حينما طالت قوانين الجباية المحامين في مصر

انتفض المحامون في مصر ضد قرار مصلحة الضرائب بإلزام المنشآت الفردية، سواء كانت تجارية أو صناعية أو خدمية أو مهنية – مثل الأطباء، المهندسين، الفنانين، المحامين، المحاسبين القانونيين، وجميع أصحاب المهن الحرة - بالتسجيل في منظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية، في موعد أقصاه منتصف الشهر الجاري، وقد لوحت السلطات بعقوبات في حال عدم الالتزام بالتعليمات.
2022-12-11

رباب عزام

صحافية من مصر


شارك
احتجاجات المحامين المصريين

"الإضراب مشروع ضد الفقر وضد الجوع، قانون جباية باطل".. خرجت تلك الهتافات من حناجر غاضبة، لم تكن تتصور أن الإجراءات الضريبية المعقدة التي تسود مصر الآن سوف تمس أصحابها وهم أرباب الحجج القانونية وأكثر المواطنين دراية بكيفية الخروج من الأزمات. لكن هذه المرة لم يتمكنوا من ذلك، ولم يكن أمامهم سوى التصعيد والخروج إلى الشارع في ظل منع تام من السلطة المصرية لأي أصوات احتجاجية في السنوات الثماني الماضية. ففي الأول من كانون الأول/ديسمبر الجاري توافد آلاف من المحامين المصريين الغاضبين على مقار النقابات الفرعية في عدد من محافظات مصر، ليعلنوا رفضهم الكامل الانضمام إلى منظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية، مما شجّع زملاءهم من نقابة القاهرة الرئيسية على التحرك أيضاً.

انتفض المحامون في مصر ضد قرار مصلحة الضرائب بإلزام المنشآت الفردية سواء كانت تجارية، أو صناعية، أو خدمية، أو مهنية مثل: الأطباء، لمهندسين، والفنانين، المحامين، المحاسبين القانونيين، وجميع أصحاب المهن الحرة، بالتسجيل في منظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية، في موعد أقصاه منتصف الشهر الجاري. وقد لوحت السلطات بعقوبات في حال عدم الالتزام بالتعليمات، تصل إلى امتناع الجهات الحكومية عن التعامل مع غير المنضمين للمنظومة الجديدة وعرقلة كل الإجراءات الخاصة باستخراج أوراق تخص الدعاوى القضائية التي يعملون عليها، بدءاً من نيسان/أبريل من العام المقبل. كما قد تفرض عقوبات أخرى مالية تتمثل في إلزام المخالفين بغرامات تتراوح ما بين 20 و100 ألف جنيه مصري، أو قد تصل العقوبة إلى الحبس لمدد تتراوح من 3 إلى 15 عاماً بتهمة التهرب الضريبي.

ماذا تعني الفاتورة الإلكترونية؟

صدر القرار الوزاري رقم (188) لسنة 2020 بإلزام المجتمع الضريبي بمنظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية في إطار "رؤية مصر 2030" للتحول الرقمي، التي تمثل الفاتورة الإلكترونية أهم أعمدتها الرئيسة. والفاتورة الإلكترونية هي نظام مركزي يُمكِّن مصلحة الضرائب المصرية من متابعة جميع التعاملات التجارية بين الشركات/ الأفراد ببعضها البعض، من خلال تبادل بيانات كافة الفواتير لحظياً بصيغة رقمية دون الاعتماد على المعاملات الورقية. وقد انضمت شركة "تكنولوجيا تشغيل الحلول الضريبية" في العام الجاري (بناء على قرار وزير المالية رقم 337 لسنة 2022)، كشريك ومقدّم خدمة لمنظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية.

ويبدو للناظر أن الفكرة كلها تتمحور حول تطوير المصالح والمعاملات الحكومية والتجارية ودفع مصر إلى عالم جديد من الرقمنة الكاملة. لكن قراءة ما بين السطور تظهر أن القضاء على السوق الموازي والاقتصاد غير الرسمي، وتحديد حجمه الفعلي ودفعه إلى الدخول في الاقتصاد الرسمي هو فعلياً أكبر أهداف تلك المنظومة التي يبدو أنها ستثقل كاهل المصريين من جديد بمزيد من الضرائب. ضرائب قد تتمكن السلطات من خلالها من جمع أكبر قدر من الأموال، في محاولة لتفادي مزيد من العثرات في النظام المالي الرسمي.

