وداعاً لعوّامات النيل...

"التطوير" لا يحتمل التأجيل ولا يستطيع العمل مع الوداعة التي لا تتحرك في اتجاه درّ الأموال، ولا يتحمّل بقاء ما قيمته معمارية وإنسانية وجمالية وثقافية للمدينة على حساب ما قيمته مادية متزايدة، وتغري بالمراكب السياحية والتجارية، بالعابرين محلّ المقيمين...
2022-07-07

شارك
عوامات النيل

كيف يحدث أنّ تُزال تلك البيوت جميلة التصميم العائمة فوق نهر النيل، هكذا وبهذه السرعة والخفة؟ يصف البعض الأمر بأنه كأنّ الرئيس السيسي، المهجوس بفكرة "التطوير" و"المشاريع الجديدة"، انتبه فجأة لوجودها، وعليه أمر بإزالتها على الفور! لا يعرف أحد إن كان هذا ما جرى فعلاً، ولكنّ الأكيد أن سكان العوامات – ويبلغ عددها 32 فقط - لم يعلموا إلا قبل أيام قليلة بقرار الإزالة ذاك، ولم يُعطوا فرصة للاعتراض ولا لتدبر سكن بديل!

من بعيد وعن قريب، تبدو تلك العوامات السكنية الواقعة في منطقة "العجوزة" و"الكيت كات" وادعة ومؤنسة وساحرة بطريقتها، إلّا أن "التطوير" لا يحتمل التأجيل ولا يستطيع العمل مع الوداعة التي لا تتحرك في اتجاه درّ الأموال، ولا يتحمّل بقاء ما قيمته معمارية وإنسانية وجمالية وثقافية للمدينة على حساب ما قيمته مادية، ومتزايدة، وتغري بالمراكب السياحية والتجارية، بالعابرين محلّ المقيمين...

وتلك العوامات تحيل فوراً إلى مشاهد نوستالجيّة تصلح بطاقة بريدية ترسلها إلى الأصدقاء خارج مصر لتقول "هاكم القاهرة". ومن يذكرها يذكر رواية الأديب المصري نجيب محفوظ، الحائز على نوبل للآداب: "ثرثرة فوق النيل" التي تجري أحداثها في إحدى العوامات – وهو الذي سكن عائمة سكنية ويعرف أجواءها و"ثرثراتها".

لم تنفع المناشدات على مدار الأسبوع الذي سبق الإزالة، ولا الفيديوهات اليومية للدكتورة أهداف سويف، مالكة إحدى العوامات، التي باعت بيتها في ويمبلدون ببريطانيا لتشتري بثمنه عوامة، واختارت العودة إلى بلدها مصر بعد "ثورة يناير" أملاً بحياة جديدة تستحقّ أن تعاش في وطنها. عائلة الهجرسي خسرت بيتها أيضاً، ذاك الذي اشتروه بعد أن باعوا شقتين كانوا يملكونهما وصرفوا جنى أعمارهم - تعويضات نهاية الخدمة للوالد والوالدة - في سبيل "البيت الحلم" الذي سُلب دونما تعويض أو فرصة إنقاذ. وهناك السيدة إخلاص حلمي بأعوامها الـ88، وهي تقول أنها "زيّ السمكة تعيش في المية، ولو طلعت من الميّة تموت"، وتربي عشرات الوزّات والقطط وكلباً هرماً أمام بيتها. تتوه عيناها حين تتساءل ماذا ستفعل بهم وبنفسها عندما يخلونها من بيتها، وتقول إنها خسرت 6 كيلوغرامات خلال أيام قليلة حزناً وكمداً...

عوامة الكاتبة أهداف سويف

الإزالة على قدم وساق، وقد طُوي فصل آخر من فصول المدينة التي سمّيت "قاهِرة"، وتقهرها الظروف اليوم، إذْ يحيلُها حكّامها مدينةً أخرى، غير التي يعرفها أهلها.  

شاهد فيديو بدء إزالة عوامة أهداف سويف

مقالات من العالم العربي

جورج جاكسون في شمس فلسطين

صباح جلّول 2022-08-06

يُقام في غزّة معرضٌ فني ثقافي-فنّي يتناول سيرة نضال جورج جاكسون، القائد الميداني ل"الفهود السود" في الستينات، وارتباط نضال هؤلاء بمقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال ارتباطاً شعورياً وشِعرياً وحقيقياً على عدة...