ياسين يملأ السجن زهوراً

كان الفنان خارج السجن طوال الوقت فيما يسجِّل حضوره كل يوم كرقم في نظام الزنزانة.. وفيما كان الجميع يكابدون الإيقاع المترهل المتراخي للزمن الذي يخفق بأجنحته الكئيبة على الجميع، كان هو يصنع زمنه الخاص، وهو ما يقي صاحبه من "آفة التذكر" وألم الحنين إلى تلك العوالم البعيدة التي تبدو أحياناً لفرط تنائيها كأنها لم توجد قط.
2022-07-07

ممدوح عبد المنعم

كاتب، من مصر


شارك
ياسين - مصر

في الوقت الذي يحمل العمل الإبداعي فرادة وافتتاناً به يشبه السحر في الأحوال العادية، فإنه يتحول إلى ما يشبه المعجزة إذا ما تم إنجازه خلف أسوار السجون، في ظروف قاتمة وخانقة وغير مواتية للإبداع في جميع الحالات. يضاعف من ألم تلك المكابدة عندما يكون السجين في مواجهة تهم عبثية لا يستطيع دفعها بالطرق القانونية ثم سرعان ما يجد أنه قد تمّ إحكام القيد على رقبته بوضعه في زنزانة يصبح معها تدبير أمور المعيشة معركة يومية لا تنتهي وصراعاً مؤلماً حتى على تلك الأشياء التافهة التي كان من المستحيل أن يلتفت إليها المرء خارج السجن . فكيف إذا كان ذلك السجين من تلك القبيلة من المبدعين الذين تمثّل لهم الحرية المرتكز الرئيس في العملية الإبداعية برمتها؟

الأمر في النهاية يشبه النفي خارج العالم الذي اعتدناه. نفي يجد معه السجين نفسه في مواجهة شراك يومية محكمة تحاول أن تنال من روحه وإنسانيته بعد أن نالت حريته، وتعمل منذ اللحظة الأولى على انتهاك خصوصيته حتى يصبح من المتعذر عليه أن يختلي بنفسه حتى للبكاء.

في تلك الأيام الأولى لدخولي سجن "وادي النطرون"، وبعد خروجي من "الإيراد" (1) وفيما أحاول أن أتحسس مواضع أقدامي في ذلك العالم الغريب والمربك، تعرفت على مجموعة من الشباب كلهم في مقتبل العشرينات من أعمارهم وهم الذين أخبروني عن "ياسين"، الفنان الذي ظلت فرشاته وأقلامه مشرّعة بوجه القضبان، يتحدى بها ذلك الغطاء المحْكم الذي وُضع فوق أراوحنا بغية إزهاقها. وقد جعل ياسين من اللوحات التي أبدعها في تلك المساحة المحدودة والظروف المقْبضة وسيلة للانعتاق والمقاومة، ونوافذاً تتوق إلى الحرية والخلاص.

في الوقت الذي حاولتُ الوصول إليه في واحدة من فترات التريض في تلك الأيام الأولى، أخبرني زملاء زنزانته أنه قد غادر السجن في الساعات الأولى من الصباح. ومن ثَمّ احتاج الأمر إلى عام كامل قبل أن أخرج إلى الحرية بدوري لأرى كيف رسم ياسين وماذا رسم.

عندما شاهدتُ لوحات ياسين تذكرت مقولة "جوزيف بويس" (2): "الإبداع هو فقط ما يمكنه أن يعرف نفسه أو يبرر نفسه على أنه علم الحرية".

ساعتها أدركت أن هذا الفنان كان خارج السجن طوال الوقت فيما يسجل حضوره كل يوم كرقم في نظام الزنزانة.. وأنه فيما كان الجميع يكابدون الإيقاع المترهل المتراخي للزمن الذي يخفق بأجنحته الكئيبة على الجميع، كان هو يصنع زمنه الخاص الذي يحتال به على ذلك السريان الرتيب الممل ويخاتله بالغوص الكامل في إبداعاته التي لم تعرف الانتهاء إلا لكي تبدأ، مفوتاً الفرصة على أن تنال منه العقوبة كما أراد مَن فرضها، وقافزاً ببراعة فوق جثة الوقت / الزمن "مشغل العقوبة " (3) بأنه "زمن الانسحاب من العالم، زمن الإقصاء والنفي. الزمن الذي يلتهم السجين ويصادر حياته".

بدأ ياسين الرسم على الفور، منذ الساعات الأولى لدخوله الزنزانة، وكأنه كان ينحت هويته أمام الجميع أو يصنع دروعه الواقية في مواجهة الانهيار والحزن.. استوقفته تلك الجدران الرمادية الباهتة، والأركان المعتمة، والأسماء التي كُتبت بخطوط مرتبكة فوق الجدران لهؤلاء الذين كانوا هنا ثم رحلوا، والأغراض التي قام أصحابها بتعليقها فوق هذه الجدران كي يحتفظوا بمساحة الأرض كاملة للنوم والجلوس .