وقد أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي في العام 2019، دعوة إلى كافة المواطنين للدخول في الاقتصاد الرسمي، ومنح أجهزة الدولة الحق في استصدار كافة القوانين التي تبيح لها دمج تلك الاقتصاديات الموازية/ غير الرسمية في السجلات الرسمية، خاصة وأن الاقتصاد غير الرسمي حسب دراسة رسمية نشرت في العام 2018، بلغ ما يوازي 60 في المئة من حجم الناتج في الاقتصاد المصري ككل، ويساهم في الناتج المحلي الإجمالي، حسب تقديرات حكومية بما يعادل نحو 40 في المئة (نحو 2.6 تريليون جنيه) من ناتج الاقتصاد الرسمي البالغ 6.4 تريليونات جنيه لعام 2020/2021، كما يستوعب هذا القطاع نحو 50 في المئة من قوة العمل البالغة نحو 29.3 مليون فرد، ويبلغ عدد وحداته الصغيرة والمتوسطة أكثر من أربعة أمثال عددها في الاقتصاد الرسمي.

رفض القانون

شمل القانون العديد من الفئات وأصحاب المهن الحرة كالأطباء بكافة تخصصاتهم والمهندسين والمحاسبين والفنانين، إلا أن المحامين فقط هم من أبدوا احتجاجهم على هذا الوضع. ففي الوقت التي انطلقت فيه الوقفات الاحتجاجية لتعبر عن رفض الفاتورة الإلكترونية من قبل غالبية الجمعية العمومية لمحامين مصر مما قد يعرضهم لمضايقات أمنية، إلا أنهم لم يتراجعوا ودشنوا حملات إلكترونية تحت وسوم (#المحاماة ليست سلعة، #المحاماة رسالة، #عاش نضال المحامين، #أنا مش تاجر، #أرفض الفاتورة الإلكترونية، #لا لقوانين الجباية)، لتنطلق الدعوات المنادية بضرورة المشاركة في التظاهرات أمام النقابات الفرعية وأمام المحاكم في المحافظات، إضافة إلى الانضمام إلى الوقفات الكبرى التي تدشن أمام نقابة المحامين الرئيسية في قلب العاصمة القاهرة.

القضاء على السوق الموازي والاقتصاد غير الرسمي، وتحديد حجمه الفعلي ودفعه إلى الدخول في الاقتصاد الرسمي هو فعلياً أكبر أهداف تلك المنظومة التي يبدو أنها ستثقل كاهل المصريين من جديد بمزيد من الضرائب. ضرائب قد تتمكن السلطات من خلالها من جمع أكبر قدر من الأموال، في محاولة لتفادي مزيد من العثرات في النظام المالي الرسمي.

بلغ حجم الاقتصاد غير الرسمي ما يوازي 60 في المئة من حجم الناتج في الاقتصاد المصري ككل، ويساهم في الناتج المحلي الإجمالي، حسب تقديرات حكومية بما يعادل نحو 40 في المئة (نحو 2.6 تريليون جنيه) من ناتج الاقتصاد الرسمي البالغ 6.4 تريليونات جنيه لعام 2020/2021، كما يستوعب هذا القطاع نحو 50 في المئة من قوة العمل البالغة نحو 29.3 مليون فرد. 

وبالفعل استجاب آلاف من المحامين لتلك الدعوات في مناطق مختلفة خلال الأيام الماضية، وكسبوا مساحات واسعة من التضامن الشعبي، رغم اتهام جهات لهم بإثارة البلبلة في الشارع المصري فقط من أجل "مطالب فئوية". لكن المحامي الحقوقي والمرشح السابق لرئاسة مصر، خالد علي قال إن تفاقم الأعباء الضريبية والمالية على المحامين دون مراعاة للآثار الكارثية لهذا القرار على مستقبل أبناء المهنة، وكفالة الحق في التقاضي خاصة لمحدودي الدخل، يحوّل العدالة لسلعة بدلاً من كونها خدمة، في إشارة إلى أن القرارات الجديدة لن تؤثر فقط على المحامين، ولكن أيضاً على المواطنين، إذ أنّ فرض مزيد من الضرائب على المحامي يعني ارتفاع أتعاب القضايا. وهو ما اتفق معه فيه المحامي الحقوقي رمضان محمد، الذي يرى أن أغلب المحامين المصريين، خاصة من جيل الشباب، يعانون من الفقر، ويتقاضون أتعاباً منخفضة مقابل القضايا التي يتولونها، حتى إن أغلبهم لا يملك أجرة مكتب خاص وإن كانت زهيدة. وفي مقابل هذا لا تجد الحكومة سوى إثقال كاهلهم بمزيد من الضرائب، ما يؤدي في النهاية إلى اضطرار المحامي إلى تحميل كلفتها للمواطن البسيط.

وألمح رمضان إلى موقف نقيب المحامين المصري المتخاذل منذ بداية الأزمة، فهو حسب وصفه "يراه غير مناسب ولا يمثلهم في إدارة المعركة فعلياً حتى اللحظة". وقد حاول عبد الحليم علام - نقيب المحامين المصريين ورئيس اتحاد المحامين العرب والمقرب من دوائر السلطة - امتصاص غضب أبناء المهنة، حينما اتفق مع وزارة المالية ومصلحة الضرائب على تشكيل لجنة مشتركة، لدراسة الأزمة. لكن بيانه زاد من غضب المحامين، واعتبروه إشارة إلى فشل مفاوضات وقف تنفيذ القرار بشكل نهائي، على الرغم من موافقة السلطات على إلغاء موعد منتصف الشهر الجاري كموعد نهائي للتسجيل في المنظومة، ومنح المحامين مهلة. في حين يرى أحمد قناوي - محام ومرشح سابق لمنصب نقيب المحامين - أن محاولات النقيب الحالي مع الحكومة توضّح أنها ربما ستتراجع قليلاً مع استمرار ضغط المحامين واحتجاجهم.

بحسب المحامي خالد علي فتفاقم الأعباء الضريبية والمالية على المحامين دون مراعاة للآثار الكارثية لهذا القرار على مستقبل أبناء المهنة، وكفالة الحق في التقاضي خاصة لمحدودي الدخل، يُحوّل العدالة لسلعة بدلاً من كونها خدمة، فالقرارات الجديدة لن تؤثر فقط على المحامين، ولكن أيضاً على المواطنين، إذ أنّ فرض مزيد من الضرائب على المحامي يعني ارتفاع أتعاب القضايا.

ومع الغضب المتصاعد من تصريحات النقيب وموقف الدولة، لم يجد المحامون سوى الاستمرار في حركاتهم الاحتجاجية، ليعودوا للتظاهر أمام نقابة القاهرة وقد انضم إليهم ممثلون عن المحافظات، واحتلوا الرصيف المقابل للنقابة بالكامل. وبدا المشهد لأول مرة منذ عمومية الصحافيين في 5 أيار/مايو من العام 2016، وكأن المصريين يحتلون جزءاً من فضاء الشارع الذي طالما شهد تظاهرات واحتجاجات مماثلة. وقد قررت الجمعية العمومية لمحاميي مصر التي انعقدت على هامش تظاهرة موسعة يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، التوجه إلى التصعيد وتنويع أشكال الاحتجاج لتشمل الاعتصام وصولاً إلى الإضراب العام في حال عدم استجابة الحكومة - ضمن المهلة التي قررتها الجمعية العمومية والتي تمتد 72 ساعة - لتنفيذ مطلب المحامين بإعفائهم بقرار رسمي من الانضمام إلى منظومة الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني، وأيضاً الامتناع التام عن التعامل مع خزائن المحاكم وعدم سداد الرسوم على مستوى كافة محاكم مصر في يومي 5 و6 من كانون الأول/ ديسمبر الجاري، ثم الدعوة لوقفة احتجاجية أخرى يومي 8 و12 منه واتخاذ إجراءات تصعيدية مفتوحة في حال لم تستجب الجهات المعنية.

لِمَ الرفض؟

يشير الحقوقي رمضان محمد إلى أن المحامين خاضوا من قبل معركة مشابهة مع محاولة فرض ضريبة "القيمة المضافة" (1)، ولمّا لم تستطع السلطات تطبيقها بشكل كامل، خرجت باتفاق جديد مع نقيب المحامين السابق، حيث دُشِّن بروتوكول تعاون يُجدَّد كل 3 سنوات، ويقضي بأن يسدد المحامون ضريبة القيمة المضافة على أوراق الدعوى في المحكمة، أي سداد الضريبة من المنبع، لكن دون أن يدخل المحامون في التسجيل داخل المنظومة نفسها. وعلى الرغم من هذا، تصادمت الحكومة ثانية وخرجت بمسألة الفاتورة والإيصال الإلكترونيين! وحسب وصفه فإن المنظومة الجديدة في أساسها تخاطب فئات التجار، وهو ما لا ينطبق على مهنة المحاماة التي في النهاية هي عبارة عن مهنة خدمية. ويشرح: "يقع السواد الأعظم من المحامين في ظروف اقتصادية شديدة الصعوبة، ويتطلب التسجيل وحده ما يزيد عن مبلغ 20 ألف جنيه، أي أن السلطة تعمل على زيادة الأعباء الضريبية المقررة على المحامين في حين أنهم الفئة الوحيدة التي لا تكلِّف الدولة شيئاً نتيجة عدم ارتباطهم بخدمات الدولة وعدم إدراجهم داخل منظومة المعاشات والتأمينات الحكومية، وإنما تَحل نقابتهم محل الدولة في توفير تأمين صحي أو اجتماعي لهم مقابل رسوم سنوية. وعلى الرغم من ذلك، يدفع المحامون ضرائب على كل مستند يقومون باستخراجه وعلى كل خطوة من خطوات التقاضي داخل المحاكم والنيابات، وأيضاً ضريبة على الدخل". ورمضان ومعه عدد من المحامين الحقوقيين هم من الذين نذروا أنفسهم للدفاع عن الفقراء ومعتقلي الرأي دون مقابل، ما قد يوقعهم في تعقيدات قانونية بسبب المنظومة الجديدة قد تصل إلى السجن بتهمة التهرب الضريبي.

في حين قال ياسر سعد، المحامي العمالي والمرشح السابق لمقعد مجلس نقابة المحامين، إن قرار ضم المحامين إلى منظومة الفاتورة الإلكترونية مخالف للدستور والقانون، الذي ينص في مادته (198) على أن: "المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وسيادة القانون، وكفالة حق الدفاع، ويمارسها المحامي مستقلاَ.."، أي أن المحاماة ليست عملاً تجارياً وإنما هي جهد ذهني أقره الدستور والقانون لتحقيق العدالة كشريك مع السلطة القضائية. وقد أقرت وزارة المالية ذاتها بذلك حينما أصدرت قرارها رقم 531 لسنة 2005 وحددت المهن غير التجارية في حكم تطبيق المادة (70) من قانون الضريبة على الدخل الصادر بالقانون رقم 91 لسنة 2005، ومنها مهنة المحاماة. وبناءً عليه، فلا يجوز تطبيق نظام الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني على المحامي، لأنه يقوم بدفع ضريبة القيمة المضافة أثناء رفع الدعوى، وبذلك يكون هناك ازدواج ضريبي. وما يحدث ليس سوى محاولة لخصخصة العدالة".

وقد تساءلت مجموعات من المحامين المحتجين عن مقدار صحة الهدف المعلن من منظومة الفاتورة الإلكترونية، أي ضبط حركة الأموال داخل الدولة. وأنه لو كان كذلك، فلماذا تتم استثناءات لبعض الجهات؟ وقد تساءلت مجموعات من المحامين المحتجين أن لو كان الهدف من منظومة الفاتورة الإلكترونية هو ضبط حركة الأموال داخل الدولة فلماذا تتم استثناءات لبعض الجهات؟ فحسب منشور متداول يوجّه فيه مسؤول بوزارة المالية مسؤولاً آخر إلى ضرورة استثناء كل من جهاز المخابرات العامة والوحدات التابعة له، وصندوق تحسين خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية لأعضاء الشرطة وأسرهم، وشركة تحسين للتنمية التابعة لوزارة الداخلية، ومنظومة أمان التعاونية الاستهلاكية التابعة لوزارة الداخلية، من التسجيل في الفاتورة الإلكترونية، إعمالاً لحكم الفقرة الثانية من المادة الأولى من قرار رئيس الوزراء رقم (1602) لسنة 2021. وهو الأمر الذي أثار غضب المحامين ومعهم مجموعات أخرى حقوقية ومدنية، حيث رأوا في ذلك استمراراً في زيادة الفجوة بين الطبقات وخلق دولة داخل دولة، حسب وصف تلك المجموعات.

ردود الأفعال

أصدرت نقابة المحامين بياناً نص على توصّل النقيب إلى اتفاقات مؤقتة مع وزارة المالية تتمثل في عدم مطالبة المحامين بالتسجيل بنظام الفاتورة الإلكترونية، واعتبار يوم الخميس 15 كانون الأول/ ديسمبر المقبل موعداً لاغياً غير معمول به. فيما انضمت بعض النقابات الأخرى للاحتجاج، حيث رفضت النقابة العامة لأطباء أسنان مصر في بيان لها التسجيل الإجباري لأعضائها في المنظومة، مشيرة إلى رفع دعوى قضائية من قبل النقابة بخصوص الوقف الفوري لتسجيل أطباء الأسنان في الفاتورة الإلكترونية في عيادات الأسنان، ودعوى أخرى بخصوص وقف قرار تحصيل ضريبة القيمة المضافة على خدمات النقابة المقدمة للأطباء. أما نقابة الصيادلة فقد أرسلت خطاباً لوزير المالية للمطالبة بإعفاء الصيدليات من منظومة الإيصال الإلكتروني، نظراً إلى أن الصيدليات في معظمها منشآت صغيرة يرتكز عملها على الإتجار في سلع مسعرة جبرياً بناء على فواتير شراء مذكور بها مجمل ربح محدد واعتبار كل المشتريات مبيعات، إضافة إلى تنوع الأدوية في الصيدليات ما بين الخاضع وغير الخاضع لضريبة القيمة المضافة، مما يصعب تقديم فاتورة عن كل عملية بيع.

في حين حاول المحامون تقديم مزيد من الخطوات الاحتجاجية، فتقدموا إلى المحكمة بعشرة طعون، اعتراضاً على قرار الوزير واعتبروه مؤثراً على إجراءات التقاضي، وأنه بناءً عليه لن يستطيع المواطن الفقير أن يطالب بحقه في التقاضي، نظراً لارتفاع التكلفة، وهو ما يخالف الدستور. كما تقدّم عدد من نواب البرلمان بطلبات إحاطة بشأن عدم مشروعية قرارات وزير المالية ومصلحة الضرائب بفرض ضريبة القيمة المضافة أو إلزام المحامين بالتسجيل في منظومة الفاتورة الجديدة، مستندين إلى مخالفة تلك القرارات للدستور المصري نفسه.

لو كان الهدف من منظومة الفاتورة الإلكترونية هو ضبط حركة الأموال داخل الدولة، فلماذا يتم استثناء بعض الجهات؟ يوجه منشور رسمي متداوَل الى ضرورة استثناء كل من جهاز المخابرات العامة والوحدات التابعة له، وصندوق تحسين خدمات الرعاية الاجتماعية والصحية لأعضاء الشرطة وأسرهم، و"شركة تحسين" للتنمية التابعة لوزارة الداخلية، ومنظومة "أمان" التعاونية الاستهلاكية التابعة لوزارة الداخلية، من التسجيل في الفاتورة الإلكترونية.

مُنِح الترخيص لشركة "تكنولوجيا تشغيل الحلول الضريبية e-tax" للعمل كمقدم خدمة لمنظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية، وبهذا أصبحت المزود الحصري للخدمات الضريبية في مصر. وتقدم الشركة كل ثلاثة أشهر ما يعادل نسبة 10 في المئة فقط من "قيمة مقابل الخدمة" التي تتولى تحصيلها من الممولين، وعلى هذا تحْصل الشركة وحدها على ما يوازي 90 في المئة من مجمل الأموال! 

من جانبهم، أكد مسؤولون في مصلحة الضرائب المصرية أن المصلحة لن تستثني المحامين أو غيرهم، وأنهم مستمرون في تطبيق المرحلة الثامنة والأخيرة من منظومة الفاتورة الإلكترونية، من خلال تسجيل بيانات كافة الممولين قبل منتصف الشهر الجاري. وحسب البيانات الرسمية، فقد انضم لتلك المنظومة 135 ألف شركة، أُرسلت فعلياً 412 مليون فاتورة على المنظومة منذ تفعيلها في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2020.

المستثمر الشريك

أشار بعض المحامين إلى خطورة تواجد شريك غير حكومي مسؤول عن منظومة الضرائب الإلكترونية المصرية، خاصة وأن أغلبهم ليس على دراية كاملة بالشركة التي أعلنت عن اسمها مصلحة الضرائب المصرية عبر موقعها، والتي تعتبر شريكاً رئيسياً في المنظومة. ووفقاً لما نشر في الجريدة الرسمية في 19 تموز/يوليو من العام 2022، فقد تمّ منح الترخيص لشركة "تكنولوجيا تشغيل الحلول الضريبية e-tax" للعمل كمقدم خدمة لمنظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية، وبهذا أصبحت المزود الحصري للخدمات الضريبية في مصر. وعليه، يجب أن تقدم الشركة كل ثلاثة أشهر ما يعادل نسبة 10 في المئة فقط من قيمة مقابل الخدمة التي تتولى تحصيلها من الممولين، بدل منح الشركة ترخيص تقديم الخدمة، وعلى هذا تحصل الشركة وحدها على ما يوازي 90 في المئة من مجمل الأموال، وهو ما يدعو للتساؤل حول أحقية الشركة فيها.

وتعد الشركة واحدة من شركات مجموعة إي فاينانس القابضة للاستثمارات المالية، إحدى أكبر الشركات المتخصصة في الاستثمارات المالية والرقمية والتي يرأس مجلس إدارتها المهندس إبراهيم سرحان، المعروف بأنه الشريك الرقمي المفضّل للاقتصاد الرقمي المتنامي في مصر والتحول المالي الرقمي. وعلى الرغم من أن البيانات والتصريحات الرسمية، سواء من قبل الحكومة المصرية أو "سرحان" نفسه تشير إلى تلك الشراكة بشكل معلن، إلا أن هناك بعض الأقاويل التي ربما يشار إليها بأنها "مغلوطة" قد انتشرت داخل الأوساط المصرية تؤكد تبعية تلك الشركة إلى جهات استثمارية أجنبية غير معلومة. وربما حاول البعض ربط إعلان سرحان الشراكة الاستراتيجية مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي، بمسألة الشراكة السعودية مع الحكومة المصرية داخل تلك المنظومة الضريبية... ولكن بشكل غير مباشر، عبر شريك مصري.

وحسب المعلن، تسعى تلك المجموعة الاستثمارية إلى تنويع قاعدة المساهمين وجذب الاستثمارات الأجنبية والتي أصبحت نسبة مساهمتها 35 في المئة من هيكل مساهمي المجموعة. وكانت قد أطلقت شركتين تابعتين، وهما: "إي تاكس"- وهي المعنية بالفاتورة الإلكترونية- و"إي هيلث" للمشاركة في دعم توطين التكنولوجيا بمجالات الصحة والمالية، ليصل عدد الشركات التابعة لها إلى نحو 5 شركات في العام 2021.

مع إقرار الدولة بالتزامها بدفع أتعاب محامٍ للدفاع عن المتهم غير القادر على دفع هذه التكاليف وفق القانون، تلجأ لمحاصرة المحامي الحر ضريبياً، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. إلى متى يستطيع المواطن الصمود في مواجهة الأعباء الضريبية المتزايدة؟ وكيف تُدخِل الدولة مستثمرين غير حكوميين في منظومة الضرائب المصرية التي تعد مسألة أمن وطني؟

وفي النهاية.. يتساءل الجميع: كيف، مع إقرار الدولة بالتزامها بدفع أتعاب محام للدفاع عن المتهم غير القادر على دفع هذه التكاليف وفق القانون، أن تلجأ لمحاصرة المحامي الحر ضريبياً، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة؟ وإلى متى يستطيع المواطن الصمود في مواجهة الأعباء الضريبية المتزايدة؟ وكيف تُدخِل الدولة مستثمرين غير حكوميين في منظومة الضرائب المصرية التي تعد مسألة أمن وطني؟ 

______________________

1  - ضريبة غير مباشرة على الاستهلاك، تُفرض على معظم السلع والخدمات التي يتم توريدها في كل مرحلة من مراحل سلسلة التوريد. المستهلك النهائي هو مَن يتحمل تكلفة هذه الضريبة. وتقوم الأعمال والشركات المسجلة في الضريبة باحتسابها وتحصيلها لصالح الحكومة.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

أين يذهب ذهب المصريين؟

رباب عزام 2023-06-22

اتجهت القاهرة إلى استنفار كافة إمكاناتها لاستغلال مناجمها وثرواتها التعدينية. لكن السؤال الملحّ يتعلق بصحة الاتفاقات التي أبرمتها الحكومة قبل تعديل قانون الثروة المعدنية الأخير، خصوصاً أنّ هناك دعاوى قضائية...