"وردة" لبنان: النضالات العمّالية إلهاماً لحراك 17 تشرين

يصور وثائقيّ "وردة للعمال" الرّعب الذي واجهته بتماسك وردة بطرس ابراهيم، ابنة الـ26 ربيعاً والعاملة في شركة "الريجي" للتبغ والنقابية. تتجمّد حدقة عيني الصبية الممدة على الإسفلت، تشاهد اقتراب النهاية. أغمضت جفنيها أمام الموت الذي بدا أقرب لها من رمشة عين، فالمسافة بين جسمها وبين الشاحنة التي تتقدم نحوها ستختفي بعد لحظات. استشهدت وردة، ورحل معها المناضل نجم حبيقة وجُرح العشرات.
2022-08-04

جودي الأسمر

كاتبة صحافية وباحثة من لبنان


شارك
ملصق الفيلم الوثائقي "وردة للعمال"، الذي أعدّته “المفكرة القانونية” وأخرجته ديمة أبو رجيلي

يجب ألاّ يسمع لبنانيّون تاريخ 22 أيلول/سبتمبر 1946 بدون أن يرنّ في الذاكرة. إنّه يوم صدور قانون العمل في لبنان. لم يتحقّق ذلك من غير غليان عمّالي لفّ البلاد لثلاثة أشهر جرّاء استشهاد العاملة الشابة في شركة الريجي "وردة بطرس ابراهيم" تحت دبّابة قوى الأمن، بعد سيل من الاحتجاجات والإضرابات خاضتها مع رفاقها، فكان لهم الفضل في نمو الحركة العمالية في لبنان التي أنشأت نقابات العمال، وعدّلت فيما بعد قانون العمل، وصححت الأجور، وانتزعت شيئاً من مقومات الكرامة والإنسانية من نظم "عبودية" العمال.

وثائقيّ "وردة للعمال" الذي أعدّته "المفكرة القانونية" هو في عنوانه كناية حقيقية ومجازية عن نضالات "وردة" ابنة الـ26 ربيعاً، يستعرض كافّة مراحل السردية النضالية العماليّة اللاحقة، ويربطها بسياق المعاناة الشعبيّة الّتي انفجرت في احتجاجات 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019.

فائدة بالغة ممتزجة بالمتعة يمنحها الاستغراقُ على مدى ساعة في الوثائقيّ (1). يزاوج الفيلم بين إبداع غرافيكي متحرك (2)، ومقابلات مع خبراء وعمّال مناضلين، ومحتوى غزير مستعاد من التلفزيونات والصحف (3).

حسب تعريفه، "يروي "وردة للعمال" الماضي لأجل غدٍ أكثر عدلاً، وتتواصل رواية الفيلم مع الحاضر في كونه "قصة لبنان الذي تقطعت فيه حبال شبكة الحماية الاجتماعية وهوت بالناس إلى القعر، وغاب اتحاده العمّاليّ عن مطالب ثورته في 17 تشرين/أكتوبر العام 2019، وأضُعف قضاؤه كي يتم القضاء على أقل حقوق العامل لصالح صاحب العمل".

في الوثائقي نبذة خلاقة وعلمية في آن تساعد على حماية الماضي النضالي من المحو والنسيان، لكنه كذلك مساحة لاستشراف المناضلـ/ة من واقع أمس حلم الغد، والاشتغال على ملامح الحلم من داخل "حواضر" الأزمة، وتحصين هذا الحلم ضد عوائق لم تكن ذات يوم، ولا في أي يوم، عصيّة على المناضلين. 

يعود الوثائقي إلى أكثر من سبعة عقود للوراء، حين وضع عمّال لبنانيون حجرات زاوية في بنيان حقوقهم، وساروا بطموحهم للأمام خلال محطات حافلة بالتحديات حتى القتل. يغطّي مرحلة الاستقلال، والحرب الأهلية، ومرحلة ما بعد الطائف، ويبدأ ويختم بمشاهد من "احتجاجات 17 تشرين"، خالصاً لاقتراحات في سبيل تدعيم معركة العمال الراهنة، ومن عيناتها الملحّة مواجهة الصرف التعسفي الذي تعرض له نحو 4000 عامل لبناني في عام 2018، وقد ارتفع الرقم بشكل مهول بحلول العام 2019 ليصل إلى 160 ألف عامل طالهم الصرف التعسفي. وتفاقمت الظاهرة مع الأزمة الاقتصادية وانهيار الليرة، واضعة أكثر من ثلث القوى العاملة في مواجهة رعب الانحدار لخط الفقر وما بعد هذا الخط.

