تشويه الأعضاء التناسلية للإناث لا يزال راسخاً في صعيد مصر

تحدثتُ مع عدد من سيدات القرية من أجيال مختلفة: كلهن (تقريباً) ينوين إجراء العملية لبناتهن، أو أجرينها بالفعل. منهن مؤيدات بشدّة للختان، وليس فقط كبيرات السن لكن حتى الشابّات المتعلمات. ودوافعهن لذلك الرضوخ لضغوط المجتمع الذي ينبذ غير المختونات، وألا تتعرض البنت للمعايرة من زوجها مستقبلاً أو تقل فرصها في الزواج، واعتبار ختان البنت ضمانة لعفتها ويمنعها من الانحراف.
2022-07-07

منى علي علاّم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
نساء من صعيد مصر

من يتابع الحملات المكثّفة التي تطلقها الدولة المصرية ضد ختان الإناث والتي بدأتها قبل ما يقرب من عقدين من الزمان، وتغليظ عقوبته القانونية، وتصريحات المسئولين (1) عن الإنجازات في هذا الملف، قد يظن أن هذه الممارسة المجرَّمة قد انحسرت أو حتى تراجعت في الصعيد، الذي يمثل بؤرة لها ولغيرها من الانتهاكات والجرائم في حقّ النساء. لكنّ زيارة إلى قراه ستريك واقعاً مختلفاً.

قبل أشهر، كنت في زيارة إلى إحدى تلك القرى (قرية الشاورية بمحافظة قنا)، ووجدتُ أن الجميع تقريباً هناك يمارس ختان الإناث، دون تغيير يُذكر في معدّل انتشاره عبر الأجيال. ولا تزال حتى هذه اللحظة أجيال جديدة من الفتيات تتعرض للختان على يد أطباء من القرية أو من مناطق مجاورة يتم استقدامهم إلى البيوت. والوضع نفسه في قرى محيطة (مثل "الرئيسية" و"هو"ّ و"الجزيرة"..). تقول فتاة ثلاثينية بالقرية "ده أنا نفسي أسمع واحدة في الجيل الجديد مش مطّاهرة.. البت لو ما اطّاهرتش تبقى قليلة أدب.. عادات وتقاليد، الناس مش قادرة تكسرها..".

وقد تحدثتُ مع عدد من سيدات القرية من أجيال مختلفة، كلهن تقريباً ينوين إجراء العملية لبناتهن، أو أجرينها بالفعل. ومنهن مؤيدات بشدة للختان، وليس فقط كبيرات السن لكن حتى الشابّات المتعلمات.

"الختان مش هاتلقي فيه عقاد نافع، شغّال في الصعيد 100 في المئة" تقول "سماح" (2)  سيدة ثلاثينية أجرت العملية لابنتها قبل حوالي عامين، "ومش هانبطّلوه" تضيف أخرى.

ودوافعهن لذلك الرضوخ لضغوط المجتمع الذي ينبذ غير المختونات، وألا تتعرض البنت للمعايرة من زوجها مستقبلاً أو تقل فرصها في الزواج، واعتبار الختان للبنت ضمانة لعفتها ويمنعها من الانحراف، وبدعوى أن العملية صارت تتم بصورة "أرقى" أو أكثر سهولة، حيث تُجرى بـ"الليزر" (وهذه أكذوبة سأعرض لها لاحقاً)، ويتم قطع جزء صغير من عضو الفتاة. وأحياناً يكون الضغط من الجدّة مثلاً: "أنا مش عايزة أخْتنها بس ستّها ما رضياش".

الادّعاء بأن غير المختونات مفرِطات في الشهوة الجنسية غير صحيح، لأن الختان لا يؤثر في الرغبة وإنما في درجة الإشباع. والتفكير هذا نتاج الثقافة الذكورية السائدة التي تجعل طلب المرأة للعلاقة مستهجَناً بينما للرجل أن يطلبها وقتما يشاء، وفي الوقت نفسه تلام الزوجة من قِبَل زوجها الذي يتّهمها بالبرود أو بأنها لا تحبه بسبب عدم تفاعلها.

وعادة ما تتشابه تجارب النساء مع الختان وهي مؤلمة جسدياً ونفسياً، وتعلق بأذهانهن منذ الطفولة: حقنة البنج في المكان الحساس.. مشهد الطبيب و"التمرجي" (الممرض) وأدوات القطع.. وصل الأمر في بعض الحالات إلى تهديد الفتيات بالعصى كي لا يبكين أو يصرخن، وإجراء العملية على مرأى من الغرباء.. والمعاناة التي تعقب العملية بسبب الجرح "كنت أتعذّب في دخول الحمام" تقول الفتاة الثلاثينية، وحالة الهلع التي تعيشها الطفلة، ثم الضيق أو الغضب الذي تشعر به بعد أن تكبر وتُدرك أضرار هذه العملية التي سيقت إليها دون اختيار.

إلا أن تجارب النساء الأكبر سناً أكثر صعوبة، حيث كانت العملية تُجرى على يد الدايات. تقول سيدة سبعينية "بالموس والعَوِين ولَمونة". والعوين هو الرماد المتولّد من أفران الخبيز الطينية يُكبَس به الجرح، وكانت الداية تأخذ أجرها "شوية قمح أو صابونتين".. وتقول الجدّة التي تنتمي لإحدى الأسر المسيحية بالقرية، إن الأمر صار أسهل مع بناتها وحفيداتها، وجميعهن خُتِنّ، "دلوقتي بالجهاز ما تحسيش وتاخدي بنج".. "لا يا امّي مفيش غلط.. لازم الواحدة يطاهروها حتى لو كانت ممنوعة.. طب أشوفه يعمل لي إيه التليفزيون؟.. ده من يوم الدين من يوم ما طلعت الناس.. يعني يقولوا ما يطاهروش؟ ما ينفعش.. لازم كلها بلادنا تجيب الدكاترة". مشيرة إلى أن "الدكتور بييجي في المغرب ويطاهر، قبل كديتي (كان يأتي) في أي وقت".

سيدة مسنّة أخرى تستنكر منع ختان البنات "لا عفش ضرر يا بوي لو خليتيه.. إيه اللي يخلوه ده كمان؟! ده تلاتة (يلزم قطعهم في البنت) اتنين من فوق وواحدة من وسطاني"، وأنه إذا كان هذا الأمر قد بات ممنوعاً في المدن فينبغي أن تأتي "بنات بحري" إلى الصعيد لتختينهن: "هاتوهم هنا".

عبر الأجيال والأديان

شيماء، ربّة منزل ثلاثينية حاصلة على دبلوم، تنوي ختان ابنتها التي تدرس في المرحلة الابتدائية على الرغم من رفض الطفلة وخوفها، تقول: "تسيبيها (من غير ختان) ممكن محدش يرضى ياخدها (يتزوجها).. لو قاعدين عنديكم (في القاهرة أو الإسكندرية) ماشي.. هنيتي يقولوا ده قاعدة على كده.. ده ممكن يطلّقها اللي ياخدها". تتابع شيماء الحملة الإعلانية ضد الختان "وحتى في إذاعة القرآن" ولكنها لا تزال تعتقد أن ختان البنات ليس حراماً، وأن المدن والدول التي لا تختّن بناتها تنحرف وينتشر فيها الفساد، كما أخبرها زوجها الذي عمل بالخارج لفترة.

سماح، حاصلة أيضاً على دبلوم، وهي قاهرية المولد والنشأة ولكنها انتقلت للقرية عند الزواج. تقول إن ختان ابنتها كان قرراها وليس قرار زوجها، وهو كان في الوقت نفسه كي تتجنب لومه فيما بعد. وقد أخبرت ابنتها وقتها "زيّ البنات.. دي حاجة عادية.. عشان ما يجيش احتباس في البول". كلّفتها العملية 350 جنيهاً والعلاج (مسكنات ومراهم) في حدود 400 جنيه (الجنيه =0.053 دولار). "الدافع عشان ما أبقاش حاجة غريبة.. يبقى زيّي زيهم.. ما تسمعيش ليه ما طاهرتهمش.. ما أحبش أبقى في الوضع ده.. الواحد يبقى مع الأغلبية أحسن ما تبقي لوحدك كده.. ولا أحطّ نفسي في سؤال ولا جوزها يحرجها بعد ما تتجوز.. هنا في الصعيد صعب قوي.. لو بحري عادي.. هنا الناس عارفة كل حاجة عنكِ.. هاتبقى منتشرة بت فلان مش معمول لها عملية ختان.. الحاجة التانية تبقى البنات محترمة". وترى سماح أن هذه الممارسة لن تنتهي إلا إذا توقف الأطباء عن إجرائها، وتوقف الرجال عن معايرة زوجاتهم غير المختونات.

