جدل تونسي غير عقيم حول الشعبوية

وصول قيس سعيّد إلى الحكم كان بمثابة تسونامي قلب المشهد السياسي رأساً على عقبّ وأجّج الجدل حول الشعبوية ليجعل منها عبارة غزيرة التداول في حقول الإعلام والسياسة والعلوم الاجتماعية. فبواسطة ترشح قيس سعيّد أصبحت هوية ''النحن'' المتشكلة من شتات المقاومات والغضب ممكنة، وهوية ''الهم''، الخصوم، ممكنة. ذلك هو سرّ هزيمة الوسطية اللزجة والتوافق الذي بدأ ضرورة ظرفية وانتهى مهزلة.
2022-07-19

ماهر حنين

كاتب وباحث من تونس


شارك
قمع مظاهرات كانون الثاني /يناير 2022

ماذا يعني أن نفكّر في الشعبوية اليوم في تونس؟ بداية، إنّ ما نعنيه بـ"اليوم" هو حاضرنا المتحرك منذ ثلاث سنوات مرّت وكأنّها ثلاثة عقود مشحونة أحداثاً وتحولاتٍ وأزماتٍ متلاحقة كما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

جائحة كوفيد أربكت حياة التونسيين أسوة بسائر بلدان العالم، حيث أودت بحياة 25 ألف مواطن وخلقت شعوراً بعجز الدّولة عن الاستجابة للطلب المتزايد عليها. غير أن وصول قيس سعيّد إلى سدّة الحكم كان بمثابة تسونامي قلب المشهد السياسي رأساً على عقبّ وأجّج الجدل حول الشعبوية ليجعل منها عبارة غزيرة التداول في حقول الإعلام والسياسة والعلوم الاجتماعية. وصرنا نلمس في توغل هذه المقولة وتواترها في الخطابات السائدة، سواء منذ 2019 أو غداة منعطف 25 تموز/ يوليو 2021 ("جويلية" باللهجة التونسية، حين أعلن قيس سعيّد تعليق العمل بالدستور وتجميد البرلمان وإعفاء الحكومة)، ما يوحي بتحوّل في منتجات اللغة، وتوليد مفردات الخطاب السياسي، وإعادة ترتيب محاور الصراع وطنياً بعد أن هيمنت بعد الحدث الكبير في 2011 محاور الاستقطاب الهوياتي والتنافر الإسلامي-العلماني وفرضت عناوينها ومعاركها الفعلية والمفتعلة، في الوقت الذي ظلت فيه سرديات المقاومة الاجتماعية تغالب الصعاب وتجمع شتات مفرداتها وتبني معجمها لتغادر تخوم الخطاب المهيمن.

مقالات ذات صلة

وما نعنيه بالتفكير هو محاولة التناول النقدي لهذا الاستخدام دون أحكام مسبقة تفسد البحث وتلغّم حقل الاهتمام المعرفي. فتحويل الشعبوية إلى مشكلة بحث يشترط رفض الاطمئنان إلى تعريفها فقط سلباً باعتبارها مرض الديمقراطية العضال، كما يشترط الحذر ممن يتخذها تعلة لتجنّب النقاش حول ضرورة ومشروعية مساءلة المعنى من "ديمقراطية لا شعب فيها أو لها".

الشعبوية دال متداوَل ومدلول ملتبس

لقد وجب انتظار ظاهرة قيس سعيّد المفاجِأة ليصبح ''مفهوم الشعبوية'' موضوع جدل واسع داخل المشهد السياسي أو في أوساط العلوم الاجتماعية والسياسية، سواء بالتّموقع ضدّها أو معها، أو بالبقاء في حيرة منها ومن أمرنا. وقد غلب على هذا الجدل التصنيف الوظيفي للمفهوم بشحنه في أغلب الأحيان سلباً، بل أصبح وصماً لا يليق بـ "الديمقراطيين الحقيقيين"، وهو ما يضعه خارج مختبر العلوم الاجتماعية، أي كموضوع سجال لا موضوع معرفة.

وقد حّوله الوصم إلى نقطة عمياء في محاولة فهم ما قد يعنيه المدلول لدى أنصار قيس سعيّد ولدى الذين لمسوا في الرّجل إمكانية فتح آفاق جديدة قد تسمح بالخروج من الدائرة المغلقة التي سَجنت فيها الطبقة السياسية البلاد طيلة العقد المنقضي.

وبمعنى آخر، فإنّه لم تقع مراعاة تمثلات الفاعلين والسياقات التي تشكّل ضمنها وعيهم السياسي وكذلك - وهو الأهمّ - وجدانهم وأحاسيسهم قبل 2011 وبعدها. ويعني ذلك أنّ المقاربات الوضعانية في التّطرّق إلى الشعبوية كمرض الديمقراطية العضال لم تعد كافية لإدراك جانب الانفعالات والأهواء، وتصريف المكبوت، وطلب الكرامة والعدالة والاعتراف بالوجود، وفرض الذّات... وهي الجوانب التي تتسلّل منها الشعبويات وتتحوّل الى عرضٍ سياسي.

هيمنت بعد الحدث الكبير في 2011 محاور الاستقطاب الهوياتي والتنافر الإسلامي-العلماني وفرضت عناوينها ومعاركها الفعلية والمفتعلة، في الوقت الذي ظلت فيه سرديات المقاومة الاجتماعية تغالب الصعاب وتجمع شتات مفرداتها وتبني معجمها لتغادر تخوم الخطاب المهيمن.

تناول "حمادي الرديسي" (1)، أخصائي العلوم القانونية والسياسية، المسألة من زاوية الرؤية المحافِظة لقيس سعيّد، والعرْض ''الليبرالي الخيري'' لنبيل القروي، والحنين إلى النظام القديم لعبير موسي وتهجمها على الثورة. فصَنّف الأول في خانة ''الشعبوية المحافظة"، والثاني كمثال لشعبوية سمّاها "ليبرالية اجتماعية" بينما وصف الثالثة بالشعبوية التسلطية. ووجّه الباحث في مجال الإعلام والاتصال، "الصادق الحمامي"، اهتمامه إلى تجربة ''عيش تونسي'' التي جسّدت التطبيق الأقصى لتقنيات التسويق في المجال السياسي، سواء من جهة فهم اتجاهات الطلب أو من جهة تقنيات توفير العرض، حيث تقوم ''عيش تونسي'' في نظره على المسلمة الشعبوية القائلة بأن الناس البسطاء هم مصدر الشرعية ومصدر إلهام التونسيين، ولذلك سعت خطتها إلى الخروج عن الاستقطاب الثنائي المهيكِل للحياة السياسية، وجسّدت بشكل ما التقاطع بين الشعبوية السياسية والمقاربة التسويقية القائمة على تحويل مطالب الناس ورغباتهم إلى برنامج سياسي.(2)

وسواء وافقنا أو لم نوافق على هذا التصنيف، إلا أنه يبقى عنوان طريقة لفهم عمومي وممطّط للشعبويات التونسية يمكن أن يتّسع ليشمل الإسلام السّياسي وحتى البورقيبية التي يمكن اعتبارها من هذا المنظور شعبوية من جهة قطعها مع الوجاهات المدينية ومشائخ الزيتونة المحافظين، لتتوجّه إلى "الشّعب" وتناشده وتحشده.

هذا الاستخدام المفهومي غير الحذر، أي الذي يختصر مسافة العودة إلى جذور المفهوم ويتغاضى عن تطوّر أوجه توظيفاته، إنّما يمهد للخروج من مجال المعرفة السوسيولوجية ويقحمنا مباشرة في حقل الأيديولوجيا والسياسة، فتصبح الشعبوية من حيث دلالاتها ورهاناتها خياراً محموداً حيناً ومنبوذاً حيناً آخر. وتضيق حينها المسافة بين دلالة الشعبوية ودلالة الدّيماغوجيا ويفقد المفهوم وظيفته المنهجية.

وبهكذا مرونة منهجية، يعطِّل استخدام مقولة الشعبوية قيام معرفة بالواقع الاجتماعي وبتحولات أشكال الفعل السياسي المختلفة. فحين يكون الكلّ شعبويّين يفقد تصنيف "الشعبوية" قوته الدلالية ويقترب الخطاب المعرفي من الخطاب السائد، وتغدو الانتقائية سيدة الموقف بين شعبوية ندينها باعتبارها تعبيراً عن انفعالات حزينة لحشود لا عقل لها وشتات من البشر، وشعبوية نحتفي بها باعتبارها تفتح الأفق لديمقراطية راديكالية، وقد نغيّر موقفنا من القائد الشعبوي هو نفسه وفق درجة تقاطعنا السياسي أو الأيديولوجي الظرْفي معه.

 بهذا نكون في أحسن الأحوال إزاء مفارقة تاريخية وعملية لا نملك حلّها فنقبل تيهنا وتخبطنا إزاءها، وإلى أنها مأزق علمي في أسوأ الأحوال. ولأن علم الاجتماع قبل كل شيء محمول على الوضوح، غدت المهمة الإبستيمولوجية العاجلة التي يطرحها بشدة الباحث "فراديريكو تراغوني" في مؤلفه ''الروح الديمقراطية للشعبوية'' (3) هي عرض لتسلسل نسَب هذا المفهوم وترحاله السياسي والجغرافي عبر بيئات متنوعة.

ما نغنمه من مقاربة "تاراغوني" هو أخذ الشعبوية مأخذ الجد وتناولها في سياقات تشكّلها المختلفة في أوروبا والأميركيتين الشمالية والجنوبية.

لم تقع مراعاة تمثلات الفاعلين والسياقات التي تشكّل ضمنها وعيهم السياسي وكذلك - وهو الأهمّ - وجدانهم وأحاسيسهم قبل 2011 وبعدها. ويعني ذلك أنّ المقاربات الوضعانية في التّطرّق إلى الشعبوية كمرض الديمقراطية العضال لم تعد كافية لإدراك جانب الانفعالات والأهواء، وتصريف المكبوت، وطلب الكرامة والعدالة والاعتراف بالوجود، وفرض الذّات... وهي الجوانب التي تتسلّل منها الشعبويات وتتحوّل الى عرَضٍ سياسي.

يعطِّل استخدام مقولة الشعبوية بمرونة منهجية عمومية ومطّاطة، قيام معرفة بالواقع الاجتماعي وبتحولات أشكال الفعل السياسي المختلفة. فحين يكون الكلّ شعبويين، يفقد تصنيف "الشعبوية" قوته الدلالية ويقترب الخطاب المعرفي من الخطاب السائد، وتغدو الانتقائية سيدة الموقف بين شعبوية ندينها باعتبارها تعبيراً عن انفعالات حزينة لحشود لا عقل لها وشتات من البشر، وشعبوية نحتفي بها باعتبارها تفتح الأفق لديمقراطية راديكالية. 

ويملي علينا هذا التنبيه تنزيل الجدل التونسي حول الشعبوية ضمن مسار يربط فهم ما يحدث في ربوعنا بتغير أدوار الفاعلين وبنائهم الذاتي للمعاني وانخراطهم في فعلي النقد والتغيير الاجتماعي. ولا نضع بذلك الاقتصاد العاطفي والأخلاقي قبالة العقل، ولا نعدّ السياسة شأن الخبراء وحدهم ممن يملكون الرّساميل الرمزية والاجتماعية. وهذا ما سنسعى إليه من خلال موقفين متقاطعين من شعبوية سعيّد اليوم وهما تحولات مواقف جزء من الحداثيين الليبراليين من صعوده وأدائه ودعم مجموعات يسارية لمشروعه.

قيس سعيّد شعبوي صديق جديد للحداثيين؟

لقد ظلّ خطاب المرشح ثم الرئيس المنتخَب غائماً حول مقولات الشعب وإدانة الفساد والنخب دون التوصل إلى بلورة رؤية سياسية وعرضها بوضوح للتداول الديمقراطي الحر. وتتالت تصريحاته الإعلامية المحبِطة حول الاستعمار الفرنسي ("حماية" وليس استعمار) وحول عقوبة الإعدام وحول المساواة في الإرث والحقوق الفردية وحول منزلة ''الشريعة الإسلامية'' في وضع قوانين الدّولة المدنية. وهو ما جعله آلياً مثيراً للخوف والتوّجس من الطيف الواسع للنخب الحداثية الفاعلة ومدافعي حقوق الإنسان.

في المقابل لم يكن مطلوباً من قيس سعيّد تقديم شواهد أو إثباتات تُذكر. يكفيه، في نظر الكثيرين، أنّه أعاد إحياء "البلاغة" الثورية، فكانت اللغة من جهة مفرداتها وشكلها وطريقة إلقائها بمثابة قطيعة مع خطاب قديم، وكانت مدخله لرفع الاحتقار الذي عانت منه الهوامش والتي عرض بواسطتها تمثيلهم والتحدث عنهم وباسمهم، وهو ما أكسبه دور القائد الصّاعد من أديم الأرض، فبدا وكأنّه الضّامن لتجذير الديمقراطية عبر المنعرج اللغوي بداية. وصار القول يُنظَر إليه من حيث هو فعل كما يعرّفه الفيلسوف الانجليزي جون أوستن.

ليس القطع المسبَق مع شعبوية سعيّد هو الذي حكم التلقي ''الحداثي" المتيقظ لمشروعه وخطته، بل الوظيفة التاريخية التي صار مرشّحاً لها أو على الأقل التي أعلنها وبدأ في قطع خطواتها الأولى. ونحن هنا لا نجازف بالقول أن تياراً حداثياً مهيكلاً صار مناصراً اليوم لقيس سعيّد، بل نشّخص الرّجة التي أحدثها تحت أقدام جزء من هذا الطيف الحداثي. فأربك ونبّه وفتح للتدبير السياسي نوافذ أخرى.

بديهي أن ترتبك الترسيمة التي كان يفهم من خلالها ''بعض الحداثيين'' علاقتهم بالسياسة والثورة، فرأى بعضهم بداية في قيس سعيّد صورة المحافظ كارل شميث الألماني منظّر النازية، وتوجس آخرون من تشكيله لجبهة محافظة مع الإسلاميين بكل تلويناتهم للتمكن النهائي من الدّولة والإجهاز على مكاسبها العصرية وجيناتها البورقيبية، وعدّه آخرون رجلاً بلا مشروع حكم ولا رؤية للمجتمع والدّولة.

غير أن التوتر التدرجي بين قيس سعيد والإسلاميين وتصعيد خطابه ضدهم وصولاً الى وقف زحفهم على مؤسسات الدولة وقرارات "25 جويلية"2021، بتجميد البرلمان وإعفاء الحكومة وإقرار حالة الاستثناء، سرعان ما حوّله إلى منقذٍ ممكن وحازم من أخطبوط الإسلام السياسي. فشرعيته الانتخابية وأريحيته الشعبية بما في ذلك داخل الفضاء الديني المسجدي المحافظ، تجعله يهزم الإسلام السياسي في مغارسه الأولى ويعزله عن جزء من جمهوره المفترض، فضلاً عن فضحه فساد ولا مسؤولية ولا وطنية بعض رموزه وقياداته.

لم يعد قيس سعيد بعد "25 جويلية" في نظر جزء من الحداثيين قائد الهوامش بل امتدت ظلال صورته لتشمل نخباً علمانية وطبقات وسطى وعليا وتكنوقراط ممن علقوا آمالهم سابقاً على خصومه ويرغبون عاجلاً في وضع حّد لمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الزّاحف.

هذا التحول الكبير مع "حركة 25 جويلية" دفع أستاذ العلوم السياسية "محمد كرو" (4) إلى عدّها عنواناً فعلياً لمرحلة جديدة تعيد للدولة هيبتها وتنهي طموح الإسلاميين في حكم تونس لعقودٍ قادمة. فالرئيس في نظره ليس مُؤولاً أو قارئاً للدستور بل هو فاعل تاريخي نجح في تغيير مجرى الأحداث بمسؤولية. من جهته نبّه عالم الاجتماع والمناضل التقدمي "المنصف بن سليمان" (5) من التسرع في إدانة مشروع سعيّد الحامل لأمل إنقاذ الديمقراطية وحمايتها من خصومها. فسعيّد بتعبيره الصريح يُغلق قوس مسار الانتقال الديمقراطي بعد سطوة نخب مسْقطة عليه، ويعيد فتح المسار الثوري بكل دلالاته.

ليس القطع المسبَق مع شعبوية سعيّد هو الذي حكم مثل هذا التلقي ''الحداثي" المتيقظ لمشروعه وخطته، بل الوظيفة التاريخية التي صار مرشّحاً لها أو على الأقل التي أعلنها وبدأ في قطع خطواتها الأولى. ونحن هنا لا نجازف بالقول أن تياراً حداثياً مهيكلاً صار مناصراً اليوم لقيس سعيّد، بل نشّخص الرّجة التي أحدثها تحت أقدام جزء من هذا الطيف الحداثي. فأربك ونبّه وفتح للتدبير السياسي نوافذ أخرى.

الشباب المحتج وإغراء الشعبوية اليسارية

قد تظهر الشعبوية على عكس منتقديها باعتبارها سمّ الديمقراطية القاتل عند مفترق طرق احتجاج يطالب بالعودة إلى جذور الديمقراطية - المساواة الاجتماعية والمشاركة المباشرة وإدماج فئات مقصية - ردّاً على أزمة سياسية شاملة تمس تنظيم مؤسسات الحكم. فمن ناحيتها، تتحدى الحركات الشعبوية الشرعية الشعبية للنظام القائم، وتطمح إلى تأسيس أو إعادة تأسيس ديمقراطية تتصالح أخيراً مع موضوعها المكوِّن، أي الشعب، بل وتطرح بناء هذا الشعب من خلال إعادة تشكيل ذهنيته ووحدته وتحديد خصومه.

هذا البعد الطموح للشعبوية، الذي يقرنها بالأمل لدي المغيبين، يؤدي إلى تعريف المشروع الشعبوي على أنه ديمقراطية طموحة.

تنزيل الجدل التونسي حول الشعبوية ضمن مسار يربط فهم ما يحدث في ربوعنا بتغير أدوار الفاعلين وبنائهم الذاتي للمعاني وانخراطهم في فعلي النقد والتغيير الاجتماعي. ولا نضع بذلك الاقتصاد العاطفي والأخلاقي قبالة العقل، ولا نعدّ السياسة شأن الخبراء وحدهم ممن يملكون الرّساميل الرمزية والاجتماعية.

لم يكن مطلوباً من قيس سعيّد تقديم إثباتات تُذكر. يكفيه في نظر الكثيرين أنّه أعاد إحياء "البلاغة" الثورية، فكانت اللغة من جهة مفرداتها وشكلها وطريقة إلقائها بمثابة قطيعة مع خطاب قديم، وكانت مدخله لرفع الاحتقار الذي عانت منه الهوامش والتي عرض بواسطتها تمثيلهم والتحدث عنهم وباسمهم، وهو ما أكسبه دور القائد الصّاعد من أديم الأرض. 

من هنا يصحّ الانتباه والتفكير في علاقة "رجع الصدى" الخاصّة التي قامت بين طلب الشباب وعرض قيس سعيد، دون حاجة الى وسائط تقليدية وإمكانات ضخمة. فبواسطة ترشح قيس سعيّد أصبحت هوية ''النحن'' المتشكلة من شتات المقاومات والغضب ممكنة، وهوية ''الهم''، الخصوم، ممكنة. لا ديمقراطية دون صراع ولا عدل إلا إذا تعادلت القوى. ذلك هو سرّ هزيمة الوسطية اللزجة والتوافق الذي بدأ ضرورة ظرفيه وانتهى مهزلة.

كثير من شباب الثورة عاش المرحلة الأخيرة كتحويل لوجهتها ومصادرة لها، بل خيانتها أصلاً من طرف مفكّرين ومثقّفين انخرطوا بمستويات متفاوتة في نظرية "الانتقال الديمقراطي" وفي طابعها الاجرائي، وهو ما حوّل ''الأستاذ'' قيس سعيّد، كما يسميه أنصاره، إلى منقذ مثّل في حدّ ذاته، من خلال استعادته للغة الانتفاضة والحديث عن "الثورة"، إعادة اعتبار لغوية لصباحاتها الأوّلى قبل أن يخيم عليها ليل الشيوخ القاتم.

كلّ هذا كان له أيضاً أثر كبير في نفوس الشباب المقاوِم الذي أعياه عقد التخاذل، أو عشريته، وتهاوي الأخلاقيات السياسية، وخطابات "الغولدن بوي" من التكنوقراط المتداوَلين على المشهد حين يظهرون بسرعة ويعودون خفية لأعمالهم متى غادروا دائرة الحكم أو خسروا سباقاً نحوه.

حرْص الشباب على البحث عن إستراتيجية سياسية جديدة تعطي لليسار دوراً ما، يطرح مسألة الشعبوية اليسارية كفرضية ممكنة لخطاب وممارسة سياسية يسارية أو شعبية تقطع مع الروّح الانهزامية السائدة.

ما يكتبه خليل عباس في ''الديمقراطية الآن'' (6) (وهو مناضل يساري من الجيل الجديد مناصر لقيس سعيّد) مِن أن مشروع التأسيس الجديد يطرح مفهوماً مغايراً للسياسة، يعيد السياسة للمواطنين، ثم ما نقرأه أيضاً بقلم رضا شهاب المكي (المعروف باسم ''رضا لينين'') (7) من تنظير للعودة إلى مفهوم "الكتلة التاريخية" من أجل مشروع وطني جامع للتغيير التاريخي، يتجاوز جدل الهوية واليمين واليسار، ويوحّد أوسع طيف ممكن من الفئات المتضررة والمتنافرة، وهو يقدّم لنا عينتين من هذا الاهتمام اليساري بشعبوية قيس سعيّد والاطمئنان لها، خاصة في أوساط الشباب.

لم يعد قيس سعيد بعد "25 جويلية" في نظر جزء من الحداثيين قائد الهوامش بل امتدت ظلال صورته لتشمل نخباً علمانية وطبقات وسطى وعليا وتكنوقراط ممن علقوا آمالهم سابقاً على خصومه ويرغبون عاجلاً في وضع حّد لمشروع أسلمة الدولة والمجتمع الزّاحف.

لا يقف المكي بعيداً بما يعرضه عما يقترحه "أرنستو لاكلو" (Ernesto Laclau) كنظرية سياسية ما بعد ماركسية للتغيير الاجتماعي حين ينطلق من استخلاص تاريخي يتمثل في عطالة النموذج الثوري الماركسي المرتكز على رؤية اقتصادوية فجة لعلاقات الهيمنة والاستغلال، ومن ثّمّ على فاعل أساسي وذاتٍ سياسية مركزية هي الطبقة العاملة المنظمة، لإحداث التغيير الثوري.

فالتنظيم الاجتماعي لعلاقات الهيمنة والتحكم أفرز اليوم في مرحلة العولمة، بعد نهاية عقود الرخاء الثلاث (1945-1975) تنظيماً اجتماعياً جديداً للعمل وللعلاقات الاجتماعية ولدور الدولة، وأبرز فئات اجتماعية وذوات فردية وجماعية أخرى متضررة ومقصية، تتشكل هوياتها في سياقات أنثروبولوجية واجتماعية ومجالية مختلفة، مما يجعلها أرخبيلاً من جزر صغيرة لا جسور بينها ولا هوية سياسية جامعة لها، وهي أشبه بحشود عالم الاجتماع "أنطونيو نيغري" المختلفة عن الطبقة العاملة الصناعية للقرن التاسع عشر، المنظّمة نقابياً وسياسياً ولا تشبه حتى الفلاحين أو الطلبة كفئات متجانسة توحّدها موضوعياً المصالح نفسها وأدوات الاحتجاج والتدّخل السياسي. إنها حركات وهويات احتجاجية تستعصي على كلّ تصنيف.

بناء السردية المشتركة ومن ثمَ تشكيل كتلة مهيمِنة مضادة بالمعني الغرامشي في مثل هذا الوضع سيكون غير متاح بوسائل العمل الماركسية القديمة. وصار يستوجب (وفق المقترح النظري الجديد لأرنستو لاكلو وشانتال موف Chantal Mouffe الذي نجد أثره ضمنياً عند المكي وعباس) بناء التمفصلات بين مختلف الفئات والذوات الجماعية دون حفظ التوتر الذي يؤسس هوية كل حركة في ذاتها ويجعلها تستمر في الوجود ويُبقي حماستها، وهو ما يعني أخذ كلّ الهويات الاحتجاجية على محمل الجد.

 بهذا تكتسب الحركة الذاتية اقتداراً أشمل وأوسع لتغيير خطوط التصادم وإضفاء معنى أشمل سياسياً، لا-فئوي لأفق التغيير يعلن انقساماً داخلياً جديداً هو محور الصراع مركزياً واجتماعياً وسياسياً.

هذه الاستراتيجية الشعبوية اليسارية قوامها إذاً فعل تمفصل افقي لا يلغي ذاتية كل مقاومة فردية أو جماعية ولا خصوصية كلّ مطلب أو خط تعبئة. فهي استراتيجية تنطلق من تجارب الناس وتأخذ بعين الاعتبار مشاعرهم وانفعالاتهم وتقديرهم لذواتهم.

فتمفصل الحركات الشبابية في السياق التونسي، وكذلك جهود التقارب والتمفصل بين مناضلي حقوق الانسان والحركة المدنية من جهة، والحركات الاجتماعية من جهة أخرى، خاصة عقب انتفاضة شباب الأحياء الشعبية في كانون الثاني/يناير 2022، يطرح سؤالاً جديّاً: هل نحن إزاء جهد عملي وداخل مسار لتحقيق تقارب مقاومات عدة لإحداث دينامية شعبوية تجذّر الديمقراطية؟

وتجذير الديمقراطية يعني الحذر من إغراءات السلطة وانحرافات الحكم الفردي ومخاطر التطبيع مع عنف الدوّلة كمبرر لبسط قوتها ونفوذها وضمان الأمن. فالشعبوية في الحكم، كما تعلّمنا تجارب مقارنة، تختلف عن الشعبوية في المعارضة، وليست دوماً محلّ أمان بل قد تفتح أبواب الجحيم.

قوام الاستراتيجية الشعبوية اليسارية فعل تمفصل أفقي لا يلغي ذاتية كل مقاومة فردية أو جماعية ولا خصوصية كلّ مطلب أو خط تعبئة. فهي استراتيجية تنطلق من تجارب الناس وتأخذ بعين الاعتبار مشاعرهم وانفعالاتهم وتقديرهم لذواتهم.

شعبوية قيس سعيّد لا تمثل الآن حرجاً لحداثيين ينشدون ديمقراطية بلا إسلاميين، وليساريين يبحثون عن تجديد مشروعهم الفكري والسياسي أياً كانت مآلاته. فالمهم هو التفكير في رؤية شروط تجربة ديمقراطية راديكالية ممكنة في وضع يسار تونسي مفكك وتائه لا أمل له في تنظيماته القديمة.

فهل من المفيد أن يطرح اليسار في ظلّ هذه المرحلة شروط واحتمالات التبنيه لاستراتيجية شعبوية يسارية؟ 

______________________

 1-  Hamadi Redissi, Hafedh Chekir, Mahdi Elleuch et Sahbi Khalfaoui, La tentation populiste. Les élections de 2019 en Tunisie, éditions Cérès 2021. Chapitre 1: H. Redissi les populismes en Tunisie : essai de compréhension
2- الصادق الحمامي ديمقراطية مشهدية. الميديا والإتصال والسياسة في تونس دار محمد علي 2022  
3-  Federico Tarragoni, L’esprit démocratique du populisme Une nouvelle analyse sociologique, éditions La Découverte, Paris 2019 
4-  Mohamed Kerrou, la Presse de Tunisie 2 Aout 2021
5-  Moncef Ben Slimen Kais Saied envoie La transition démocratique au placard Leaders 29 /10 / 2019 et Piratage d’une révolution et Hameçonnage d’un président le 11 / 1/ 2021
وأنظر أيضا ندوة نظمتها جمعية نشاز حول الموضوع: https://bit.ly/3Oke03T
6- خليل عباس، الديمقراطية الآن، قراءة في ظاهرة قيس سعيد، كلمات، تونس 2019
7- رضا شهاب المكي هل تمثل فكرة الكتلة التاريخية مخرجا لتعطّل الثورة التونسية، الحوار المتمدّن العدد 4811 , 19 -5 -2015  

مقالات من تونس