لقد اعتمد الوثائقيّ ترتيباً كرونولوجيّاً، ولكن نستخلص على اختلاف الأزمنة مكوّنات وآليات نجاح مشتركة، وفي مقابلها مكوّنات وآليات مضادة في القتل والقمع وممارسة العنف والاعتقال والتلاعب بالقانون تعتمدها السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية، محفّزة بـ/ ومستفيدة من المنظومة المالية المتنفذة. ومن المفيد أن يتعرف على هذه السردية لبنانيّون ومنهم خصوصاً الشباب الذين لم يشهدوا تلك المراحل، ليبنوا على النضال مقتضاه اللاحق.

انتصارات من "الريجي" إلى سبينس...

يحكي الوثائقي أنّ وزير الداخلية آنذاك، صائب سلام، أطلق في عام 1946 إجراء منحه هذا العنوان بقصد الترهيب: "عاصفة الحزم والعزم". قرر الوزير قمع احتجاجات العمّال، واضعاً عمّال شركة التبغ الفرنسية، الريجي، في مواجهة مزدوجة، الأولى مع الدولة اللبنانية، والثانية مع الشركة التي أسسها الانتداب وأعطتها الدّولة اللبنانية الأفضلية الاحتكارية، فسلام كان كما برر خطته، "يحرض على المستهلك اللبنانيّ وحقه بالسجائر"، ولا يهمه إن عاش العمال ظروف عمل غير بشريّة.

يبدأ الفيلم ويختم بمشاهد من "احتجاجات 17 تشرين"، خالصاً لاقتراحات في سبيل تدعيم معركة العمال الراهنة، ومن عيناتها الملحّة مواجهة الصرف التعسفي الذي تعرض له نحو 4000 عامل لبناني في عام 2018، وقد ارتفع الرقم بشكل مهول بحلول العام 2019 ليصل إلى 160 ألف عامل طالهم الصرف التعسفي. وتفاقمت الظاهرة مع الأزمة الاقتصادية وانهيار الليرة، واضعة أكثر من ثلث القوى العاملة في مواجهة رعب الانحدار لخط الفقر وما بعد هذا الخط.

يسرد الفيلم تفاصيل جولة دامية من احتجاجات عمالية تطورت في عام 1972، من نضال عمّال معمل "غندور" من خلال شخصيّة العامل يوسف العطار الّذي سيُقتل على أيدي القوى الأمنية خلال اعتصام فضته بالقوة. وبين الأربعينات وبداية الحرب الأهليّة، سيحقق العمال انتصارات في إصدار قانون الضمان الاجتماعي سنة 1963، وتأسيس المجلس الأعلى للعمال سنة 1967، وتوحيد الاتحادات والنقابات تحت جناح الاتحاد العمالي العام سنة 1970.  

واحدة من العاملات كانت وردة بطرس ابراهيم التي انتسبت سرّاً لنقابة عمال التبغ. وفي مركز الاتحاد العام للنقابات، التقت وردة برئيس الاتحاد مصطفى العريس، ورنت جملته في أذنها "مثلما أخذنا استقلالنا، يجب أن نأخذ حقوقنا!"، فنشطت ضمن اللجنة النقابية التي دعت عمال وعاملات الريجي للمشاركة في إضراب مفتوح، وطالبت بدفع غلاء المعيشة، لكن السلطة سلّطت كيدها وتعسّفاتها ضد النقابيين. وحين تَمسّك النقابيون العمال بقرار الإضراب، استشاط غضب وزير الداخلية وشركة الريجي، فأمر سلام قوى الأمن بفتح المستودعات بالقوة... ما كان من النقابيات إلا أن تمددن على الطريق وصرخن في وجوههم "لن تمرّوا إلا على أجسادنا!". وهذا ما حدث بالفعل بعد 40 دقيقة من العنف الذي سلطته القوى الأمنية على العمال.

يصوّر الوثائقي الرّعب الذي واجهته وردة بتماسك. تتجمّد حدقة عيني الصبية الممدة على الإسفلت، تشاهد اقتراب النهاية. أغمضت جفنيها أمام الموت الذي بدا أقرب لها من رمشة عين، فالمسافة بين جسمها وبين الشاحنة التي تتقدم نحوها ستختفي بعد لحظات. استشهدت وردة، ورحل معها المناضل نجم حبيقة وجُرح العشرات.

حصول المأساة لم يُخفْ العمال، بل لازموا الشوارع لنحو ثلاثة أشهر، إلى أن أقرّ قانون العمل اللبناني تحت الضغط، وذلك بالتزامن مع قضيّة العامل في شركة قاديشا حسن الدرَزي وهي تابعة أيضاً للفرنسيين. لكن عوضاً عن اللجوء إلى المحاكم المختلطة التي تبتّ في قضايا الشركات الأجنبية، رفع الدرَزي دعوى أمام محكمة العمل اللبنانية وفاز بها، وهذا يُسجل انتصاراً ثانياً للعمال.

ويسرد الفيلم التفاصيل لجولة دامية من احتجاجات عمالية تطورت في عام 1972، حيث نتعرف إلى نضال عمّال معمل "غندور" من خلال شخصيّة العامل يوسف العطار الّذي سيقتل على أيدي القوى الأمنية خلال اعتصام فضته بالقوة.

وبين الأربعينات وبداية الحرب الأهليّة، سيحقق العمال انتصارات في إصدار قانون الضمان الاجتماعي سنة 1963، وتأسيس المجلس الأعلى للعمال سنة 1967، وتوحيد الاتحادات والنقابات تحت جناح الاتحاد العمالي العام سنة 1970. كما تعود لنا مشاهد "مسيرة الرغيف" (2 نيسان / أبريل 1974) التي تهادى خلالها مدّ عمالي هائل تجاوز 20 ألف متظاهر، وسينجح الضغط العمالي المتواصل بتعديل المادة 50 (المتعلقة بالصرف الكيفي) في شباط / فبراير 1975، أي قبل اندلاع الحرب الأهلية بشهرين.

وبالمناسبة، يبرز أن الحرب لم تعق النضال العماليّ، بل نسمع ونشاهد من أرشيف تلفزيون لبنان أنّ "طلائع العمال حطمت جدار الحذر الذي أغلق أبواب المناطق على بعضها البعض"، واستطاعت هذه الحركة تصحيح الأجور وسط الغلاء والتضخم.

كما نعيش عبر الوثائقي رحلة شائقة وشاقّة عن نصر حقّقه في الحاضر القريب الرباعي الرائع من عمّال "سبينيس" ميلاد بركات، سمير طوق، إيلي أبي حنا، ومخيبر حبشة. نستقي من هؤلاء النقابيين قوّة التسلح بالوعي القانوني، حيث لجأوا لدعوى قانونية مكنتهم بعد 7 سنوات من المثابرة، أن يغيروا معادلة موازين القوى، وألزموا "سبينس" بالتفاوض، وانتهى قرار المحكمة الذي صدر في عام 2018 بإدانة مايكل رايت المدير التنفيذي لسبينس، وتغريم المؤسسة بـ100 مليون ليرة لبنانية (تساوي في ذلك الوقت أكثر من 66 ألف دولار أميركي).

الهيمنة السورية و"الإعمار" سويّاً ضدّ العمّال

ينتقل الوثائقيّ لجزءٍ حول مرحلة الهيمنة السوريّة الّتي شكّلت لبنان "ما بعد الطائف"، المتزامنة مع "نيوليبرالية" اقتصاديّة متفلتة تماماً فرضتها معادلة "إعادة الإعمار" وأتت برفيق الحريري رئيساً للحكومة.

تعود لنا مشاهد "مسيرة الرغيف" (2 نيسان / أبريل 1974) التي تهادى خلالها مدّ عمالي هائل تجاوز 20 ألف متظاهر، وسينجح الضغط العمالي المتواصل بتعديل المادة 50 (المتعلقة بالصرف الكيفي) في شباط / فبراير 1975، أي قبل اندلاع الحرب الأهلية بشهرين. 

تؤكّد المعلومات والمشاهد المتلاحقة أنّ معسكري السلطة اللبنانية (سوريا وحلفاؤها/ وال"سياديين:) كانا في تمام الانسجام للانقضاض على الحركة العمّاليّة، وهما يمثلان كلّ "المتحوّرات" الحالية للنظام السياسيّ اللبنانيّ، وجميعهم تواطأوا ضدّ العمّال اللّبنانيّين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، والشواهد كثيرة:

-تكريس ليبرالية اقتصادية فجة من خلال مشروع الحريري لإعادة الاعمار، ما عمّق الحاق لبنان بالرأسمالية المتوحشة، واستورد عمالة أجنبية ترضى بالقليل، في مقابل تصدير الكفاءات المحلية والاستفادة من تحويلاتها بالدولار وتغذية النظام المصرفي.

-إعادة توزيع إيرادات الضرائب على حساب تعب العمال، وتخصيص 50 في المئة منها لسد دين الحكومة.

-إعطاء وزير العمل في حكومة الحريري عبد الله الأمين (4)  تراخيص لنقابات يمينية مقرّبة من السّلطة بهدف ضرب سلطة الاتحاد العماليّ العام، فارتفع عدد النقابات من 250 إلى 600 نقابة، والاتحادات العمالية من 32 إلى 62 اتحاداً. وتزامناً، جرى التلاعب بقانون الاتحاد، فأصبحت النقابات تتمثل بشكل متساوٍ في التصويت داخل هيئات الاتحاد العمالي العام، وهذا ما ساوى قيمة أصوات النقابات الوهمية المختلقة من السلطة (وقد يشكلها بضعة أشخاص) مع نقابات عمالية وازنة وحقيقية.

-انتخابات الاتحاد العمالي العام في سنة 1997، حيث انحازت السلطتان السياسية والأمنية لدعم النقابي غنيم الزغبي في وجه تكتل اليسار مع رئيس الاتحاد الياس أبو رزق، فارتكبت السلطات انتهاكات قانونيّة وعنفيّة ضدّ العمال: رخص وزير العمل أسعد حردان (5) لخمس نقابات بدون أخذ موافقة الاتحاد بهدف التصويت للزغبي، وطوقت القوى الأمنية مركز الاتحاد صبيحة الانتخابات وقامت بخلع الأبواب واعتقلت مجموعة من النقابيين المناصرين لأبو رزق.

-نجحت السلطة في شق الاتحاد العمالي العام. نقرأ في "النهار" عنوان الخبر المنشور في 25 نيسان/ابريل 1997: "الانتخابات شقت الاتحاد العمالي بعدما عجزت الحرب عن تقسيمه... اتحاد للمعارضة واتحاد للموالاة: الدولة اعترفت بالزغبي وأبو رزق يلجأ للقضاء".

-إجراء انتقامي مارسته السلطة ضد أبو رزق بعد ترشحه وفوزه مجدداً، فأحالته على تقاعد مبكر من وظيفته في تلفزيون لبنان.

-قرب الاتحاد العمالي العام من الرئيس نبيه برّي الركن الراسخ من الطغمة الحاكمة، وذلك منذ تولّي غسان غصن رئاسته. انحاز الأخير في عام 2012 للهيئات الاقتصادية التي تمثل أصحاب العمل، فأقر ما يُعرف بـ"الاتفاق الرضائي" الذي خفض الحد الأدنى للأجور المطالَب به من 800 ألف إلى 675 ألف ليرة، وتخلى عن تضمين الراتب بدل النقل.

لأجل انتصارات الغد: إنها ممكنة!

في مرحلة "الأزمة" اللبنانية المتراكبة والتي تحمل على ما يقول عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران "اختلال التوازن وغياب اليقين"، وفي بلد مشكوك باستقلالية كينونته، ينزلق المواطنون اليوم إلى الاستسلام لـ"خارجية" الأزمة، وهي غير محسومة، ولا سلطة عليها من المواطنين: وباء كورونا، المعسكر الشرقي-الغربي، الصراع مع إسرائيل، توسع إيران في المنطقة، تأثير الحروب المجاورة، وأخيراً الحرب الروسية - الأوكرانية...

تؤكّد المعلومات والمشاهد المتلاحقة أنّ معسكري السلطة اللبنانية (سوريا وحلفاؤها/ والـ"سياديين") كانا في تمام الانسجام للانقضاض على الحركة العمّاليّة، وهما يمثلان كلّ "المتحوّرات" الحالية للنظام السياسيّ اللبنانيّ، وجميعهم تواطأوا ضدّ العمّال سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، والشواهد كثيرة 

أمّا في منظور "وردة للعمال"، فالأزمة بوصلتها الداخل، وثمة فرصة في داخل الأزمة، ولها مكونات واقعية يمتلكها اللبنانيون. ففيما كرست الأزمة أدبيات "الدولار" و"حكم المصارف" وشعارات طنانة وبدون معنى مثل "تأميم المصارف"... تنكشف في الأزمة فرصة سانحة لتصحيح المسار الاقتصادي ونمط الإنتاج اللبناني الأعوج القائم على القطاع المصرفي، وتهيّء للوعي بأن القطاع المصرفي وحده غير كاف لتشكيل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني.

إنّ فهم مسار الحركة الاحتجاجية العمالية في لبنان يساعد حتماً على فهم الواقع الراهن، ويجب ترشيحها لتكون عموداً فقرياً للحراك الذي تفكك، وروايتها التي يقدمها وثائقي "وردة للعمّال" بهذا الشكل الشامل والمفصل تجهّز دروساً قابلة للاستثمار، وهي مؤهّلة لخروجها أكثر نحو النقاش العام. ففي الحقائق المستعادة، إحياء شيء كبير من الحماس المفقود عند العمّال واللبنانيين عموماً، وفيها "الممكن" الذي يعتقده المواطن اللبناني "مستحيلاً"، وفيها المنعطفات الوطنية من استقلال وحرب أهلية وهيمنة والتي التحمت معها المطالب العمالية، وفيها "الثورة" - الأنثى المتعارف عليها في "حراك 17 تشرين" والتي سبقتنا إلى تجسيدها وردة.

يستوقفنا أنّ الوثائقي الّذي أُطلق "أونلاين" في 14 تموز/يوليو 2022، تزامن مع إصدار مذكّرات الرئيس صائب سلام (6). وهو كان وزيراً للداخلية خلال جريمة معمل الريجي التي أودت بحياة وردة، ورئيساً للحكومة خلال جريمة معمل غندور التي أودت بحياة يوسف العطار. غير أنّنا وعندما نتصفّح السيرة الذاتية، نجد أنّ صائب سلام لم يأتِ إطلاقاً على ذكر هذه الحوادث في مذكراته المبوّبة حسب السنوات والّتي أسهب فيها على مدى 1690 صفحة. هذا الصّمت تأكيد على تخبئة عار ارتكبه هذا الركن الآخر من الإقطاع السياسي التقليدي، ولكنه لم يتمكن من تحويل "العار" إلى "انتصار" أو حتى اختراع أسبابه التخفيفيّة. لذا، وعندما يلجأ البعض إلى محو ذاكرة الاجتماع في لبنان، لا بدّ من اعتماد آليّة واضحة ضدّ هذا المحو.

من منظور "وردة للعمال"، الأزمة بوصلتها الداخل، وثمة فرصة في داخل الأزمة، ومكونات واقعية يمتلكها اللبنانيون. ففيما كرست الأزمة أدبيات "الدولار" و"حكم المصارف" وشعارات طنانة وبدون معنى مثل "تأميم المصارف"... تنكشف في الأزمة ضرورة/ فرصة لتصحيح المسار الاقتصادي ونمط الانتاج اللبناني الأعوج القائم على القطاع المصرفي، وتهيّء للوعي بأن القطاع المصرفي وحده غير كاف لتشكيل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني. 

في وثائقي "وردة للعمال" نبذة خلاّقة وعلمية في آن تساعد على حماية الماضي النضالي من المحو والنسيان، لكنه كذلك مساحة لاستشراف المناضلـ/ة من واقع أمس حلم الغد، والاشتغال على ملامح الحلم من داخل "حواضر" الأزمة، وتحصين هذا الحلم ضد عوائق لم تكن ذات يوم، ولا في أي يوم، عصيّة على المناضلين. 

______________________

1 - الفيلم وليد فكرة وبحث وإعداد كريم نمور ونزار صاغية، وإخراج ديمة بورجيلي.
2 - من شغل فريق "موشن غرافيك"
3 - بفضل جهود المنتجة سينتيا شقير والمنتجة المنفذة نور جروس (Road2Films). 
4 - وهو كان قيادياً في حزب البعث المقرب من النظام السوري 
5 - وهو كان قيادياً في الحزب السوري القومي الاجتماعي المقرب من النظام السوري 
6 - "أحداث وذكريات" الصادر في ثلاثة اجزاء عن دار نوفل بيروت تموز/يوليو 2022 

مقالات من لبنان

للكاتب نفسه