تتشابه تجارب النساء المؤلمة جسدياً ونفسياً مع الختان وتعلق بأذهانهن منذ الطفولة: حقنة البنج في المكان الحسَاس.. مشهد الطبيب و"التمرجي" (الممرِّض) وأدوات القطع وإجراء العملية على مرأى من الغرباء. ووصل الأمر في بعض الحالات إلى تهديد الفتيات بالعصى كي لا يبكين أو يصرخن.. والمعاناة التي تعقب العملية بسبب الجرح "كنت أتعذّب في دخول الحمام".

تجارب النساء الأكبر سناً أكثر صعوبة، حيث كانت العملية تُجرى على يد الدايات. تقول سيدة سبعينية "بالموس والعَوِين ولَمونة"، والعوين هو الرماد المتولّد من أفران الخبيز الطينية يُكبَس به الجرح، وكانت الداية تأخذ أجرها "شوية قمح أو صابونتين".. وتقول الجدّة التي تنتمي لإحدى الأسر المسيحية بالقرية، إن الأمر صار أسهل مع بناتها وحفيداتها، وجميعهن خُتِّنّ. 

ابتسام، جامعية وموظفة، تؤكد اقتناعها بالختان لابنتها ذات الستة أعوام "أنا بالنسبة لي مالوش سلبيات" وأن الرسول لم يحرّمه، وتعتبره عملية تجميل ويؤدي لعفة البنت وضمان السلامة بشأن سلوكها مخافة ألا تكون قادرة على التحكم في رغباتها. وبخصوص البرود الجنسي تقول إن هذا كان يحدث قديماً أما الآن "الدكاترة بقت مفتّحة ما بقتش تشيل زي زمان"، حتى التأثير النفسي لم يعد موجوداً حيث يتم تنويم البنت ببنج كلي. وعن موقف زوجها "مفيش راجل هايبقى معارض"، مشيرة إلى أن المرأة غير المختونة قد ينفر منها زوجها ويكرهها بسبب إفراطها في طلب العلاقة.

غادية عبد القوي مدرّسة وناشطة اجتماعية بالقرية، قالت إن موقفها من ختان الإناث قد تغيّر بعد أن حضرت قبل فترة دورة تدريبية بإحدى الجمعيات في "قنا" بالتعاون مع منظمة اليونيسيف، وحاضرت فيها طبيبة كانت تذكر ادعاءات المؤيدين للختان وتفنّدها على أساس علمي، وتُبيّن الأضرار العديدة التي تصيب البنات جراء الختان، وهو ما لم تجده في إعلانات التليفزيون كما تقول. قررت بعدها ألا تختن ابنتها الصغرى بخلاف الكبرى "لما تفهمي الموضوع كامل تقولي مش هاعمل في بنتي كده"، وإن البنات اللاتي ينحرفن يكنّ مختونات مما يعني أن التعويل على "التربية والفكر مش البظر". وهي ترى أن الدولة ممثلة في المجلس القومي للمرأة تهتم بـ "الشو الإعلامي" أكثر من اهتمامها بالوصول الفعّال للقرى.

لا يقتصر الأمر على الأسر المسلمة. وهذا مجمل ما قاله رجل سبعيني من الأقلية المسيحية بالقرية أثناء حديثي معه: "بنطاهروهم يا ستي.. لغاية دلوك آه.. من شهرين تلاتة طاهرنا بت.. بتّ ولدي.. وبت بتي برضه طاهرناها.. نجيبوا الدكتور.. هنا ع الجسر (الطريق الرئيسي للقرية).. ولاد بنات عما نطاهروهم.. الواد ما كملش شهرين تلاتة.. البت عما يخلوها تكبر.. بتاعت عشر سنين.. لا يا ستي إحنا لازم.. طلعنا لقينا جدودنا كده عما يطاهروا.. بنات وولاد بيتطاهروا.. لازم ما ينفعش.. برضه كده؟! ما ينفعش يا شيخة.. لا ده عن جدودنا كده من غير ما يقول القسيس.. افرض القسيس قال ما تطاهروش البنات نتبعوهش.. طب قال الحكومة عما تمنع طهارة البنات.. إحنا عما نطاهروهم دسّ (في الخفاء).. لازم نطاهروهم.. يقول لك قال البت قال ممنوع طهارتها.. القرار طالع جديد.. لا.. لا ما نتبعهوش الكلام ده يا ستي.. آبّاي برضه كده؟!.. عن جدودنا كده.. ده زمان قبل الدكاترة كانت تاجي واحدة داية تطاهر البنات وكان واحد مزيّن يطاهر الولاد.. مفيش بنج ولا حاجة غير بالموس ويكويها بلمونة وخلاص.. بس دلوك الحمد لله فيه بنج ودكاترة وكل حاجة.. ده كلام ما ينفعلوش عازة دي.. لا مفيش ضرر.. حتى لو منعته الحكومة.. طب ده أنا سمعت لو قالوا إن الدكتور عما يطاهر بنات يعملوا له غرامة وحكاية.. لا إحنا عما نجيبوه (إلى المنزل) دسّ.. عشان ما يتضرّش الدكتور ولا احنا ما نتعاقبوش.. بس غلط والله يا ستي قلة الطهارة.. برضه كده؟! ينفعش. طلعنا الواحد لقي جدود جدود جدودنا نفس الكلام هانطلعوا إحنا نختلفوا؟!"

تمسُّك أهالي القرية بختان بناتهن يرجع إلى قوة العادات والتقاليد أكثر من الدوافع الدينية. إلا أن الجانب الديني يظل مهماً وذا أثر، فإن لم يعتبر الناس الختان فرضاً دينياً، فإنهم يعتقدون أنه غير محرّم وذلك على الرغم من من فتاوى الأزهر ودار الإفتاء بالتحريم، لكن خطاب شيوخ السلفية لا يزال يشوّش على الناس بترديده أحاديث كلها ضعيفة وبلا سند. 

كما يشمل الأمر أيضا البنات ذوات الإعاقات الجسدية و/أو العقلية. وخلال عملي الميداني كان هناك ثلاث شابات ذوات إعاقة أجرت لهن أسرهن عملية الختان، "أمّال يخلوها كده بهنيتها من قدّام زي الراجل؟ ما ينفعش"، تقول والدتها.

الختان والحياة الجنسية للمرأة

بطبيعة الحال، تطرّقت النساء اللاتي تحدثت معهن في القرية، وجميعهن مختونات، لتأثير الختان على حياتهن الجنسية. تقول شيماء إنها شخصياً ترى أن المرأة لا ينبغي أن تخْتن "هو المفروض بلاش.. أنا عن نفسي.. عارفة ليه؟ عشان عما يشيل الأحاسيس"، خاصة إذا كان الجزء المقطوع كبيراً كما في حالتها إذ تصف نفسها "أنا زي كده زيرو"، لذلك تنوي عند ختان ابنتها أن توصي الطبيب بأن يجريها لها "خفيفة.. يشيل حاجة بسيطة" حتى لا تتكرر تجربتها.

أما سماح فتصف ما جرى لها في عملية الختان: "تحسي جزء حساس جداً، الإحساس فيه عالي بعد كده اتشال خلاص". مع ذلك هي ترى أن الختان لا يلغي استمتاع المرأة بشكل كامل "مش 100 في المئة.. تأثيرها 50 في المئة"، وأن الأمر يعود لـ "الراجل وأسلوبه ولا يكون شاتمك.. الطريقة نفسها.. التفاهم"، ثم تضيف "الواحد عامل عملية ختان فمش هايبقى عارف".

تقول د. أماني عزالدين طبيبة النساء والتوليد بالإسكندرية إن الوظيفة الأساسية للبظر في العضو التناسلي للمرأة هي الإحساس الجنسي، وهي وظيفة مهمة ولا يمكن التقليل منها "مثله مثل الأكل والشرب من حق المرأة ألا يكون لديها أيّ نقص فيه". وللشفرين الصغيرين دور أيضاً في ذلك الإحساس، كما أنهما تعطيان الشكل الطبيعي للعضو الأنثوي. وليس للبظر وظيفة في الإنجاب، ولكنه مركز المتعة الرئيسي للإناث أثناء ممارسة الجنس، إذ يحتوي على نهايات عصبية أكثرمن أي مكان آخر بالجسم. وأن الجزء الظاهر هو طرفه فقط ولكن الجِذْع يتكون من جزءين يمتدان داخل الجسم أسفل جانبي المهبل.

لا يقتصر الختان على الأسر المسلمة. قال رجل سبعيني من الأقلية المسيحية بالقرية: "بنطاهروهم يا ستي.. لغاية دلوك آه.. طلعنا لقينا جدودنا كده عما يطاهروا.. لا ده عن جدودنا كده من غير ما يقول القسيس.. افرض القسيس قال ما تطاهروش البنات، نتبعوهش.. طب قال الحكومة عما تمنع طهارة البنات.. إحنا عما نطاهروهم دسّ (في الخفاء)".

تقول شيماء إنها شخصياً ترى أن المرأة لا ينبغي أن تُختن "هو المفروض بلاش.. أنا عن نفسي.. عارفة ليه؟ عشان عما يشيل الأحاسيس" خاصة إذا كان الجزء المقطوع كبيراً كما في حالتها إذ تصف نفسها "أنا زي كده زيرو"، لذلك تنوي عند ختان ابنتها أن توصي الطبيب بأن يجريها لها "خفيفة.. يشيل حاجة بسيطة" حتى لا تتكرر تجربتها. 

تضيف د. أماني أنه في حالات قليلة جداً يزداد طول الشفرة الصغرى إلى الحد الذي يسبب للمرأة ضيقا والتهابات متكررة أو حتى تورّمات، مما يستدعي إجراء عملية لتصغير الشفرة الصغرى وتعرف طبياً باسم Labia Minora Reduction، وهي عملية معروفة علمياً ويتم إجراؤها لنساء بالغات في العشرينيات والثلاثينيات والأربعينيات، بناء على طلبهن. هناك أيضاً عملية تقصير للجلد الذي يغطي البظر عندما يكون طوله مزعجاً للمرأة وتسمّى Clitoral Hood Reduction، وذلك دون المساس بالبظر. ومثل هذه العمليات هي عمليات تجميل تُجرى عالميّاً وليس لها أي علاقة بما يعرف بالختان.

والفارق كبير مع ختان الذكور، ويعني إزالة الجلد الرقيق الذي يحيط بطرف القضيب، وليس له علاقة بالأداء الجنسي للرجل. أما ختان الإناث، الذي يزيل مكوناً أساسياً من العضو الأنثوي. تقول د. أماني إن الأول له مبرر طبي حيث تتراكم البكتيريا أسفل هذا الجلد مما يسبب أضراراً صحية للرجل وللمرأة الشريكة أيضاً، أما الغرض من ختان الإناث من وجهة نظر من يقومون به فهو أن تصبح المرأة "باردة جنسياً" فتصون عرضها رغماً عنها، وهذا تفكير به إهانة حقيقية للمرأة كما تقول، "وكأنها كائن غير عاقل تقوده شهواته ولا تؤثر فيه تربية أو دين". وتضيف أنه خلال عملها كانت تتابع سيدات "حياتهن الجنسية منتهية" بسبب تأثرهن النفسي والعضوي بعملية الختان، خاصة من تعرضن لقطع أجزاء كبيرة من أعضائهن، ويكنّ بحاجة لتدخل نفسي ولكن للأسف لا يتوفر لهن.

أما الادّعاء بأن غير المختونات مفرطات في الشهوة فهو غير صحيح، لأن الختان لا يؤثر في الرغبة التي هي أمر طبيعي أو غريزي في المرأة، وحدّتها قد تختلف من إنسان لآخر سواء كان رجلاً أو امرأة، وإنما هو يؤثر في درجة الإشباع. وتضيف طبيبة النساء أن هذه الطريقة في التفكير تعكس الثقافة الذكورية السائدة التي تجعل طلب المرأة للعلاقة شيئاً مستهجناً بينما للرجل أن يطلبها وقتما يشاء، كأنّ الشهوة الجنسية مقتصرة على الرجل والمرأة ليس لها حق الاستمتاع، وفي الوقت نفسه تلام الزوجة من قِبَل زوجها الذي يتّهمها بالبرود أو بأنها لا تحبه بسبب عدم تفاعلها، وهذا تناقض.

أكذوبة "الليزر"

تغيُّر الطريقة التي صار الختان يُجرى بها جعل الناس يعتقدون أنه بات أقل ضرراً، "ما فيهاش ضرر مش جراحة ودم وخياطة، ممكن تاني يوم الصبح تعيش حياتها عادي" تقول إحدى الأمهات. لكن في الحقيقة فإن الأجهزة المستخدمة في العملية تسبب ضرراً أكبر، وقد تؤدي لنتائج كارثية خاصة لدى الذكور.

يقول د. جمال الصغير أستاذ ورئيس قسم المسالك البولية بجامعة "قنا" إن ما يُعرَف بـ"الختان بالليزر" ما هو إلا تدليس وخداع للناس، لأن أجهزة الليزر كبيرة الحجم ومرتفعة الثمن ولا يقل ثمن الجهاز الواحد عن 350 ألف جنيه ويصل إلى 8 ملايين جنيه، وقد لا نجدها في المراكز الطبية الكبيرة في المدن فضلاً عن أن تتوفر في الأرياف. وإن تكلفة عملية الختان بالليزر للطفل الواحد لن تقل عن 10 آلاف جنيه، بينما نجد عمليات الختان التي تُجرى في القرى لا تتعدى تكلفتها 500 جنيه. ويضيف أن الختان بالليزر آمن، ولكنه عادة لا يُستخدم إلا للضرورة في حالات مرضية معينة مثل الأطفال مرضى الهيموفيليا، حيث إنهم إذا اختتنوا بالجراحة التقليدية يتعرضون لمضاعفات النزيف التي قد تنتهي بالوفاة.

 أما الأجهزة المستخدمة بالفعل في تلك العمليات فهي أجهزة كيّ كهربائي أو ما يُسمّى بـ"جهاز الكي الكهربائي أحادي القطب"، وهو جهاز رخيص الثمن نسبياً يتراوح ثمنه بين 4 آلاف و10 آلاف جنيه، وهو في حجم الحقيبة، يتم شحنه بالكهرباء لتوليد حرارة تُستخدم في القطع والكي، وهو يُستخدم في الجراحات بوجه عام لإيقاف النزيف، ولكن يحظر استخدامه في جراحات العضو الذكري سواء الختان أو غيره. ويوضّح: استخدام هذا الجهاز بدرجات حرارة عالية في عمليات ختان الذكور يمكن أن يؤدي لانسداد الأوعية الدموية المغذيّة للعضو الذكري ومن ثم أن يصاب بالغرغرينا التي تنتهي بفقدان العضو كله أو جزء كبير منه.

ويقول د. جمال إنه خلال العام الماضي وحده مرت عليه في المستشفى الجامعي بقنا -التي تخدم قرى ونجوع المحافظة - ثلاث حالات لأطفال فقدوا أعضاءهم الذكرية كلياً أو جزئياً جراء الختان بهذا الجهاز. بالإضافة إلى حالة رابعة حدثت الشهر الماضي (حزيران/ يونيو 2022) لطفل حديث الولادة أجريت له العملية في مركز ولادة خاص مما أدى لفقدان كامل عضوه الذكري.

يؤكد د. جمال أن هذا لا يُعتبر مضاعفات اعتيادية للختان ولكنه خطأ مهني يستوجب العقوبة مثل الحبس وإلغاء تصريح مزاولة المهنة والشطب من سجلات النقابة. ويحاول الطبيب في الغالب التفاهم مع أهل الطفل الضحية والاتفاق على أن يتكفل بالعمليات الإصلاحية للعضو مقابل عدم تحريكهم الدعوى القضائية ضده. ولكن النتيجة النهائية لهذه العمليات التي تتم على مراحل وعبر فترات زمنية طويلة وبنسب نجاح ضئيلة لا يمكن أن تقارَن بالوضع الطبيعي الذي يستحيل الوصول إليه مرة أخرى، لذلك فإن الوقاية المسبقة ضرورية، من خلال نشر الوعي بين الأطباء، وتشديد الرقابة على العيادات والمستوصفات، خاصة في المناطق الريفية والشعبية. والخيار الأفضل في رأيه لختان الذكور هو الجراحة التقليدية.

الختان بالكي الحراري موجود أيضاً في المدن الكبرى كالإسكندرية كما تقول د. أماني، وبالتحديد في ختان الذكور حيث إن ختان الإناث يكاد ينحصر في المناطق الريفية أو الطرفية بالمدينة، وإن استخدام هذه الأجهزة سواء كانت طبية باختلاف أنواعها، أوغير طبية (يستخدم بعضهم كاوية لحام)، صار "موضة" يلجأ إليها كثير من الأطباء استسهالاً لأن النزف يكون أقل من الجراحة التقليدية، وهي ممارسة ليس لها أي أساس علمي، وأضرارها تشمل الإناث أيضاً وليس فقط الذكور. فالقطع بهذه الأجهزة يتم بفعل الحرارة العالية أو "الحرق" على حد تعبيرها، وهذا يسبب تليّف الأنسجة في موضع الحرق وبالتالي يقلل الإحساس كثيراً في هذه المنطقة، وبصورة أسوء من القطع الجراحي.

مغالطات العقل السلفي ومسألة الختان

الواضح من أقوال أهالي القرية أن تمسكهم بختان بناتهم يرجع إلى قوة العادات والتقاليد أكثر من الدوافع الدينية، إلا أن الجانب الديني يظل مهماَ وذا أثر، فإن لم يعتبر الناس الختان فرضاً دينياً، فإنهم يعتقدون أنه غير محرّم وألا إثم عليهم إذا فعلوه، مما يشجعهم على الاستمرار في إجرائه، وذلك على الرغم من فتاوى الأزهر ودار الإفتاء بالتحريم. لكن خطاب المؤيدين وعلى رأسهم شيوخ السلفية ذوي الوصول الواسع للجماهير لا يزال يشوّش على الناس، بترديد أحاديث كلها ضعيفة ولا تصلح دليلاً على حكم شرعي في ختان الإناث باعتباره واجباً أو سنة أو حتى مَكْرمة، بينما ما يصح ويُشدّد على تحريمه هو انتهاك الأجساد والعدوان عليها بالجرح والقطع، والإيذاء النفسي للنساء، وحرمانهن قسراً من حقوقهن الجنسية أو الانتقاص منها (3).

ما يُعرَف بـ"الختان بالليزر" هو خداع للناس، لأن أجهزة الليزر كبيرة الحجم ومرتفعة الثمن وهي لا تُستخدم إلا للضرورة في حالات مرضية معينة مثل الأطفال مرضى الهيموفيليا. أما الأجهزة المستخدمة بالفعل فهي أجهزة كيّ كهربائي أو ما يُسمّى بـ"جهاز الكي الكهربائي أحادي القطب"، وهي قد تؤدي الى اضرار بالغة بالذكور ولا علاج لها.

وقد اعتاد الخطاب السلفي التدليس على الناس بصور مختلفة، أبرزها اختيار رأي فقهي وتصديره على أنه الحكم الصحيح الذي تُحرّم مخالفته، على الرغم من أن الآراء في المسألة تكون متعددة. الحويني، الشيخ السلفي الأشهر والأكثر اتّباعاً من جموع السلفيين، يقول في فيديو له عن ختان الإناث إن الحكم الصحيح فيه هو "الوجوب" فالمرأة في ذلك كالرجل تماماً. وإلى جانب أنه حتى ختان الذكور ليس بواجب على مذهب الإمامين أبي حنيفة ومالك، بل هو سنة يأخذ بها الرجل إن شاء أو يتركها (4)، فإن هذه هي المرة الوحيدة التي يمكن أن تجد فيها سلفيّ يتحدث عن المساواة بين الجنسين! كما فعل أيضاً نائب حزب "النور" السلفي أحمد حمدي في مشاركة هاتفية بأحد البرامج عقب نقاش برلماني حول مشروع قانون لتغليظ عقوبة ختان الإناث العام الماضي 2021، وكان الحزب رافضاً لهذا المشروع، واستشهد حمدي بحديث "النساء شقائق الرجال"! وهذه مغالطة أخرى، لأن ختان الذكور في معناه وآثاره مختلف تماماً عن ختان الإناث، فكيف يمكن سحب الحكم نفسه عليهما معا؟

وقد يلجأ هذا الخطاب لتقديم معلومات طبية (مغلوطة) لتأييد وجهة نظره، إلا أنه في الحقيقة لا يعتدّ برأي الطب ولا بتطور المجتمعات واختلافها ولا – قطعاً - بتجارب النساء. فالعقل السلفي لا يعترف إلا بالنص أو الدليل النقلي، يفسره تفسيراً حرفياً أحادياً رغم احتماله تعدّد التفاسير، بل قد يعمد إلى اختلاق الدليل إن لم يسعفه نصّ صريح صحيح السند، كما في مسألة ختان الإناث. فالختان لم يُذكر في القرآن الكريم بأية صورة، ولكنّ الحويني يذكر في أدلة وجوبه الآية القرآنية "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين"، وأنّ من ملة إبراهيم اختتانه وهو ابن ثمانين سنة كما في البخاري ومسلم، وأن هذه الآية مع هذا الحديث يفيدان وجوب ختان النساء. ولا تسلْ أين النساء في الموضوع من الأصل؟

______________________

1- على سبيل المثال، في مقابلة تليفزيونية في برنامج "بتوقيت مصر" على "بي بي سي" عربي، في شباط/ فبراير 2022 بمناسبة اليوم العالمي لرفض تشويه الأعضاء التناسلية للإناث (يوافق 6 شباط/ فبراير)، ردّت د. رانيا يحيى عضوة المجلس القومي للمرأة بحدّة على سؤال عن استمرار ارتفاع نسب ختان الإناث في مصر، مؤكدة أن جهود اللجنة الوطنية لمناهضة ختان الإناث، من حملات توعية وطرق أبواب وقوافل طبية تجوب المحافظات المختلفة... كان لها أثر إيجابي وفعال للغاية على الأرض، "من خلال تعاملنا مع كافة السيدات في القرى وفي النجوع"، وأنه صار هناك وعي كبير لدى السيدات وأن الظاهرة في انحسار، وأنه ينبغي أن يكون لدينا نظرة إيجابية وألاّ نتحدث بصورة محبطة أو سوداوية.
2-  سماح وشيماء وابتسام أسماء مستعارة.
3- راجع الرأي المفصّل في المسألة لـ د. محمد سليم العوا الأمين العام السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في كتابه "الفقه الإسلامي في طريق التجديد".
4- راجع فتوى صادرة عن مشيخة الأزهر منشورة بمجلة الرسالة (عدد 3 آب/ أغسطس 1936 (رداً على سؤال ورد إليها من البلاد الهندية حول "طوائف من اهلها الهندوكيين يريدون أن يتخذوا الإسلام ديناً لهم، ولكن عادتي حجاب النساء والختان تثبطانهم.." وتضمنت الفتوى فيما يتعلق بختان النساء أنه "لم يصل إلى درجة السنة في مذهب الإمامين أبي حنيفة ومالك، ولكنّه عندهما كرامة لهن فقط. لذلك تجد أكثر المسلمين لا يختنون نساءهم.." كالأتراك والمغاربة والإيرانيون والهنود. https://archive.alsharekh.org/Articles/30/12097/237045 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه