جورج جاكسون في شمس فلسطين

يُقام في غزّة معرضٌ فني ثقافي-فنّي يتناول سيرة نضال جورج جاكسون، القائد الميداني ل"الفهود السود" في الستينات، وارتباط نضال هؤلاء بمقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال ارتباطاً شعورياً وشِعرياً وحقيقياً على عدة مستويات. فكيف خِيطَ ذلك الرباط من أقصى الدنيا إلى أقصاها؟ يسردُ القصة الأستاذ الجامعي غريغ توماس الذي ينظّم المعرض في مقابلة خاصة مع "السفير العربي".
2022-08-06

صباح جلّول

كاتبة صحافية وباحثة في الانتربولوجيا البصرية من لبنان


شارك
جورج جاكسون في لوحة للرسام إيفان لوبيز

"جورج جاكسون كان بطلنا القادم من الستينات. هذا ما أردده لطلابي دائماً… ليس فقط هذا، بل أنا على يقين بأن أي سجين يحمل قلماً في السجون الأميركية ويكتب، فلا بدّ أنه يستلهم جورج جاكسون"، يقول غريغ توماس، أستاذ الأدب الأميركي وتاريخ السود في جامعة تافتس الأميركية، عن أحد أهمّ الثوريين المناضلين السود في الولايات المتحدة والقائد الميداني للفهود السود في الستينات.

 يستعيد توماس، من خلال معرض فني ثقافي يقام في غزة، سيرة نضال جاكسون وارتباط هذا النضال بمقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال، ارتباطاً شعورياً وشِعرياً وحقيقياً على عدة مستويات. فكيف خِيطَ ذلك الرباط بين الاثنين من أقصى الدنيا إلى أقصاها؟ وكيف تطابقت لغة النضالَين حتى صارت إحدى قصائد الشاعر الفلسطيني سميح القاسم تُعرف باسم جاكسون؟

لماذا جورج جاكسون؟

بتهمة سرقة محطة بنزين بقيمة 70 دولاراً، حُكم جورج جاكسون عام 1961 "من سنة إلى مؤبد"! بقي في السجن 11 عاماً، أمضى 7 إلى 8 منها في الحبس الانفرادي. كان شاباً عمره 18 عاماً فقط عندما اعتقل، وشاباً عمره 29 فقط عندما مات غيلةً في إطلاق نار في السجن، تتبرأ منه السلطات الأميركية. أثناء عمره القصير ذاك، صار جاكسون أيقونة الفهود السود، المناضلين الثوريين في الولايات المتحدة الأميركية، وقائدهم وملهمهم من وراء القضبان، حيث قرأ وكتب وعرف وتأثر بمقاومة الفلسطينيين ضد الاحتلال والاضطهاد الصهيونيين وبحركات النضال الأممية في كلّ مكان.

في مقابلة خاصة مع "السفير العربي"، يسرد لي غريغ توماس قصته مع جاكسون وفلسطين. يبدأ بإيضاح سياق عمله أستاذاً جامعياً أسود، في بلد لم يكن ليكون ذلك متاحاً فيها لآخرين كثر لمجرد كونهم سوداً، ويعتبر أنه تتلمذ على سير وكتابات مناضلين أكثر مما تعلم من أي أكاديمي في حياته، وكان على رأس هؤلاء جورج جاكسون. "عندما قرأت كتابه الأول وكنت ما زلت طالباً جامعياً، علمتُ على الفور بأنني أريد أن أكتب عنه وعن كتاباته"، يقول توماس. قدّم الكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه للكتاب الذي يجمع رسائل السجن لجورج جاكسون، واصفاً إياه بـ"قصيدة طويلة عن الحبّ والحرب"، والكتاب الذي أعاد اختراع أدب الرسائل من خلال رسائله في السجن.

كان شاباً عمره 18 عاماً عندما اعتقل، وشاباً عمره 29 فقط عندما مات غيلةً في إطلاق نار في السجن، تتبرأ منه السلطات الأميركية. أثناء عمره القصير ذاك، صار جاكسون أيقونة "الفهود السود"، المناضلين الثوريين في الولايات المتحدة الأميركية، وقائدهم وملهمهم من وراء القضبان. قرأ وكتب وعرف وتأثر بمقاومة الفلسطينيين ضد الاحتلال والاضطهاد الصهيونيين وبحركات النضال الأممية في كلّ مكان. 

مجموعة "سان كوينتن 6"، هو الاسم الذي أُطلق على السجناء زملاء جورج جاكسون الذين اتُهموا زوراً بقتله في سجن سان كوينتن. يوضح توماس بأن هذا الأسلوب كان متبعاً غالباً في الولايات المتحدة، إذ تغطي إدارة السجن على جرائمها باتهام سجناء آخرين بها، كامتداد لعدوانهم على السجناء السياسيين والمناضلين. وما يحكيه يعيد إلى الذاكرة الممارسات الصهيونية في سجون الاحتلال. 

"كنت أرغب بدراسة كتاباته ولكنني لم أكن أريد الوقوع في فخّ "الأيقنة". تعرفين، عندما يطبعون لكِ صورة تشي غيفارا على قميص قطني دون أن يعرفه الناس حقاً (...) كان عليّ أن أتحلّى بالتزامٍ جدّي تجاهه"، يقول توماس. من هنا، قابل كثراً ممن عرفهم جاكسون وعرفوه في كاليفورنيا. كان يخشى أن يغادروا هذا العالم من دون أن تُسمع روايتهم، ولكنه استطاع أن يسأل هؤلاء، كهولاً وكبار سن، من الذين كانوا في ستينات القرن الماضي في مقدمة النضال من أجل حقوق السود والتحرر في الولايات المتحدة الأميركية، عمّا شهدوه. ثمّ قابل أيضاً سجناء سابقين، منهم مجموعة "سان كوينتن 6"، وهو الاسم الذي أُطلق على السجناء زملاء جورج جاكسون الذين اتُهموا زوراً بقتله في سجن سان كوينتن. يوضح توماس بأن هذا الأسلوب كان متبعاً غالباً في الولايات المتحدة، إذ تغطي إدارة السجن على جرائمها باتهام سجناء آخرين بها، كامتداد لعدوانهم على السجناء السياسيين والمناضلين - ما يحكيه يعيد إلى الذاكرة الممارسات الصهيونية في سجون الاحتلال.

قصيدة فلسطينية في سجن أميركي

في نهاية المطاف، قادته تلك المقابلات إلى أحد محامي السجناء، الذي شاركه ملف جورج جاكسون وأوراقه - تلك التي شكلت بدايةً لعمل توماس، أوصلت إلى هذه اللحظة التي يتمّ فيها التحضير لمعرض وصل إلى غزة المحاصرة، حول ذلك التقاطع السري والشّعري في عمقه بين نضالات جاكسون والمقاومة الفلسطينية. ففي إحدى تلك الأوراق، كانت لائحة بأسماء كتب، وضعها حراس السجن لعناوين الكتب التي وجودها في زنزانة جاكسون. "عندما اقتحم السجانون زنزانته مسلحين بالرشاشات - حتى بعد موته - صادروا من الزنزانة 99 كتاباً، هي جزء فقط من المكتبة التي جمعها جورج جاكسون في محبسه"، يشرح توماس، مضيفاً أن أمه أرادت أغراضه بعد اغتياله وكانت تطالب بها بصوت عال ولا تساوم، "وكأنها أمّ لأسير فلسطيني"، يقول غريغ توماس. وهناك، في تلك القائمة، كان مذكوراً اسم كتاب "عدوّ الشمس: قصائد مقاوِمة"، الذي يجمع ترجمات لعدة قصائد من فلسطين، في مقدمتها قصيدة سميح القاسم "يا عدو الشمس"، التي انتبه توماس لاحقاً بأنه قد قرأها من قبل بالفعل في جريدة "الفهود السود"، وتحت اسم جاكسون نفسه!

"ربما تطفئ في ليلي شعلة
ربما أحرم من أمي قبلة
ربما يشتم شعبي، وأبي، طفل، وطفلة
ربما تغنم من ناطور أحلامي غفلة
….
ربما ترفع من حولي جداراً وجداراً وجدار
ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلة
يا عدو الشمسِ لكن لن أساوم
وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم"[1]

أثرت قصيدة سميح القاسم بجاكسون، فكتبها على ورقة في زنزانته وجدت طريقها لاحقاً إلى الخارج. ولشدة ما تشبه تلك القصيدة أفكار جورج جاكسون، صوته، ورؤيته وكلماته، اعتقد أقرب المقربين إليه أنه هو بالفعل من كتبها. لقد كانت القصيدة لسانَ المقاوِم، كل مقاوِم، أينما وُجد، وبوجه أيّ مستعمِرٍ أو مضطهِدٍ أو عنصري. "عندما اكتشفت ذلك، استطعتُ أن أرى كيف أن كلمات شاعر من الجليل يمكن أن تُقرأ هنا من قبل السود في أميركا فنقول "نعم! هذه القصيدة مكتوبة لنا!" وهذا ما حصل بالفعل"، يعلّق توماس بذهول متجدد.

قدّم الكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه للكتاب الذي يجمع رسائل السجن لجورج جاكسون، واصفاً إياه بـ"قصيدة طويلة عن الحبّ والحرب"، والكتاب الذي أعاد اختراع أدب الرسائل من خلال رسائله في السجن. 

"عندما اقتحم السجانون زنزانته مسلحين بالرشاشات - حتى بعد موته - صادروا من الزنزانة 99 كتاباً، هي جزء فقط من المكتبة التي جمعها جورج جاكسون في محبسه"، يشرح توماس، مضيفاً أن أمه أرادت أغراضه بعد اغتياله وكانت تطالب بها بصوت عال ولا تساوم، "وكأنها أمّ لأسير فلسطيني". 

حدث ذلك في العام نفسه الذي زار فيه فلسطين مع وفد من الأكاديميين الأميركيين المتضامنين مع فلسطين، عام 2014. "ما إن عدنا من رحلتنا التي أعتبر أنها أثرت في وجداني إلى أبعد حدّ حتى بدأ العدوان على غزة، فصعقنا لهول ما رأينا". يقول: "كنت أثناء تلك الزيارة أخبر كل من ألتقي عن الرابط الذي يجمع جورج جاكسون بفلسطين، وكان كل من أخبرهم يتفاعل بحماس مع الموضوع، إلى أن قال لي صديق فلسطيني: عليكَ أن تنظم معرضاً هنا عن هذا الموضوع".

قصيدة سميح القاسم كما وردت باسم جورج جاكسون في جريدة الفهود السود عام 1971

المعرض

بدأ الباحث والأستاذ الجامعي مذّاك ببلورة فكرة المعرض بالفعل، وعاد في عام 2015 إلى رام الله مفتتحاً المعرض للمرة الأولى في 20 تشرين الأول / أكتوبر من ذلك العام في مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في بلدة أبو ديس. وعلّق توماس بشكل خاص على فكرة وجود مراكز للأسرى والسجناء السياسيين، "لا يمكنني أن أتخيل وجود مؤسسات كهذه في الغرب، مع أننا بأمس الحاجة لها لوجود سجناء سياسيين مضطهدين".

احتوى المعرض صفحات الغلاف لأعداد من جريدة "الفهود السود"، ملصقات فنية ثورية من الستينات، أغلفة كتب جورج جاكسون بنسخاتها وترجماتها المتعددة، تصاميم غرافيكية لإيموري دوغلاس [2] (الفنان الأهم في حزب الفهود السود الذي اشتغل على الهوية البصرية لفنون الاحتجاج)، ملصقات من منظمة تضامن شعوب آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية (OSPAAAL3) [3]، لوحات فنية وتصماميم مهداة من فنانين عالميين إلى جورج جاكسون والحركات المقاومة.

أثرت قصيدة سميح القاسم " يا عدو الشمس" بجاكسون، فكتبها على ورقة في زنزانته وجدت طريقها لاحقاً إلى الخارج. ولشدة ما تشبه تلك القصيدة أفكار جورج جاكسون، صوته، ورؤيته وكلماته، اعتقد أقرب المقربين إليه أنه هو بالفعل من كتبها. لقد كانت القصيدة لسانَ المقاوِم، كل مقاوِم، أينما وُجد، وبوجه أيّ مستعمِرٍ أو مضطهِدٍ أو عنصري. 

يذكر توماس انطلاق انتفاضة السكين في الوقت نفسه الذي كان يحضّر فيه للمعرض الأول، وظهور عوائق التنقل وجحيم الحواجز الاسرائيلية والتضييق على كل نشاطات الحياة في ظل الاحتلال. "صرتُ أنتبه لألّا أخضع في نشاطنا الثقافي لهذه التقسيمات الإسرائيلية التي تعزل مناطق فلسطين عن بعضها. كنت أرغب بالوصول إلى الطلاب في الجامعات الفلسطينية كافة"... تأجل الافتتاح يوماً حينها، لكنّ المعرض تناسخ في أنحاء مختلفة من العالم، في فيينا والولايات المتحدة الأميركية ومدن أخرى. وللمفارقة، يتأجّل المعرض الآن للمرة الثانية، إذ كانَ مقرّراً أن يُفتتح في الثامن من آب/ أغسطس 2022 في مقرّ جمعية الشبان المسيحيين، لكن العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في 5 آب/ أغسطس على غزة ويستمرّ حتى تاريخ كتابة هذه السطور حالَ دون ذلك [4].

هذا الوصل الساحر، المهم والصادق بين بشر يناضلون ماكينات توحّش مختلفة في أماكن متباعدة من العالم يعيدنا إلى الفكرة الأساس خلف هذا الجهد. "يغرق العالم اليوم بعودة بائسة إلى القوميات الضيقة، تصل حد العرقية والقبلية والطائفية، وتتقاطع مع النيوليبرالية والنيوكولونيالية لتخرج أسوأ ما في هذا العالم من نظم وأفكار"، يقول غريغ توماس، أما جورج جاكسون، فقادم من زمن ذروة الأفكار الأممية. "نحن نعلم يقيناً أن القوى المضطهِدة تحاول إبقاءنا في فقاعاتنا، كلّ منّا بعيد ومنعزل عن الآخر ليسهل سحقنا، لذلك نفعل عكس ذلك."   

______________________

1- جزء من قصيدة سميح القاسم "يا عدوّ الشمس". 
2- يمكن الاطلاع على مجموعة من ملصقاته وأغلفة الجريدة التي صممها على الرابط: https://www.moma.org/artists/70943  
3-  Organization of Solidarity of the People of Asia, Africa, and Latin America 
4- أجريت مقابلة السفير العربي مع غريغ توماس في 3 آب/ أغسطس 2022، أي قبل العدوان الإسرائيلي على غزّة، وبالتالي فقد عُدلت هذه السطور بعد تأجيل الافتتاح. وقد أقيم معرض "جورج جاكسون في شمس فلسطين" في غزّة بمقر جمعية الشبان المسيحيين في 16 و17 آب / أغسطس 2022، بعد أن تأجلت برمجته الأساسية في 8 و9 أب / أغسطس إثر العدوان الإسرائيلي على القطاع في الفترة بين 5 و7 آب، الذي أدى في غضون 3 أيام فقط، وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، الى سقوط 48 شهيداً، بينهم 17 طفلاً..

مقالات من فلسطين

"مبني للمعزول" في غزة: لا جماليّ خارج حريتي

ما هي، كمجتمع، الصفات التي يمكننا تحديدها في الوقت الحاضر وتاريخياً والاعتراف بها والاحتفال بها والمحافظة عليها في مواجهة المعاناة والحرمان والاعتداء المستمر؟ الأجواء تراجيدية لأن الأعمال ثاقبة وصلبة أمامنا...

آثار غزة: الخراب ككتاب تاريخٍ صامت

كل ما هو غير مرتبط بنشاط الجماعة الإسلامية وأهدافها وفكرها ورموزها، التي بدأ تأثيرها بالظهور في غزة سبعينيات القرن الماضي، هو بالضرورة ليس مكوِّناً من مكونات الهوية المتخَيلة عن المجتمع...

للكاتب نفسه