رسم ياسين على كل شيء، على قمصان السجناء والملاءات البيضاء التي استخدمها لتزيين المكان، وعلى الأوراق التي طالتها يده وعلى الأطباق المتخلفة عن الطعام.. بقي محظوراً عليه فقط أن يرسم فوق الحيطان. ثمة دائماً زهور هنا وهناك، تعلن عن وجودها طوال الوقت كمرادفات للأمل والرغبة في النجاة من كل هذه الجهامات المحدقة. 

أنقذ ياسين نفسه عندما امتطى طوق نجاته مجتازاً به أيام المحنة الطويلة غائصاً في وجدانه الخاص كي يصنع زمنه الإبداعي الذي تحرر به من ربقة الوقت وألم الحنين إلى عوالمنا البعيدة التي خلّفناها وراءنا، والتي يصبح معها مجرد التذكر هو عقوبة إضافية تضاف إلى جملة مكابدات السجن التي لا تنتهي.

.. الاستغراق في الإبداع وصناعة الزمن الخاص يقي صاحبه من "آفة التذكر" وألم الحنين إلى تلك العوالم البعيدة التي تبدو أحياناً لفرط تنائيها كأنها لم توجد قط.

التذكر الذي رادفه "الطاهر بن جلون" في "تلك العتمة الباهرة" بالموت: "التذكر هو الموت. لقد استغرقني بعض الوقت كي أدرك أن التذكر هو العدو، فمن يستدعِ ذكرياته يمت فوراً بعدها كأنه يبتلع قرص السم. ولكن كيف كان لنا ان نعرف أن الحنين في ذلك المكان يمكن أن يؤدي بنا إلى الموت؟ كنا منسيين تحت الأرض، بعيداً كل البعد عن الحياة، عن ذكرياتنا. وبرغم الأسوار التي تطوقنا، فلم تكن الجدران حصينة بما يكفي. فلا شيء يحول دون فوران الذاكرة".

أخبرني ياسين أنه بدأ الرسم على الفور. بدأ منذ الساعات الأولى لدخوله الزنزانة وكأنه كان ينحت هويته أمام الجميع أو يصنع دروعه الواقية في مواجهة الانهيار والحزن.. استوقفته تلك الجدران الرمادية الباهتة، والأركان المعتمة، والأسماء التي كُتبت بخطوط مرتبكة فوق الجدران لهؤلاء الذين كانوا هنا ثم رحلوا، والأغراض التي قام أصحابها بتعليقها فوق هذه الجدران كي يحتفظوا بمساحة الأرض كاملة للنوم والجلوس.

استطاع في الأيام الأولى، ببعض الأقلام المتاحة، أن يرسم اسكتشات سريعة لكل ركن في الزنزانة. بدت لوحاته في تلك الفترة بسيطة للغاية وهي ترصد الوجوه التي غمرها الحزن والقضبان المحيطة بكل شيء. ثم استطاع فيما بعد أن يحصل بصعوبة بالغة على أدوات الرسم والألوان من خلال زيارات الأهل التي عرفت طريقها للانتظام. ساهمت تلك الأدوات والألوان الإضافية في أن تصبح اللوحات أشد رسوخاً وأكثر قدرة على البوح بالتفاصيل والمشاعر.

تأكدت هويته في الزنزانة كفنان تختلف نظرته للمكان أيما اختلاف عن غيره. فعلى الرغم من الإمعان في كآبة الجدران الرمادية والأبواب السوداء، إلا أن لوحات ياسين لم تخلُ أبداً من الزهور. ثمة دائماً زهور هنا وهناك، تعلن عن وجودها طوال الوقت كمرادفات للأمل والرغبة في النجاة من كل هذه الجهامات المحدقة.

رسم ياسين على كل شيء، على قمصان السجناء والملاءات البيضاء التي استخدمها لتزيين المكان، وعلى الأوراق التي طالتها يده وعلى الأطباق المتخلفة عن الطعام.. بقي محظوراً عليه فقط أن يرسم فوق الحيطان، أن يغير جهامتها الرمادية التي حرص أصحابها أن تظل كالحة وباردة وقادرة طوال الوقت على التهام الضوء ومصادرة البهجة ونفث الكآبة في وجوه الجميع.

وفيما تباينت نظرات زملاء الزنزانة لما يفعله ياسين بحسب تباين رؤيتهم للفن واختلاف مرجعياتهم الفكرية والثقافية، إلا أنهم اجتمعوا على مؤازرته من أجل أن يستمر في الرسم. فساعده كثيرون في إدخال مزيد من أدوات الرسم خلال الزيارات، وقام آخرون بتهريب لوحاته التي استطاع إتمامها أسفل علب الطعام الفارغة التي كان يتم إعادتها إلى الأهل. بل ونبت من بين هؤلاء نقاد تشكيليون حرصوا على مناقشته في تلك الإبداعات، وكان من بين هؤلاء أحد أكثر السجناء تشدداً في رؤيته للفن، وقد أبدى له إعجاباً غير محدود بلوحاته إلا أنه كان يأمل دائماً أن "يطمس" ياسين وجوه هؤلاء البشر الذين يطلون من لوحاته.

وبعدما تأكدت هوية الفنان دفع إليه زملاء الزنزانة بصور أطفالهم.. تلك الصور الصغيرة التي لا بد أن كل سجين يحتفظ بها دائماً بين طيات ملابسه وفي متناول يده كأعز مقتنياته. يتأملها بين الحين والآخر عندما يخلو إلى نفسه. قام ياسين بإعادة رسم وتكبير صور الصغار ومنحها من ألق ألوانه ابتسامات إضافية.. قبل أن يقوم السجناء بلصقها بحذر فوق أماكن نومهم لتصنع معرضاً دائماً لهؤلاء الأحباب الغائبين، ونوافذ يطلون منها على عوالمهم المفقودة في تلك الديار البعيدة للغاية.

وفي واحدة من نوبات التفتيش المفاجئة، حين يداهم الحراس الزنازين في الصباحات الباكرة للغاية، وفيما يحاول السجناء السيطرة على نوبات الفزع التي أصابتهم، عثر الحراس على أدوات الرسم التي اجترح بها ياسين "جرائمه". ولأن هذه الأدوات مخالفة للائحة السجون فقد اصطحب الحرس ياسين إلى زنزانة التأديب الانفرادية. تلك الزنزانة التي تكفي بالكاد لأن يتمدد بها جسده، والتي يحصل فيها على مدى أسبوعين كاملين على رغيف واحد لطعامه كل يوم، وتخلو من أي نوافذ باستثناء فتحة تهوية في باب الزنزانة. أخبرني ياسين أن أول ما فعله عند دخولة الزنزانة أنه قام بغسل حوائطها بالغة القذارة. انهمك في ذلك العمل لوقت طويل وبأقصى ما استطاع من طاقة، ثم جلس بعدها كي يستريح ويتأمل تلك الجداران التي وإن تخلصت من قذارتها فهي لم تتخلص من جهامتها، قبل أن يستسلم لنوم طويل. وفي الصباح وعبر سلسلة طويلة من العلاقات والوشائج الإنسانية، استطاع زملاء ياسين أن يُدخلوا إليه أوراقه وألوانه مجدداً ليقضي كامل مدة عقوبته في الزنزانة الانفرادية في الرسم والتأمل ومحاولة استنبات زهور جديدة... حتى خرج إلى زنزانته الأولى في النهاية.

في فترات التريض القصيرة، لم تكف عينا ياسين عن البحث بين مساحات التريض الضيقة وكان لا بد له أن يلمح ذلك المشهد المألوف الذي ظل نزلاء سجن وادي النطرون يرونه كل يوم لمدة خمس سنوات بلا توقف. ذلك المسن الذي جلس في ركن محدد لم يغيره أبداً وانهمك في "نسج" مجموعة من شباك الصيد الصغيرة الملونة! لا يكاد ينظر إلى أحد أو يكلم أحداً إلا ببضع همهمات يُسْكت بها فضول المتحلقين حوله.

كنت أعرف حكاية "أبو عبد الله"، وهو واحد من مجموعة سجناء عديدين ينتمون إلى محافظة "شمال سيناء" فوجئ بإلقاء القبض عليه ذات يوم بعد خروجه من البحر عقب انتهائه من يوم عمله كصياد اعتاد ممارسة تلك المهنة في تلك الأماكن لأكثر من خمسين عاماً. لم يفهم الرجل قط لماذا يقبضون عليه ولم يستوعب حزمة التهم التي لاحقته في محاضر النيابة. لكنه استقبل الحكم الغليظ كما يليق بصياد علمته مهنته الصبر قبل جميع الخصال..

دفع إليه زملاء الزنزانة بصور أطفالهم.. تلك الصور الصغيرة التي لا بدّ أن كل سجين يحتفظ بها دائماً بين طيات ملابسه وفي متناول يده كأعز مقتنياته. يتأملها بين الحين والآخر عندما يخلو إلى نفسه. قام ياسين بإعادة رسم وتكبير صور الصغار ومنحها من ألق ألوانه ابتسامات إضافية، قبل أن يقوم السجناء بلصقها بحذر فوق أماكن نومهم

عثر الحراس على أدوات الرسم فاصطحبوا ياسين إلى زنزانة التأديب الانفرادية. وفي الصباح وعبر سلسلة طويلة من العلاقات والوشائج الإنسانية، استطاع زملاء ياسين أن يُدخلوا إليه أوراقه وألوانه مجدداً ليقضي كامل مدة عقوبته في الزنزانة الانفرادية في الرسم والتأمل ومحاولة استنبات زهور جديدة 

عندما سألته عما يصنع بتلك الشباك الكثيرة التي يقوم بنسجها، أخبرني أنه يدفعها لزوجته عندما تأتي لزيارته في كل شهر. فسألته: وهل تقوم زوجتك ببيعها؟ فأخبرني مبتسماً أن هذه الشباك صغيرة وضعيفة ولا تصلح للصيد، وأنه يعكف على غزلها بانهماك لا يعرف التوقف كي يستغرق في العمل فلا يموت كمداً من فرط الحزن أو الحنين. وأنه فيما يقوم بهذا العمل فإنه يشعر طوال الوقت أنه يوجد ثمة رابط يربطه بسيناء والبحر. أخبرني أبو عبد الله أن عينيه قد كلّت من فرط العمل ولكن أصابعه لا زالت تعرف طريقها جيداً بين طيات الخيوط. ثم أخبرني أنه لن يتوقف عن نسج الشباك حتى لا يفقد مهارته في إصلاحها عندما يعود إلى سيناء من جديد ذات يوم كان يراه قريباً دائماً.

قام ياسين برسم أبوعبد الله، وأخرج الزهور من جسده الذي أثخنته السنين فيما أطلت ورقة صغيرة في خلفية اللوحة تقول أن "هذا الوقت سيمر".

مقالات ذات صلة

أخبرني ياسين أن هذه اللوحة هي الأقرب إلى قلبه من بين أكثر من 70 لوحة رسمها داخل السجن. ربما لأن أبا عبد الله صنع زمنه الخاص كما فعل ياسين، وربما لأنه تعاطى مع "فنه" الذي يتقنه والذي كان بمثابة طوق نجاة للرجل كما كان الرسم لياسين. وكأنّ ياسين وجد صنوه أخيراً. وكأنّ تلك الورقة التي جعلها تخبره أن "هذا الوقت سيمر" قد كتبها ياسين لنفسه أولاً..

"أبو عبد الله"، السبعيني، هو واحد من مجموعة سجناء عديدين ينتمون إلى محافظة "شمال سيناء". فوجئ بإلقاء القبض عليه ذات يوم بعد خروجه من البحر عقب انتهائه من يوم عمله كصياد. لم يفهم الرجل قط لماذا يقبضون عليه ولم يستوعب حزمة التهم التي لاحقته في محاضر النيابة. لكنه استقبل الحكم الغليظ كما يليق بصياد علمته مهنته الصبر قبل جميع الخصال.

خرج ياسين إلى الحرية أخيراً بعد أن رسم كل ما وقعت عليه عيناه من زوايا وأركان ووجوه وقصص وشخصيات وحكايات كانت شاهدة على تلك الفترة بالغة التعقيد والمرارة في تاريخ مصر الحديث. الفترة التي ضمت في زنازين متجاورة كل ألوان الطيف السياسي من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، بالقرب من تجار المخدرات والقتلة. لكنهم ظلوا في النهاية مجرد بشر، وظلت وشائجهم الإنسانية في متناول ريشة الفنان الذي تسامى فوق كل صور الخلافات السياسية كي يلتقط فقط ما يمت إلى الإنسانية في كل هذا التشكيل المعقد والعجيب.

وظلت فرشاة ياسين بعد خروجه من السجن تطالب بالحرية لكل هؤلاء الذين ما زالوا هناك. وظلت تنثر الورود من أجل عالم أكثر رحابة وأكثر عدلاً وأكثر انسانية . 

______________________

1- الإيراد هي حجرة مكتظة يوضع فيها السجين في الأسبوع الأول من السجن بدون أي فترات تريض وفي ظروف بالغة السوء، قبل أن يتم نقله الى زنزانته بعد ذلك .
2- جوزيف بويس، فنان أداء ألماني الجنسية، بالإضافة إلى كونه كان أيضاً نحاتاً ورسام غرافيك، ومنظِّراً فنياً...
3-  بحسب ميشيل فوكو، الفيلسوف الفرنسي وأحد أهم فلاسفة العالم في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد عالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه