع مآس في خط الهجرة غير الشرعية الجديد، الذي انتقل من اتخاذ ليبيا وتركيا محطة أخيرة باتجاه أوروبا، إلى سواحل مصر لتصبح هي المحطة البديلة قبل عبور البحر إلى السواحل الإيطالية، ومنها إلى عمق القارة الأوروبية. وقد تكون أولى علامات ازدياد خطورة ذلك الممر الجديد، برزت مع حادثة غرق ستة عشر مهاجراً غير شرعي غالبيتهم من الصوماليين، ومن بينهم ثلاثة أطفال من أسرة واحدة تراوحت أعمارهم بين ثلاث سنوات وثلاثة أشهر، غرقوا مع أمهم، إضافة إلى فتاة في بداية العشرينيات تخرّجت حديثًا من الجامعة. أخذت تلك الحادثة منحى آخر عمّا كان معتاداً من "السماع والنظر" عن حالات الغرق، أو الاطلاع على "أكياس الجثث" أو التوابيت المغلفة بالعلم الوطني، الآتية عبر وسائل الإعلام الغربية الملتزمة بمعايير معينة في التغطية. المختلف هذه المرة كان أن حادثة الغرق حدثت في المياه الإقليمية المصرية، وأن الجثث تم العثور عليها على الساحل المصري، وهو ما أدّى إلى أخذها إلى الطب الشرعي والقيام بالإجراءات القانونية المتبعة في تلك الحالة، ومنها عمليات التشريح لمعرفة أسباب الوفاة. تسرّبت صور الأطفال الثلاثة والفتاة الشابة وشاب كان معهم في الرحلة، وقد بدا عليهم آثار الجراحة الممتدة من الترقوة إلى الأسفل، وتغطي وجوهم أثار الدماء، مما ساهم في انطلاق مقولات بتعرّضهم لانتزاع أعضائهم قبل قتلهم والإلقاء بجثثهم في البحر، حملاً على حالات مماثلة نُقلت عن ناجين صوماليين وإريتريين من أيدي سماسرة الهجرة غير الشرعية في ليبيا والسودان، وما يُمارَس على المهاجرين الشرق إفريقيين عامة والراغبين في اللجوء إلى إسرائيل عبر شرق السودان وسيناء، من أسْر، وتعريضهم لأعمال جراحية قاتلة بغرض انتزاع الأعضاء منهم. انتشر الخبر كالنار في الهشيم، وساهم فيه نقل قناة فضائية صومالية له، وعجز المذيع عن إكمال الخبر بعد أن فقد قدرته على تمالك نفسه، وسقوط أوراق النشرة من يده وهو يحاول كبح دموعه.

أربعمئة آخرون

بذلت الجهات الرسمية المصرية والسفارة الصومالية مع جمعية للأطباء الصوماليين في القاهرة، جهوداً كبيرة لتوضيح أنّ الصور تعود لتسريب ـ غير مسؤول ـ حدث، بعد تشريح جثث الضحايا، وأن الجهة المنفِّذة للتشريح عجزت عن تأمين الثلاجات الكافية لحفظ الجثث، مما دفع بتلك الجهة إلى انتزاع أحشائهم منعاً للتحلل السريع للجثث قبل صدور تقرير الطب الشرعي والمباشرة بإجراءات الدفن. ومع استمرار عدم التصديق العام لدى الصوماليين للأنباء الأخيرة تلك، وتصاعد الاتهامات من قبل ناشطين عبر شبكات التواصل الاجتماعي بالعمالة للحكومة المصرية للجهات الصومالية التي سعت لشرح الوضع للعموم، حدثت كارثة أخرى راح ضحيتها هذه المرة أربعمئة شاب وشابة، كانت غالبيتهم من خريجي الجامعات، فقدوا حياتهم غرقاً خلال رحلتهم عبر البحر نحو السواحل الإيطالية.

حلقة مفرغة

رغم الأثر الشديد على مشاعر الكثير من الصوماليين للحدثين الأخيرين، فإنّ النقاشات والجدل المفتوح حول الأمر، لا زال عالقاً في حلقة مفرغة نتيجة لإصرار الشباب على مغادرة البلاد بعد انسداد الآفاق أمامهم، تفاقمها الحواجز أمام أدوار قيادية لهم إن في القطاع الحكومي أو الخاص، أو عدم منحهم الثقة بإمكانية نجاحهم في حال تمّ وضع الإمكانيات المتوفرة بين أيديهم، ناهيك عن انخراط الطبقة السياسية المهيمنة ضمن الكيانات القائمة على كامل الأراضي الصومالية، في ما أصبح معروفاً من الفساد وعدم الكفاءة وغياب الضمير وانعدام الشعور بالمسؤولية، دون خوف من المحاسبة أو بقية من حياء. وأيضاً استمرار المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية في مقاربة تلك المسائل المصيرية بالأساليب النمطية نفسها التي تؤشّر لوجود أطراف منتفعة ومتمسكة بعدم تغيير المقاربات المتبّعة مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي خلّفها ربع قرن من غياب الدولة.

مقالات من الصومال

شهادة من أحمد دومة

2021-12-04

هذه الوقائع وغيرها تقول: مَنْ حاكمَ مَنْ؟ على ماذا؟ كانوا يحاكمون الثورة، وحكموا عليها، وهم القتلة المجرمون.

للكاتب نفسه